حين تُولد والمعلقة من ذهب … أو لا تُولد أبدًا
في هذه الدنيا، يولد بعضهم وبيفمهم "معلقة دهب"…
ليست مجرد أداة يأكلون بها، بل رمز لامتياز أبدي، وجواز سفر مفتوح نحو حياة ممهّدة بالفرص، وكأنهم أبناء الحظ المدلّلون. المعلقة هنا ليست معدنًا باردًا، بل وعدٌ مكتوب على جبينهم بأن الأرض ستلين تحت أقدامهم، والسماء ستظلّهم بأمان لا يعرفه غيرهم. هؤلاء لا يعرفون معنى أن يبدأ الإنسان من الصفر، لأنهم ببساطة لم يمروا بالصفر يومًا؛ بل وُضعوا على الرقم مئة منذ أول أنفاسهم، وطلب منهم فقط الحفاظ عليه. يكبرون على أكتاف غيرهم دون أن يشعروا بثقل الرحلة، يلبسون الحرير قبل أن يتعلموا معنى البرد، ويجلسون في مقاعد مريحة قبل أن يعرفوا طعم التعب. العالم بالنسبة لهم لوحة زيتية جميلة، لا يرون فيها إلا الألوان الزاهية، ولا يدركون أن خلف الإطار هناك سواد كثيف يبتلع من لم يولدوا على طريقتهم.
يتنقلون بين المدارس الفاخرة التي تعلمهم كيف يحافظون على مكانتهم، لا كيف يصنعونها، وتفتح أمامهم الأبواب قبل حتى أن يطرقوها. الأموال تأتيهم كما تأتي الشمس كل صباح، بلا جهد ولا انتظار. حتى أخطاؤهم تتحول إلى فرص للتعلم لا إلى كوارث، فالخسارة بالنسبة لهم مجرد تجربة، وليست ثقبًا أسود يبتلع الحياة. وفي النهاية، يظنون أن النجاح أمر طبيعي، لأنهم ببساطة لم يختبروا الخسارة الحقيقية.
وفي طرف آخر من المشهد، يولد آخرون بلا شيء…
لا بيت، لا ميراث، ولا حتى شبكة أمان من قريب أو بعيد. يولدون على الهامش، في بيوت ضيقة، أو غرف مستأجرة، أو أحيانًا بلا سقف. يستقبلهم العالم بوجه عابس، كأن القدر قد اتفق مسبقًا على أن يختبر صبرهم منذ اللحظة الأولى. يبدؤون حياتهم بملاحقة الرغيف، لا بملاحقة الحلم، ويعرفون من طفولتهم أن هناك أشياء لا تُعطى بل تُنتزع، وأن بعض الأبواب مصنوعة خصيصًا لتُغلق في وجوههم.
يكبرون وهم يراقبون الآخرين من خلف الزجاج، يحسدون تلك الخطوات الواثقة التي لم تذق طعم الخوف من الغد، ويتساءلون: لماذا وُلدنا في هذا الجانب من الحياة؟ يبحثون عن الفرصة كما يبحث الغريق عن قشة، وأحيانًا يمضون العمر كله دون أن يلمسوها. يركضون في دوائر متكررة، حيث العمل الشاق بالكاد يكفي للبقاء، وحيث الحلم يحتاج أكثر مما تملك من عمر وصحة. يشيخون وهم يطاردون "المعلقة الذهب" التي حدثهم عنها الكبار، لكنها تبقى أسطورة تلمع في عقولهم أكثر مما تلمع في أيديهم.
وبين هذين العالمين، يظهر فجأة "الاندبوري"…
تلك الشخصية التي لا تنتمي هنا ولا هناك، لكنها تعرف كيف تحشر نفسها في المنتصف لتصنع ضجيجًا لا طائل منه. قيمته الحقيقية لا تتجاوز فرنك واحد، ومع ذلك يتصرف وكأنه يملك نصف العالم. رأسه أكبر من جسده، رقبته قصيرة بالكاد تحمل غروره، ولسانه أطول من قائمة كذبه. يظن أن طول الكلام يعوّض قصر الفعل، وأن القدرة على الثرثرة تساوي الحكمة، فيجلس في المجالس منتفخ الصدر، متقمصًا دور العارف الخبير، بينما هو في الحقيقة لا يعرف سوى كيف يمدح من يملك، وكيف يسخر ممن لا يملك.
يلبس البدلة الضيقة التي يظنها أنيقة، ويمشي بخطوات محسوبة ليُلفت الأنظار، لكنه لا يدرك أن كل ما يلفت الأنظار فيه هو تناقضه الفج بين ما يدعيه وما هو عليه. يتنقل بين الولاءات مثل لاعب ورق يغيّر أوراقه مع كل جولة، يبيع المبادئ كما يبيع الكلام، ويشتري رضا من يعتقد أنهم أقوى، حتى لو كان الثمن كرامته. وجوده عبء على أي مشهد، وصوته تشويش على أي نقاش، وخروجه من الحكاية مكسب للجميع. ولو حمل نفسه ورحل إلى الجحيم، لكان ذلك أوفر له… ولنا.
ثم تأتي النهاية الحتمية…
مهما اختلفت البدايات، ومهما تباينت الحظوظ، فإن النهاية واحدة: الموت. تلك الكلمة التي تضع الجميع في طابور واحد، دون أن تسأل عن رصيدك في البنك أو عن ثقوب حذائك. الموت لا يميّز بين حامل المعلقة الذهب وبين من عاش حياته يبحث عنها، ولا يهتم إذا كان بيتك من رخام أو من طين. هو عدل الحياة الوحيد، لكنه يأتي متأخرًا، بعد أن تكون قد دفعت ثمن الفوارق القاسية في الرحلة.
الحياة نفسها لم تُصمم لتكون عادلة، ولم تُكتب قوانينها بروح المساواة. كل شخص يلهث وراء مصلحته، حتى لو ارتدى ألف قناع، حتى لو تنكر في ألف شكل. الكلمات الحلوة تصبح أدوات للمراوغة، والابتسامات تتحول إلى شفرات حادة، والعلاقات مجرد جسور مؤقتة يعبر عليها الناس ثم يحرقونها.
أما أنا… فلا أواصل، ولا أمد يدي في هذا البحر المليء بالقروش، ولا أبحث عن محبة في زمن تحكمه المصلحة الباردة. كل ما أراه حولي هو نفوق متواصل للنفاق، وضجيج لا ينتهي من أفواه المنافقين. بئس الحياة التي أهدرت أجمل ما فينا، وسحقًا للعمر الذي ضاع ونحن نحاول فهمها، بينما كانت هي تسخر من محاولاتنا بصمتها القاسي.
#MXR #milad_korkis #ميلاد_كوركيس

No comments:
Post a Comment