فيروزة الأجيال – تناغم الأعمار
الجزء السابع : حين يتقدّسُ الصوت … تصبحينَ ديانةَ حبّ
كتابة : ميلاد كوركيس
هل يعرفُ العشاقُ الذين لم يسمعوكِ،
أنهم بلا ذاكرة؟
أنهم يمشون في طرقِ العشق بلا بوصلة،
ويحملون الوردَ دون أن يعرفوا رائحته؟
أنّ الحبّ من دون صوتكِ،
كلماتٌ ناقصة،
قصيدةٌ مبتورة،
نشوةٌ لم تكتمل،
وشغفٌ بلا طقوس،
وتنهيدةٌ بلا لحن،
وصلاةٌ بلا معبد؟
هل يعرفون أن "أنا لحبيبي"
ليست فقط عنواناً،
بل طقسَ انتماءٍ إلى ما يشبه القداسة؟
وأنّ كل مرة نهمس فيها بهذا النشيد،
نُقيم قدّاسًا غير معلن على مذبح العاطفة،
فتلين القلوب،
وتشرق الأرواح،
ويصبح الحنين كاتدرائية من أغنية.
أنتِ التي جعلتِ "شتي يا دني"
صرخةً على شفاهِ العصافير،
حين كانت السماء تنسى المطر،
والأرض تنسى الزرع،
والشوارع تنسى دفءَ خطى العابرين،
جعلتِها نداءً من حنجرتكِ للعالم،
كأنكِ تقولين للغيوم: هطلي لأجلي،
للأشجار: ارقصي،
وللريح: مرِّي كما تشائين،
أنا أزرعُ الحياة بصوتي،
و"خبطة قدمكن"…
نشيدًا لا يموت،
تدقُّ فيه الحياةُ طبولها،
وترقصُ فيه الشعوب،
ويخجلُ فيه الموتُ من هذا الفرح،
كأنكِ تحيين الأمم بنغمة،
وتبعثين في الأجساد الباردة روحًا لا تُطفأ.
أنتِ التي رافقتِ "سنرجعُ يومًا" حتى عادَ الغائبون،
بالدمع، أو بالذاكرة، أو بالتراب،
وكنتِ الحنينَ الذي لا يشيخ،
والوعدَ الذي لا يكذب،
وعلى أنقاضهم زرعتِ قمرًا لا يغيب،
وقلتِ: لا يزال في الغناءِ حلمٌ،
وفي الأحلامِ متّسعٌ للعودة،
وفي الغيابِ مساحةٌ لاسمكِ ليظلّ هنا… دائمًا،
كأنكِ تنقشين على الجراح جدولَ أمل،
وتحملين الموتى على أكتاف الحنين،
وتوزعين الشوقَ زادًا للمغتربين،
أنتِ نشيدُ الرجوع في وطنٍ لا يعود.
كلّ نغمةٍ في صوتكِ،
فيها من الكنيسةِ جرس،
ومن المعبدِ خشوع،
ومن القلبِ طفلٌ لا يكبر،
ومن الذكرى مسكٌ لا يذبل،
ومن الغفران عناقٌ لم يصل،
ومن الوطنِ أملٌ لا يُنهك،
كأنكِ تختصرين الأديان في همسة،
والمدنَ في شرفةٍ تطل منها الشمسُ على صوتكِ،
كأنكِ تكتبين على الهواء تراتيل لا تُمحى،
وتُدخِلينَنا جميعًا في طائفةٍ واحدة:
ديانةِ الحب.
غنّيتِ للحب،
فصارت القصائدُ ترتّبُ قوافيها على إيقاعِكِ،
وتتعلم الحروفُ النطقَ من نغمتكِ،
وغنّيتِ للحرب،
فصارت البنادقُ تخجل،
وتتراجع الرصاصات خائفةً من ضوء صوتكِ،
وغنّيتِ للبلاد،
فانتظمتْ الحقولُ،
وسار القمحُ في طوابير النشيد،
كأنّ البلاد استعادت ملامحها،
حين سمعتكِ… تتغنينَ بها.
يا ابنةَ الشرقِ الذي تعب،
الشرقِ الذي نسيَ الفرح،
يا أيقونةً تمشي على وتَر،
وتصنعُ من الخوفِ رجاء،
ومن الرمادِ ربيعا،
ومن الدمعِ نغمةً تشفي،
ومن السكوت… سلامًا لا يُقال،
كنتِ حكايتنا حين صمتت الحكايات،
ورجاءنا حين أُغلقت النوافذ،
وعيننا التي ترى ما لا يُرى،
أنتِ أجملُ صمتٍ نغنّيه.
أنتِ، وحدكِ،
كنتِ القصيدة التي لا تُنسى،
والصوتَ الذي لا يُقلَّد،
والحلمَ الذي لا يُكسر،
والصلاةَ التي لا نعرف كيف نبدأها
إلّا إذا سمعناكِ،
أنتِ التي جعلتِ للغيابِ لحنًا،
وللأملِ جسدًا،
وللحبِّ ديانةً…
اسمُها أنتِ.
#MXR
يتبع الجزء الثامن
No comments:
Post a Comment