فيروزة الأجيال – تناغم الأعمار
الجزء الثاني : أنشودةُ العشبِ والعمرِ والبلاد
كتابة : ميلاد كوركيس
يا حنجرةً من حنينِ النبع،
وصدى الرعاةِ على التلال،
يا "ليلَ العاشقين" حين يدثّرهم الانتظار،
و"سهار بعد سهار" حين لا نومَ يسعفُ الأرواح،
يا نسمةً تمشي على أصابعِ الليل،
يا أنفاسَ الناياتِ في صدرِ الفلاحين،
كنتِ لنا القصيدةَ التي تتوضأ بالماء،
وتنامُ في مهدِ الحنينِ قبل أن يُولد الشعر.
يا امرأةً غنّت للأملِ كما يغني الفقراءُ للمائدة،
بصوتٍ من رغيفِ الأم،
بهمسةِ الأرضِ حين تتفتّحُ،
تلقينَ الغناءَ في حضنِ الريح،
فترتجفُ أشجارُ الليمون،
وتفيقُ المنازلُ من نومِها لتصغي،
وتهمسُ الطرقاتُ بحفيفِ خطاكِ،
كأنكِ تعبرينها دائمًا، ولو كنتِ بعيدة،
كأنكِ نداءٌ متوارٍ في زوايا البيوت،
ووصيةٌ قديمة كُتبت على جدرانِ الخوف.
ما زلتُ أراكِ تمشينَ في "ضيعة العز"،
بأقدامٍ من عطرِ الجارةِ التي تخبزُ على التنور،
بضحكةِ طفلةٍ تلعبُ تحت شجرةِ تين،
وبصوتِ نايٍ يتيمٍ يودّعُ النهار،
تضعينَ يديكِ على قلبِ المدى،
فتنبتُ "زهرة المدائن" في كفّ كلِّ مغتربٍ،
ويعودُ "العتابا" نديًّا على شفةِ البكاء،
ويُصلّى للقصيدة كما يُصلّى للغيم،
حين تنشُرين صوتكِ في المدى،
فنصدّقُ أن المطرَ سيأتي،
وأن الأحبّةَ لن يطولَ غيابهم.
هل تسمعينَ الآن وقعَ "موسيقى الليل"؟
حين تسيرُ الذاكرةُ وحدها على جسرٍ من نغمكِ؟
هل تشتمّينَ "عطر الليلِ" كما كنّا نفعلُ
حين نسمعكِ تُصلّينَ وحدكِ،
فتصمتُ المدن،
وتنحني القلوب،
وترتجفُ الأرصفة تحت شالِ صوتكِ الطويل،
ويتناثرُ السكونُ كحباتِ ياسمينٍ على كتفِ الحنين.
يا نايَ الصباحِ،
يا موجةً عبرتْ دون أن تبلّلَنا،
يا أنشودةً خبّأها الفجرُ في منديلِ أمٍّ تُرضِعُ الأمل،
كيف كنتِ تغنين "بتذكر يا حبيبي"،
فنحن نبكي من حيث لا نعلم،
وتذوبُ الغصّةُ في أعماقنا كأنها لم تكن،
ويعودُ الفقدُ من منفاه ليقيمَ فينا،
ويوقظُ فينا القصصَ المنسية،
والصورَ المكسورة التي لا تبرحُ الجدران،
كأنكِ تعيدينَ ترتيبَ فوضى القلب،
وتزرعينَ فوقَ الخرابِ شجرةَ سكينة.
أنتِ، يا سيدةَ الذاكرة،
كلُّ بيتٍ لكِ مأوى،
كلُّ شارعٍ لكِ أرشيف،
كلُّ قلبٍ لكِ مرآةٌ تبكي حين تغنينَ "رجعت الشتوية"،
وتضحكُ حين تهمسينَ: "أنا لحبيبي وحبيبي إلي"،
كأنكِ تختصرينَ أعمارًا،
وتلخصينَ الحبَّ كلهُ في جملةٍ واحدة،
تُقال فتنهضُ بها الروح،
وتسافرُ بها الحكايةُ إلى حيث كان أولُ دقٍّ للحن.
غنّيتِ "بكتب اسمك يا حبيبي"،
فكتبناكِ على أبوابِ بيوتنا،
على صفحاتِ دفاترِنا،
على خدودِ الأملِ،
غنّيتِ فاستراحَ جرحُ التاريخِ قليلاً،
وغفا "الزمان المجروح" في دفءِ القصيدة،
وصارَ الصمتُ وطنًا نعيشهُ معكِ،
حين لا يكفينا الكلام،
وصار اسمكِ مرجعًا للصوت،
وللحياة التي تليقُ بقلوبٍ لا تموت.
#MXR
يتبع الجزء الثالث
No comments:
Post a Comment