الأم … قلبٌ لا يشيخ
بقلم : ميلاد كوركيس
أمّاهُ…
يا قلبًا إن تنفّس صار هواءً للوجود
ويا حضنًا إن انفتح ضمَّ الأرضَ والجنود
يا دمعةً إن نزلت أحرقتْ بحنانها وجهي، وغسلتْ وجعي
يا بسمةً إن أشرقت أطفأتْ جمرَ الغربةِ في ضلوعي
أمّاهُ…
أيا لحنًا أبديًّا يصدحُ في أذني
كلّما حاول الصمتُ أن يغتالَ حروفي
أيا قصيدةً كتبتها الأقدار على جبيني
فلم يمحُها بردُ السنين ولا حرُّ المنافي
أمّاهُ…
أنتِ الزهرةُ التي لا تذبلُ في ربيع العمر
أنتِ الغيمةُ التي لا تجفّ، تسقي حقول روحي
أنتِ الليلُ الذي يفتحُ أبوابَ الحلم
والنهارُ الذي يزرعُ على شرفاتي طمأنينةَ النور
أمّاهُ…
أيا ظلًّا يتبعني حيثما ذهبتُ
أعرفكِ في عيون الغريب إن ابتسم لي
ألمحكِ في وجه الريح حين تحتضنني
أراكِ في انحناءة الغصن حين يسترني
وفي وهج الشمس حين يدفئني
أمّاهُ، إنكِ لا تفارقينني، ولا تغيبين
أمّاهُ…
هل تدرين أنّي حين أذكر اسمكِ
تنحني الحروفُ إجلالًا، وتتوضّأ الكلمةُ بخشوع؟
هل تعلمين أنّكِ أوّل دعاءٍ خرجَ من فمي
وآخر رجاءٍ سيبقى على لساني؟
أمّاهُ…
أنا لم أعرف من الجنة إلا أنتِ
لم أرَ في الدنيا وجهًا يضيءُ كوجهكِ
كلّما حاولتُ أن أصفكِ، صمتَ الشعرُ خجلًا
وتكسّرتْ أقلامي عند أقدامكِ تواضعًا
أمّاهُ…
أنتِ الذاكرةُ التي لا تنام
والقلبُ الذي لا يشيخ
والروحُ التي لا تموت
أنتِ الحكايةُ التي لا تُروى كاملة
لأنها تبدأ ولا تنتهي…
أمّاهُ…
يا صلاةً تُفتح بها أبواب السماء
يا يدًا تُرسم بها معالم النجاة
يا وجعًا جميلاً يعلّمني أنّ الألمَ من يديكِ نعمة
وأنّ الدمعَ على عينيكِ مقدّسٌ كالماء
أمّاهُ…
إنّي وإن ابتعدتُ عنكِ
أسمع وقع خطواتكِ في أذني
وأشتمّ رائحةَ قهوتكِ في صباحاتي
وأرى صورتكِ في وجوه المارين
حتى الغرباء يعرفون أنّكِ دمي
أنكِ دمعي، أنكِ عمري
أمّاهُ…
أنتِ الأبدُ الذي لا يشيخ
أنتِ الدربُ الذي لا يُغلق
أنتِ الروحُ التي كلما ماتتْ في داخلي
قامتْ من جديدٍ كالعنقاء
أنتِ الجدارُ الذي إن انهدمتْ الدنيا
بقيَ قائمًا، يحميني، ويحتويني
أمّاهُ…
أيا نارًا تُدفّئني إن تجمّدتُ
وأيا ماءً يُحييني إن جففتني الصحارى
أيا أغنيةً لم يكتبها شاعرٌ
بل كتبتها السماءُ حين وهبتني إياكِ
أمّاهُ…
كيف أكتبكِ والكتابةُ تضيعُ بين يديكِ؟
كيف أصفكِ واللغةُ تبقى ناقصةً إن لم تُقاسِ قلبكِ؟
كيف أرسمكِ واللونُ ينطفئُ أمام بريق عينيكِ؟
كيف أغنّيكِ، وصوتي صغيرٌ أمام تراتيل دعائكِ؟
أمّاهُ…
إنّي طفلُكِ وإن كبرتُ
صوتُكِ لا يزالُ يلاحقني
يدُكِ لا تزالُ ترفعني
دعاؤكِ لا يزالُ يحميني
وحبّكِ… لا يزالُ يشيخُ فيّ دون أن يشيخَ
أمّاهُ…
في غربتي كنتِ أنتِ الوطن
في انكساري كنتِ أنتِ السند
في صمتي كنتِ أنتِ الكلمة
في ظلامي كنتِ أنتِ النور
فماذا أبقى للقصيدةِ بعدكِ؟
أمّاهُ…
سأظلّ أكتبكِ حتى ينفدَ عمري
وسأظلّ أناديكِ حتى ينقطع صوتي
وسأظلّ أفتّش عنكِ في الغيم، في المطر، في الريح
حتى إذا غاب وجهي عن الدنيا
بقيَ وجهكِ في قلبي…
بقيَ اسمكِ في صدري…
بقيَ ظلّكِ يتبعني حيثما ذهبتُ…
أمّاهُ…
أنتِ قصيدةٌ لا تُختم
أنتِ حكايةٌ لا تنتهي
أنتِ البدايةُ التي تتجدّدُ كلّ يوم
والنهايةُ التي تُعيدني طفلًا عند قدميكِ
أنتِ الحياةُ… وأنتِ ما بعد الحياة
أمّاهُ…
لو جمعتُ بحارَ العالمِ في مدادٍ
ولو جعلتُ سماواتِه دفاتر
وأرضهُ أقلامًا
ما وسِعَتْ لوصف قلبكِ
ولا ارتوتْ بذكر روحكِ
أمّاهُ…
أكتبُكِ الآن…
ولا ينتهي النصّ
ولا تتعب يدي
ولا يسكت قلمي
لأنكِ أنتِ التي تبدأ ولا تنتهي…
#MXR #milad_korkis #ميلاد_كوركيس #الأم #قلب_لا_يشيخ #روح_لا_تموت #ظل_يبقى #حب_أبدي #حكاية_لا_تنتهي #الأم_حياة #الأم_وطن #الأم_جنة #قصيدة_الأم

No comments:
Post a Comment