أيها المغترب الباحث عن النفاق
بقلم : ميلاد كوركيس
لا تُظهر حقدك وأنت تتعامى عن إيجابيات الشرق، ولا تتوهّم أن سترَك بالمسافات قادرٌ أن يُخفي عجزك عن رؤية الحقيقة. هذا الشرق الذي تهاجمه وتُسميه نبع التخلف، هو ذاته الشرق الذي حمل للعالم أبجديته الأولى، وزيّن ليل الإنسانية بنجوم الشعر والفلسفة، وبسط أمامها منابر الحكمة والروحانيات. هو الشرق الذي خرجت منه الديانات، وانطلقت منه الحضارات، وتفتّحت على أرضه أولى المدارس والجامعات، فكيف لك أن تُزوّر التاريخ وتُصوّر المنبع حضيضاً، وتُلطّخ بيديك نبعاً لا يجفّ من العطاء؟
أيها الفاشل في وطنك، الفشل يسكنك لا أرضك. إن هربت إلى الغرب، ستبقى فاشلاً، لأنك لم تهزم عدوك الأول: ذاتك. الفشل ليس في ريفك ولا مدينتك، ولا في جبالك ولا سهولك، الفشل فيك أنت. في قلبك الذي ضاق، في عقلك الذي تكلّس، في روحك التي لم تعد ترى في الحياة سوى عذر لتبرير سقوطك. ما لم تُعترف بخطاياك وتواجه تقصيرك، فلن تحملك أجنحة إلى أي سماء.
المشكلة ليست بالموطن، وليست في الشرق ولا الغرب، المشكلة فيك. في عقليتك الكسولة التي تُريد النجاح بلا تعب، وتطلب الاحترام بلا تضحية، وتتشدّق بالحرية وأنت أسير لعقدك. أنت لم تفشل لأن وطنك فقير، بل لأنك لم تجرؤ أن تنهض حين سقط، ولم تمتلك الشجاعة لتُغيّر نفسك قبل أن تُطالب بتغيير الكون. الاستلقاء لن يصنع لك مجداً، ورفض التغيير لن يحفظ لك هوية.
الغرب ليس أفضل من الشرق، والشرق ليس أقل شأناً من الغرب. لكن الشرق وقع في مصيدة صنعها أمثالك: من خانوا الأرض وهربوا، من باعوا ذواتهم وظنّوا أن ارتداء ثوب الغريب سيجعلهم كباراً في عيون الناس. صدّقتم أن الغرب سيعاملكم كأبناء، بينما لم يرَ فيكم سوى أرقام تُضاف إلى سجلاته، وأيدٍ رخيصة تُستهلك ثم تُرمى، وأصواتٍ تُستغل في الانتخابات ثم تُنسى. أنتم الوهم الذي غذّى الخديعة، فكان الشرق ضحية مزدوجة: أعداؤه في الخارج، وخياناتكم في الداخل.
من لا يحترم وطنه الأم، لن يحترم أي وطن آخر. من لم ينحنِ أمام تراب بيته، لن ينحني أمام أي علم، ومن لم يعرف قيمة الأرض التي ربّته، لن يعرف كيف يُقدّر أرضاً غريبة. الاحترام يبدأ من الجذور، لا من الأقنعة، والجذور التي بترتها يداك ستظلّ تطاردك حيثما ذهبت.
ارتداء ألف قناع ذئبي لن يجعلك صاحب مكانة في مجتمعٍ لا يعترف إلا برأس المال. تستطيع أن تغيّر اسمك، لهجتك، ملابسك، لكنك لن تُغيّر حقيقتك. ستبقى غريباً في أرض الغربة، وستبقى خائفاً أن ينكشف وجهك الحقيقي بين جموع المصفقين للمال. لا تتعب نفسك بالكيل بمكيالين، فأنت تعرف أن المجتمع الذي تلتحف به لا يرى فيك سوى سلعة.
الحياة للجميع، والبلاد للجميع، والأوطان للجميع. من يُؤمن بالعدالة لا يحتكرها، ومن يُؤمن بالحرية لا يستعبدها. الوطن ليس ملكك وحدك لتشتمه إذا غضبت، ولا هو جدار تُلقي عليه أوهامك إذا انهزمت. الوطن هو المرآة التي تُريك حقيقتك: إن كنت صادقاً سترى وجهك ناصعاً، وإن كنت كاذباً سترى قبحك في كل زاوية.
لا تنتظر من أحد أن ينتظرك وأنت تحاضر عن العفة، بينما لم تغتسل من سمومك وخطاياك. لا تتشدّق بالقيم وأنت تبيعها عند أول صفقة، ولا تتحدّث عن النقاء وأنت غارق في طين المصلحة. الكلمة التي تخرج من قلب ملوث لا تُثمر، والإنسان الذي يكره جذوره لن يزهر في أي تربة.
وتحيةً خالصة لكل من استمرّ برسم أجمل ملامح الصورة لوطنه أينما ارتحل. أولئك الذين وإن ابتعدوا بأجسادهم، ظلّت أرواحهم أقرب إلى الوطن من حجارته. لربما نحن بعيدون، لكننا ممثلون وسفراء عن وطننا أينما حللنا، نحمل في حقائبنا صورته، وفي أعيننا ذكراه، وفي قلوبنا أمانته. سوريا قلب الشرق النابض ومصدر الثقافة والحضارة، ستبقى فينا حتى الرمق الأخير. سأبقى أنا، حتى آخر نفس من عمري، أنادي باسمها ولأجلها، ليس إلا لأنني متيقن أن يوماً سيأتي، تعود فيه ملامح الشرق مشرقة كما كانت، رغماً عناد المتخلفين عقلياً، ورغماً عن كل سواد حاول أن يطفئ نورها.
#سوريا #الشرق_الحضارة #الوطن_الأم #الهوية #الكرامة #الحياة_للجميع #الأوطان_للجميع #الاغتراب #النفاق #الحقد #الاحترام

No comments:
Post a Comment