فيروزة الأجيال – تناغم الأعمار
الجزء الثالث : مواويل الزمن الذي لم يخذلنا
كتابة : ميلاد كوركيس
نحن الذين لم نعد نؤمن بشيء،
ولا نركنُ لأيّ وعد،
كنا نؤمن بصوتِكِ…
كنا نُخبّئ أسماءنا بين مقاطعكِ،
ونربّي ما تبقّى من شعورنا على ضوء أغانيك،
نختبئُ به من خيباتِ النشراتِ السياسية،
من أكاذيبِ المذيعين،
من نشازِ هذا العالم،
من خذلانِ المدنِ التي هجرتْ ملامحَنا،
من غربتنا عن أنفسنا…
كأنكِ تزرعينَ فينا حقلاً من الطمأنينة
ونحن نعيش على هامشِ الألم،
كأنكِ تضعين يديكِ على صدورنا المتعبة
فتنام الهمومُ قليلاً،
ويتنفّسُ القلبُ لحنًا جديدًا لا يعرف الكذب.
أنتِ النشيدُ الذي لا يُدرس،
ولا يُشرح…
بل يُعاش.
يُشربُ مع الماء،
ويُخبّأ في صندوقِ الذكرى،
يُنقشُ في حنايا الذاكرة،
ويُستحضرُ عند كلّ وداع،
وعند كلّ مطرٍ يسقطُ بلا موعد،
عند كلّ شهقةِ قلبٍ فقد من يحب،
وعند كلّ طلّةِ قمرٍ تشبه الانتظار.
في "يا حبيبي كلما بوّستك بتوجع"،
أدركنا أن القبلاتِ ليست لحظة،
بل ذاكرة،
أرشيفٌ من نبضٍ وعُمر،
وأمنياتٌ علّقت على جدارِ الوقت ولم تتحقق.
أدركنا أن الحبّ ليس فقط من نحب،
بل كيف نحبّ،
وكيف نغفر،
وكيف نغني مع من رحل،
وكيف نحتفظُ بصورةٍ لا تموت حتى لو غاب وجهُها.
غنيتِ للكرامة كما تُغنّى القصيدة،
وللوطنِ كما يُكتبُ الدستور،
كنتِ دستورًا للصدق،
دستورًا لا يُصوَّت عليه… بل يُصغى إليه،
كنتِ الموسيقى التي لم تخن ذاتها،
صوتًا لا يمكن أن يُباع،
ولا أن يُمسّ بمكياجِ الشهرة،
ولا أن يُقصَّ ليليق بشاشةٍ عابرة.
هل تدركين كم مرة أنقذتِنا؟
كم مرة كنا على حافةِ الانهيار،
نمشي على سلكِ يأسٍ بلا شباك؟
فجاء صوتُكِ كيدِ أمٍّ على جبينِ ولدها،
كحضنٍ لم نعرفه لكنّنا احتجناه،
كعناقٍ من زمنٍ آخر… لا يشبه هذا الزمان.
كم مرة كنا سنكفرُ بكلّ شيء،
فسمعنا "أنا لحبيبي"،
فعدنا بشرًا من لحمٍ وذكريات،
عدنا نؤمن أن شيئًا جميلًا ما زال يُقال،
وأن امرأةً اسمها فيروز… ما زالت على قيد الحنين.
كلّ مطرٍ بعدكِ صار مجردَ ماء،
وكلّ ليلٍ دون صوتكِ صار طويلاً،
صار ناقصًا،
كأنكِ اختصرتِ الزمن بموال،
وخلّدتِ الوطنَ بمقطع،
وأبقيتِنا أحياء… فقط لأننا نُصغي إليكِ.
#MXR
يتبع الجزء الرابع
No comments:
Post a Comment