مترجم - Übersetzer

Sunday, August 3, 2025

فيروزة الأجيال – تناغم الأعمار

 فيروزة الأجيال – تناغم الأعمار

الجزء الأول : مطرُ البدايات، صوتُ الحنين

كتابة : ميلاد كوركيس


يا همسَ الراديو أولَ فجرٍ،

يا وردَ الصوتِ على فنجانِ قهوةِ أمّي…

يا قمراً طالعاً من "عتابا" ليضيءَ المساء،

يا نغمةً تفلّتت من قلبِ النايِ، وسكنتْ أفئدةَ القرى.


فيروزُ، يا بنتَ الدمعِ المخبوء في زوادةِ الشتات،

أنتِ البدءُ، أنتِ المُنى، أنتِ خمرُ القصائدِ،

وأرجوحةُ الصغارِ في ساحاتِ الحنين،

أنتِ صدى المطر على شبابيكِ الفقراء،

والزيتُ الدافئُ في مواقدِ البيوت القديمة…


من "زهرة المدائن" حتى "شطّ اسكندرية"،

من "يا مرسال المراسيل" إلى "كيفك إنت"،

كنا نكبرُ بكِ… ونصغرُ حين تصمتين،

كنا نغنّي معكِ دون أن نحفظَ الكلمات،

فصوتكِ كان يغنّي عنّا،

وحنجرتكِ كانت تقولُ ما لم نستطع قوله للغياب.


كنتِ لنا مرآةَ عمرٍ نقي،

وفي كل بيتٍ لنا فيروزُ واحدة،

تغني فنفتحُ شبابيكنا للذكريات،

ونتركُ القلوب تهفو كما الطير إلى دفءِ الحكاية،

نسمعكِ فنستعيدُ الطريقَ إلى طفولتنا،

إلى تلك الزاوية التي نام فيها حبٌّ صغير

لم يعُد من سفرهِ بعد.


كم حملتكِ الشوارعُ على أكتافها،

وكم رقصَ الليلُ لكِ في المدى،

وكم سافرنا إلى أعمارٍ لم نعشها فقط لنحفظَ لحنكِ،

وكم شربنا من نبعِ الأغنيةِ ونحن جائعون إلى ضوءٍ بسيط…


كنتِ أنشودةَ الغيمِ، ومنديلَ الهواء،

وصلاةَ أمهاتِنا بعد الفجرِ لربِّ البيت،

حين يشتدُّ صقيعُ الانتظار.


أيتها "الغجريةُ" التي غنّت للحبِّ دون قيد،

وقفتِ بيننا مثل النبوة،

تقولين ما لا نستطيع،

وتنشدينَ، فنُشفى،

تفتحين جروحًا قديمة،

لكنّكِ تضمّدينها في آخر المقطع،

ثم تُغلقين النافذةَ وتغادرينَ كعابرةِ ضوء.


يا من خبّأتِ دمعةَ بيروت في منديلِ الوداع،

وغنّيتِ لـ "رجعت الشتوية"،

كأنكِ كنتِ تسقينَ الصنوبرَ بأمنياتِنا القديمة،

وكنّا نحنُ أطفالَ الصوتِ،

نلحقُ باللحن كمن يلحقُ بالفرحِ في البراري…


ماذا لو لم تكوني؟

من كان سيحملُ "كان عنا طاحونه" على ظهرِه؟

من كان سيُهدهدُ الأطفالَ بـ "نامي يا زغيرة"؟

من كان سيزرعُ على "طريق النحل" حكايا الفقراء؟


أنتِ صوتُ الأزقّةِ، حين تضجُّ بالخطى،

وصدى النوافذِ، حين تشتاقُ للضحى،

أنتِ العطرُ الذي بقي بعد الغياب،

والشمسُ التي طلعتْ من بيتٍ مكسورِ الباب،

أنتِ عنوانٌ لم يُكتب،

وحبٌّ لم يُفهم،

وصوتٌ لا ينتهي…

فيروز…

أنتِ ذاكرةُ الصوت، ومرايا الطفولة،

حين كان الزمنُ يشبهُ حكايةَ جدٍّ

يضعُ على كتفينا الغيمَ،

ويقصُّ علينا وطنًا لا يُباع.


#MXR


 يتبع الجزء الثاني 

No comments:

Post a Comment

كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين

 كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين إعداد : ميلاد كوركيس مشرف مشروع : Memora 360 - Arabic في دمشق، المدينة التي تتنفس التاريخ وتت...