جورجيت ونعيم رحلة من الحب والإيمان ونور دائم للتعليم
(بشهادة المعلمة جورجيت كبرائيل )
إعداد : ميلاد كوركيس
صاحب مشروع : Memora 360 - Arabic
الحياة أحيانًا لا تكتفي بتقديم التواريخ والأحداث؛ بل تمنحنا قصصًا خالدة تنصهر في تفاصيلها قيم الحب الراسخ، الإصرار الذي لا يلين، والتفاني الذي يُضيء دروب الأجيال. هناك قصص تتجاوز الزمن والمكان لتصبح منارة لكل من يسعى إلى فهم معنى الإيمان بالرسالة، معنى الحب العميق، ومعنى الصبر على التحديات اليومية. قصة المعلمة جورجيت كبرائيل وزوجها المعلم الراحل نعيم صليبا ليست مجرد سيرة حياة، بل هي رحلة تنبض بالإلهام وتعلمنا أن الإنسان قادر على ترك أثر خالد حين يكرس حياته للعمل من أجل الآخرين، حين يزرع المعرفة والحب والقيم في أجيال لا تعد ولا تحصى. كل لحظة من حياتهما تحكي درسًا في التوازن بين الحب والعمل، بين الالتزام بالقيم والمرونة أمام الصعاب، لتصبح حياتهما نموذجًا حيًا على أن الرسالة التعليمية تتجاوز حدود الكتب والفصول الدراسية لتصبح إرثًا مستمرًا عبر الزمن.
وُلدت جورجيت عام 1960 في ناحية قبري حيوري (القحطانية) بمحافظة الحسكة، في عائلة سريانية مسيحية مؤمنة جدًا، تضم ثمانية أفراد إلى جانب الوالدين، وكانت أصغرهم. ترعرعت بين جدران البيت والكنيسة تحت عين والدها الشماس الإنجيلي، الذي درس في دير مار كبرائيل بطورعبدين جنوب تركيا، فغرس فيها حب الكنيسة، اللغة السريانية، وحب المعرفة، وشارك في بناء كنيسة السيدة العذراء وشراء ناقوسها. أما والدتها، فقد كانت امرأة عاملة كادحة، زرعت في الأبناء حب العمل والمثابرة، وجعلت من البيت مكانًا يجمع بين الرعاية والجدية والحنان، لتكتسب جورجيت منظومة قيم راسخة من الإيمان والعمل والصدق والبساطة. كل يوم من طفولتها كان فرصة لمشاهدة القيم تُطبَّق في الحياة الواقعية، فتعلّمت أن التوازن بين العمل والروحانية، وبين الجدية والحنان، هو أساس الشخصية القوية والمتكاملة.
تصف المعلمة جورجيت كبرائيل شبابها بأنها كانت فتاة متزنة وخجولة جدًا، لدرجة أنها لم يكن لديها صديقات، حيث قضت تلك المرحلة في قراءة القصص وكتابة الأشعار والخواطر، وكانت تتمتع بموهبة رسم ما تراه. وقد ناضلت جورجيت بالدراسة رغم الظروف الصعبة، حيث كانت تهوى التعليم رغم أن والدتها كانت تفضل العمل، ورغم رغبتها بدراسة المحاماة، إلا أن الظروف قادتها إلى دار المعلمين لتتخرج معلمة صف خاص.
تضيف جورجيت عن القيم التي نالتها من بيئتها: حب الكنيسة، حب تاريخ الأجداد، حب اللغة السريانية، وحب الآخرين. هذه القيم أصبحت حجر الأساس في شخصيتها، لتتسع لتشمل قيم زوجها فيما بعد: القناعة، التواضع، الجهاد المستمر بالحياة دون كلل أو ملل، ومساعدة الآخرين، لتصبح حياتهما مشتركة في منظومة قيم متكاملة، تنسج معًا خيوط الحب، الإيمان، والعمل، لتصبح الأساس الذي يقوم عليه بيتهما وأجيالهما.
وفي مدينة ديريك (المالكية)، وُلد نعيم صليبا عام 1956 في مدينة ديريك (المالكية)، في كنف أسرة سريانية متواضعة ماديًا، لكنها غنية بالإيمان والأخلاق، ومكونة من تسعة أفراد: أربع أولاد وثلاث بنات ووالدين. تشكّلت في هذا البيت روحٌ تقدّر العلم والمعرفة، ونجح الأبناء رغم الظروف القاسية في متابعة دراستهم ونيل شهادات مختلفة.
فقد أصبح الراحل بهنان صليبا معلّمًا للّغة الإنكليزية.
وتخرّج الراحل نعيم صليبا هو الآخر من دار المعلّمين.
وعمل الراحل شمعون صليبا موظفًا في قسم البريد.
بينما أصبحت فهيمة صليبا معلمة صفّ.
ساعد نعيم صليبا والده في طفولته بعمله في بيع الخضار والفواكه بحكم مهنة الوالد. كما تميز في شبابه بـالرياضة، وبخاصة كرة الطائرة، لدرجة أن رفاقه أطلقوا عليه لقب "أبو طليع".
كان نعيم صليبا ذكيًا ومجتهدًا في دراسته، وقد تعلم منذ صغره أن الانضباط والعمل الجاد هما مفتاح النجاح. ورغم أن المنطقة كانت تعتمد على الزراعة والحرف، إلا أنه وضع نصب عينيه أن يسلك طريق التعليم بعد تخرجه من دار المعلمين، معتبرًا إياه مهمة وواجبًا أخلاقيًا قبل أن يكون مهنة، لنشر الثقافة والمعرفة بين الأجيال بكل صدق واجتهاد، ليكون بذلك جزءًا فاعلًا من الحركة الثقافية والمعرفية في مجتمعه.
سردت المعلمة جورجيت أن صدفة جميلة كانت لقاءها الأول بالمعلم الراحل نعيم صليبا، وقد نتج عن هذا اللقاء حب تكلل بالزواج، دام أكثر من تسعة وثلاثين عامًا، مليئة بالحب والحنان، والتعاون، والعمل الكادح الذي زرع فيهما روح الإصرار وزاد من عزيمة الاستمرار لكليهما.
بعد تخرجها معلمة صف خاص، رأت جورجيت نفسها متمكنة في ميدان التعليم لحبها للأطفال، واعتبرت رسالتها التربوية في مضمونها رسالة إنسانية قدمتها لكل من علمتهم بكل إخلاص وتفانٍ، وهي راضية عنها. بينما الأستاذ نعيم، بعد خدمته العسكرية، قام بالتدريس في عدة مدارس.
أثناء وجودها في مدينة ديريك (المالكية)، كانت جورجيت تتوجه إلى قرية تل الصدق القريبة مشياً على الأقدام، وكانت المعلمة الوحيدة آنذاك. لاحقًا، انتقلت وأكملت التدريس في عدة مدارس بقرى مختلفة منها تل أصفر وتلين. وخلال فترة حملها، كانت تستقل الباص ذهابًا وإيابًا، ولم تتوانَ عن إكمال رسالتها التعليمية والتربوية.
التقى الزوجان وأكملا مشوارهما في سلك التعليم سويًا. فدرّست هي في قرى: تل أصفر، تل صدق، تلين وغيرها الكثير. بينما كان الأستاذ نعيم معلمًا بعدة مدارس منها مدرسة الشهيد رفعت الحاج سري، حتى انتقلت المعلمة جورجيت إلى هناك أيضًا، وقاما بالتدريس فيها فترة خمس سنوات تحت إدارة الأستاذ والأديب توما بيطار، ومن بعده الأستاذ كابي أفرام الذي أصبح موجهًا تربويًا لاحقًا.
خلال السنوات الأولى للزواج، عاش الزوجان في بيت صغير مع عائلة نعيم، حيث كانت حياتهم مليئة بالحب والحنان والاحترام المتبادل، ثم انتقلوا لاحقًا إلى بيتهم الخاص، وبدأ كل منهما في ممارسة دوره التعليمي والتربوي، حيث كانت لحظات التعلم والتعليم تنسج تفاصيل حياتهما اليومية، من المائدة المشتركة إلى الأنشطة المدرسية، من الدروس المنزلية إلى نصائح الحياة اليومية.
خلال حياتهما العملية، كان المعلم الراحل نعيم يتناوب مع جورجيت في العمل التعليمي؛ حيث كان يذهب للدوام الصباحي، بينما تبقى هي مع أولادها في المنزل، وبعد عودته كانت هي تتوجه إلى المدرسة ويبقى هو مع الأبناء. ومع مرور السنوات، انتقلت جورجيت للعمل في عدة مدارس منها مدرسة سكينة بنت الحسين، حيث اقترحت ضرورة وجود روضة للأطفال، لتسهيل تعليمهم ورعاية أولاد المعلمين أثناء قيامهم بواجبهم التعليمي والتربوي، ما يعكس حرصها على الجمع بين التعليم الرسمي والاحتياجات العملية للأسر، مؤمنة أن التعليم لا يقتصر على الكتب، بل يمتد إلى الحياة اليومية ومهارات التواصل والقيم الإنسانية.
من ناحية الصفات المشتركة التي كانت تقوي العلاقة، ذكرت جورجيت: التعاون، الإخلاص، الثقة، الإصرار، الحب، الحنان، والتفاني دون تذمر، وهي القيم التي انعكست على حياتهما الأسرية والتعليمية، وجعلت لكل منهما القدرة على دعم الآخر في مسيرة التربية والتعليم، لتصبح الأسرة نموذجًا حيًا للالتزام بالقيم، ولإعطاء التعليم بعدًا إنسانيًا عميقًا.
أما فيما يخص الهجرة إلى السويد، فقد وصفت جورجيت قرارها مع زوجها بأنه كان خطوة محفوفة بالمخاطرة والمغامرة، حيث بدأت الفكرة كزيارة قصيرة لكنها تحولت إلى قرار مصيري للانتقال من الوطن إلى بلد غريب والبداية من الصفر، رغم كل المجهول. خلال السنوات الخمس الأولى في السويد، واجهت جورجيت ظروفًا صعبة جدًا قبل الحصول على الإقامة، واضطرت للعمل رغم صعوبة اللغة، بينما كان الأطفال يتعلمون السويدية ويدخلون المدارس. بعد نيل الإقامة، بدأت حياة جديدة، وواصلت جورجيت تعليم اللغة السويدية للأطفال والصفوف الأولى، مصدقة شهادتها السورية، ومع الحفاظ على لغتها الأم السريانية، مؤكدة على أهمية تعلم اللغة والاندماج في المجتمع لأي مهاجر، وتقديم نموذج للأجيال الجديدة على أن الإرادة والمعرفة هما السبيل للنجاح.
خلال الهجرة، ساعد الأبناء والدتهم في التأقلم، وتعلموا اللغة السويدية بسرعة، فساهموا في الترجمة وتسهيل التواصل مع المجتمع الجديد، وكانت جورجيت فخورة جدًا بقدرتهم على مواجهة التحديات والعمل المستقل، ما أعطى كل خطوة في الهجرة معنى أعمق، وحوّل كل صعوبة إلى درس في الاعتماد على النفس.
بدأت ورود، الابنة الكبرى، بدعم والدتها منذ البداية، حيث تعلمت مبادئ اللغة السويدية وأكملت تعليمها، وأنهت الثانوية وتزوجت بعمر الحادية والعشرين، ثم درست قسم التاريخ لكنها اضطرت لاحقًا لتصبح معلمة صف، مواصلة بذلك درب والدتها في التربية والتعليم، محافظة على القيم الأسرية التي تربت عليها: الاحترام، التفاني، والعمل المستمر. ورود تتميز بمثابرتها اليومية، حيث كانت تقوم بتعليم الأطفال في مركزها الصغير في المنزل قبل انتقالها للعمل الرسمي، وتحافظ على روتينها في قراءة الكتب التاريخية والبحث في التراث السرياني، مدمجة المعرفة النظرية بالخبرة العملية، وتقدم نموذجًا حيًا على استمرار الإرث التعليمي للأجيال.
أظهر طليع( كبرائيل) ، الابن الأكبر، تفوقًا وتميزًا في التعليم والعمل منذ صغره، فبدأ حياته المهنية من الصفر، مؤمنًا بذاته، ومؤسسًا مستقبله بثقة. ساعد والدته في الإجراءات اليومية أثناء الهجرة، وكان مثالًا في الاعتماد على النفس والمثابرة، مواصلًا طريق والديه في الكدح والتفاني لبناء مستقبل الأسرة. عمل طليع لاحقًا في الإدارة والتخطيط، مسخرًا قيم العمل الجماعي التي تربى عليها، وساهم في دعم أخواته، وشارك في الأنشطة الاجتماعية التي تجمع الجالية السريانية في السويد.
كبرت كبرائيلة، التوأم، على القيم الأسرية نفسها، وأكملت دراستها الجامعية بتخصصها معالج مهني ( Arbetsterapeut )، لتصبح نموذجًا في التفوق الأكاديمي والالتزام الشخصي، مستمدة من والدتها ووالدها روح الإصرار والعمل المتواصل. مارست كبرائيلة التعليم والمبادرات الثقافية، لتكون جسرًا بين الجالية السريانية والمجتمع السويدي، محافظة على اللغة والتراث، ونقلت للطلاب حب القيم الإنسانية قبل العلم.
درست ماريا، التوأم الآخر، علم الاجتماع (Sicunom ) ضمن أقسام علم النفس، واتبعت نهج الأسرة في التفاني والقيم، محافظة على روح التعاون والتكافل، وقدمت مثالًا واضحًا عن قدرة الأبناء على الجمع بين التعليم والقيم الإنسانية في آن واحد، من خلال عملها مع الجمعيات الخيرية، ودعم الأيتام والأسر الجديدة المهاجرة، مع التركيز على التعليم غير الرسمي والأنشطة الاجتماعية.
تؤكد جورجيت أن نجاح الأبناء لم يكن ليكتمل لولا القيم التي حرص الزوجان على ترسيخها منذ الصغر: المحبة، الحرص، الاحترام المتبادل، حب الكنيسة، حب الصلاة، حب الآخرين، حب العمل، والتسامح مع الآخرين. هذه القيم شكلت أساس حياتهم الشخصية والتعليمية والعملية، وجعلت الأبناء يواصلون مسيرة والديهم بحب وإخلاص.
__________________________________________________
رسالة جورجيت للمعلمين والمعلمات: "التعليم رسالة إنسانية قبل أن يكون مهنة، ومن خلاله تُبنى الأجيال ويزرع الحب والمعرفة والقيم. الحياة التعليمية مليئة بالتحديات، لكنها تمنح المعلم شعورًا عميقًا بالرسالة المشتركة، وتجعل كل تعب يُستثمر في مستقبل الطلاب والمجتمع. احرصوا على حب طلابكم، احترامهم، وتعليمهم القيم قبل العلم، فهما معًا يصنعان الإنسان الصالح، ويستمران بعدنا في حمل رسالة التربية والمعرفة. كل جهد تبذلونه يُثمر في غرس الأمل والمعرفة، ويترك أثرًا خالدًا في نفوس من علمتموهم."
خلاصة حياتها الطويلة: "الصبر، الإصرار، الاعتماد على النفس، والاستمرار رغم الصعاب، هي مفاتيح الحياة. تعلموا لغة بلدكم الجديد إذا هاجرتم، واندماجوا في المجتمع، وواصلوا عملكم بحب وتفاني. لا تيأسوا مهما كانت الظروف صعبة، فالحياة التعليمية والتربوية والصبر على الصعاب تمنحكم القدرة على بناء مستقبل أطفالكم وتحقيق رسالتكم الإنسانية. كل خطوة مهما بدت صغيرة، هي جزء من بناء الإنسان الصالح والمجتمع المستنير."
__________________________________________________
رسالة شخصية من صاحب مشروع
Memora 360 - German
ميلاد كوركيس :
"يا جورجيت ونعيم، إن قصتكم هي النبراس الذي نحتاجه في زمننا. هي نموذج ناصع للتفاني، وللشراكة القائمة على الحب العميق في التعليم والحياة. إن رحلتكما الحياتية تعلمنا أن لكل تحدٍ في الحياة قيمة، وأن الإرادة الصادقة، مقرونة بالإيمان بالرسالة والعمل المشترك، تستطيع أن تصنع فرقًا في حياة الأسرة والمجتمع. أنتم أكثر من مجرد معلمين؛ أنتم منارة تنير دروب الأجيال، وصوت يذكر كل من يقرأ قصتكم أن الحب والعمل معًا يصنعان إرثًا خالدًا. إن إرثكم ليس مجرد ذكريات أو أحداث، بل هو مدرسة حقيقية في الصبر، الإصرار، والإيمان بالقيم الإنسانية. لكل معلم، ولكل أسرة، أنتم مثال حي على أن الإخلاص في التعليم والالتزام بالإنسانية قادران على تغيير الواقع وترك أثر خالد في النفوس، يبقى حيًا مهما تغير الزمن."
__________________________________________________
رحلة جورجيت ونعيم لم تكن مجرد سيرة حياة، بل درس حي في الإصرار على التعليم، والالتزام بالقيم، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص. إنهما يعلّماننا أن التفاني في التربية والالتزام بالأسرة والمجتمع، والقدرة على الصبر والإيمان، يصنع فرقًا حقيقيًا في حياة الأجيال القادمة، ويترك أثرًا خالدًا في الذاكرة الجماعية. كل خطوة في حياتهما، وكل تحدٍ تخطوه، يذكّرنا بأن الإرث الحقيقي لا يُقاس بالماديات، بل بالحب، والقيم، والعمل المستمر الذي يزرع المستقبل. هذه القصة، بكل تفاصيلها، تشكل مصدر إلهام لكل معلم، ولكل إنسان يسعى لأن يكون مرشدًا للأجيال، ولتظل رسالة التعليم والإنسانية حية، نابضة، ومتجددة مع كل جيل جديد.
#Memora360 #جورجيت_كبرائيل #نعيم_صليبا #سيرة_حياة #تعليم_وأجيال #قيم_وعائلة #إصرار_وتفاني #هجرة_ونجاح #تاريخ_سرياني #حب_وتعليم #أطفال_ناجحين
No comments:
Post a Comment