الجزيرة فسيفساء الروح … وسوريا وطن القلوب
شعرٌ من الداخل … بقلبٍ شرقي
ميلاد كوركيس
يا أبناء الجزيرة السورية
يا أبناء السهل والخبز والحقول والأنهار
يا أبناء الحجارة القديمة التي صمدت في وجه الريح
يا أبناء الزيتون الذي شهد قياماتنا كلها
اعلموا أن الأرض ليست اسمًا مكتوبًا على ورقة
ولا علمًا يُرفع فوق سطح بيت
الأرض وجوهكم وأصواتكم وأغانيكم وأحلامكم
الأرض أكبر من مدينة وأوسع من راية وأعمق من حزب
الجزيرة السورية ليست القامشلي وحدها
وليست عامودا وحدها
وليست ديريك (المالكية) أو الحسكة أو رأس العين أو الشدادي فقط
الجزيرة نهر يمتد في قلوبكم جميعًا
فسيفساء من لغات وصلوات وذاكرات متشابكة
فسيفساء لا يملكها حزب ولا تختصرها قومية
فسيفساء رسمتها خطوات أجدادنا جميعًا
من سريان حملوا لغتهم إلى صلوات الأبد
إلى كردٍ غنّوا جبالهم وألوان رقصاتهم
إلى أرمن كتبوا دموع المذابح في حجارة البيوت
إلى عرب عاشوا الكرم والرحيل والحكاية
إلى آشوريين نقشوا الأبراج الأولى على الطين
إلى شركس وشيشان جعلوا من هذه الأرض وطنًا جديدًا
جميعنا كنا هنا… منذ فجر الحلم الأول
في الجزيرة السورية،
تتعانق الأصوات بدل أن تتخاصم
في شارع واحد تسمع صوت أجراس الكنائس القديمة وصوت المآذن معًا
في بيت واحد ترى الأرمني يخبز مع السرياني ويغنيان بالكردية
وفي سوق واحد يتبادل العربي والآشوري والأرمني القمح والزيتون والملح
الجزيرة ليست كومة من الطوائف المتناحرة كما يريد الغرب أن يراها
ولا ساحة مقسومة على خرائط كما يتخيل دعاة الانفصال
الجزيرة بيت كبير له أبواب كثيرة لكن قلبه واحد
القوميات ليست جدرانًا بل نوافذ
السريان هم أوائل أبناء المكان كتبوا على الحجر أولى الحروف وعاشوا في الأديرة القديمة وعلّموا الأرض صلوات الرب بلغتهم القديمة
الكرد جاءوا من الجبال حاملين أغانيهم أضافوا على المكان لحنًا جديدًا وأصبحوا جزءًا من ذاكرة الأرض لا يمكن اقتلاعهم منها
الأرمن هربوا من المجازر فضمّتهم الجزيرة كأمّ حنون بنوا البيوت والكنائس وأدخلوا حرفهم وفنونهم فأغنوا الروح والذاكرة
العرب جاؤوا من البادية يحملون لغة الشمس وزادوا فسيفساء الأرض غنى وكرمًا
الآشوريون ظلوا صلة وصل بين تاريخ قديم حاضر في النقوش وصلوات تعانق السماء
الشركس والشيشان وجدوا هنا وطنًا بعدما سقطت أوطانهم فصاروا من نسيج الأرض لا غرباء فيها
هذه القوميات ليست عناوين للصراع بل أعمدة البيت الكبير
ومن أراد أن يقسم البيت فقد نسي أن سقفه واحد
إن الذين يتحدثون عن تقسيم الأرض لا يفهمون روح الجزيرة
ولا يعرفون أن النهر لا يسأل الأرض عن قومية الضفاف
ولا يعلمون أن الزيتون في ديريك (المالكية) لا يميز بين أصابع الحصاد
ولا يسمعون صوت الخابور وهو يروي أن الأرض لا تُقسم إلا على من لا يعرف قيمتها
يا أبناء الجزيرة لا تسمحوا لهم أن يسرقوا أصواتكم
لا تصدقوا من يقول لكم هذه الأرض لكم وحدكم دون الآخرين
الجزيرة بيت واحد لنا جميعًا
لا يحق لأحد أن يقسمه ولا أن يمنح مفاتيحه لأحد
ومن يزرع الانقسام في قلوبنا يحاول قتل الذاكرة
أما سوريا فهي البيت الكبير
لا يمكن أن تختصر في قومية واحدة أو لغة واحدة أو عقيدة واحدة
سوريا فسيفساء الشعوب والحضارات
دمشق التي علمت الدنيا أول حرف وأول موسيقى
حلب التي كتبت الحجر أغنية التاريخ وأخرجت من تحت الركام حياةً جديدة
حماة التي لا تزال نواعيرها تغني للماء والريح
حمص التي احتفظت بابتسامة رغم الدمار وذاكرة الناس رغم الغياب
اللاذقية وطرطوس حيث البحر يكتب ملحمة زرقاء من حكايات الفينيقيين
السويداء التي غرست الكرامة في قلوب أبنائها فأصبحت درسًا في الصمود
دير الزور والرقة حيث الفرات يروي قصائد البقاء
درعا حيث الزيتون يشهد على الأرض التي لا تنكسر
سوريا لوحة ألوانها دماء أبنائها وصلواتهم وأحلامهم جميعًا
رسالتي إلى أهل الجزيرة السورية
يا أهلي في الجزيرة يا إخوتي في الحلم والوجع
احفظوا الأرض من الذين يريدون تقسيمها
احملوا أصواتكم جميعًا كما هي بلغاتها كلها
لا تجعلوا أحدًا يضع حواجز بينكم وبين جيرانكم
فالذي يزرع العداوة بين السرياني والكردي والأرمني والعربي
يقطع شريان الجزيرة الذي يغذي سوريا كلها
نحن أبناء لغة مختلفة لكن قلوبنا واحدة
ولا وطن لنا إلا إذا بقيت الجزيرة واحدة
ولا هوية لنا إلا إذا بقيت سوريا بيتًا واحدًا يسع الجميع
أكتب إليكم بقلب يعرف ألمكم وأحلامكم
أكتب لأقول لكم:
لا تنخدعوا بالشعارات ولا تبيعوا الذاكرة في سوق السياسة
هذه الأرض ملككم جميعًا فلا تجعلوها جدارًا بينكم
ولا تقبلوا أن يختصرها أحد باسم مدينة أو حزب
الجزيرة فسيفساءنا
وسوريا وطن القلوب قبل أن تكون وطن الخرائط
#الجزيرة_السورية #ديريك #القامشلي #الحسكة #عامودا #رأس_العين #سوريا_لكل_السوريين #وطن_واحد

No comments:
Post a Comment