الجزء السادس : على حافة الزمان، تغنين … والدهرُ يصمت
كتابة : ميلاد كوركيس
يا امرأةً جعلتِ اللغةَ موسيقى،
والموسيقى صلاة،
والصلاة طُهرًا يُغنّى،
كيف لم نكتب اسمكِ في دستورِ الذاكرة؟
كيف لم نعلّقْ صورتكِ على جدرانِ القلب؟
وكيف نسينا أن نُعلنَكِ وطناً حين فقدنا الوطن،
وأنتِ كنتِ الحنينَ الذي لم يحتج إلى جغرافيا؟
كنتِ النشيدَ اليتيم الذي ضمّدَ جراحَ المنكوبين،
والماءَ الذي روى أغانينا اليابسة،
كنتِ تراتيلَ الروح حين عزفتِ على أوتارنا
بلحنٍ لا يفهمه إلا من سكنه الشوقُ وطحنه الحنين.
كنتِ الوضوحَ في زمن الضباب،
والمعنى حين تتشابه الكلمات،
والإجابة التي لا تُقال… بل تُغنّى.
كنتِ تملئينَ المدنَ بالأغنية،
وتفرغينَ الشوارعَ من الحزن،
كأنكِ تعيدين رسم الأرصفة المكسورة
بأنامل الصوت لا بأزميل النحاتين،
في "بحبك يا لبنان"،
كنّا نعيدُ ترتيبَ الدمار،
ونجمع الأنقاض كما تُجمَعُ القصائد،
نبني من بين الركامِ قبلةً،
ونعلّقكِ فوقَ النافذةِ وردة،
لأنكِ الوحيدة التي رويتِ الخرابَ بلحن،
فارتوى، وازهر، وغنّى معنا من جديد،
كنتِ تنهضين من بين الرماد كطائر الفينيق،
تحملين لنا بين جناحيكِ حفنةَ أملٍ ووردةَ صوت،
تسقينَ بها الذاكرة فتكبر.
ما من "ليالي الشمال الحزينة"
إلا وتذكّرتكِ،
ما من أمٍّ تُطعمُ ابنَها فتقول: "كول يا ابني"،
إلّا وفي صوتها نغمةٌ من نغمتِكِ،
كأنكِ توزعين صوتكِ في حنجرةِ كلّ أمٍّ ناحت،
وكلّ جدّةٍ خبّأت وجعَ الوطن تحت الوسادة،
وما من طريقٍ مهجور
إلا ومرّ فيه ظلّ أغنية من صوتكِ
دفعتنا لنواصل المسير،
ولو كانت النهاية وجعاً جديداً،
فصوتكِ كان المئذنة حين صمتت المآذن،
وكان الكنيسة حين تهدّمت الأجراس،
وكان دعاءَ الجائعين حين تساقطَ الخبزُ من أفواهِ الأنظمة،
كان وطنًا يمشي معنا… على قدميْ نشيد.
أنتِ ذاكرةُ الشعوبِ النازفة،
الأمُ التي لم تلدنا لكنها حضنتنا،
الحنجرةُ التي غسلتْ أحزاننا
كما يغسلُ المطرُ وجوهَ الفقراء،
كما تُنظّف الجدّاتُ عتبةَ البيت في الأعياد
تُهيّئن للقادم شيئًا من الدفء،
شيئًا من الضوء،
شيئًا من التراتيل القديمة التي لا تبلى،
أنتِ صدى السنين حين تتهدّم البيوت
ويبقى الصوت عمودًا للحنين،
أنتِ البوصلة حين يضيع الوطن،
والأغنية التي تحفظُ للناسِ ذاكرة الشوق.
كم مرّة سقطنا؟
وكم مرّة رفعتِنا أغانيكِ من الركام؟
كم مرّة قلنا: انتهت البلاد…
فجئتِ أنتِ تغنين: "رجع الخيال"،
فعدنا نحلم،
عدنا أطفالًا بلا خجل،
عدنا نكتب أسماءنا على جدرانِ المدارس
ونرسمُكِ… أمًّا للحنين،
تعلّميننا أن نتلعثم بحروف الحب
كما يتلعثم العاشقون أمام أوطانهم،
أمام نسائهم،
أمام صوتٍ لا يموت.
أنتِ التي منحتِ حتى الألمِ معنى،
وحوّلتِ الصمتَ إلى قصيدة،
والفراغَ إلى نشيدٍ لا يُنسى،
أنتِ التي علمتنا أن الغناء
ليس رفاهية،
ولا ترفًا صوتيًا،
بل حياة.
صوتكِ وطنٌ لا يحتاجُ حدودًا،
ورقصةُ قمرٍ فوق رماد المساءات،
وأنشودةُ انتظار لا تخون،
صوتكِ صلاةُ الذين لم يجدوا مذبحًا،
ومرآةُ الذين نسوا وجوههم في زحمة الخراب،
صوتكِ… أنتِ،
وأنتِ… الذاكرة التي لا تُنسى.
#MXR
يتبع الجزء السابع
No comments:
Post a Comment