مترجم - Übersetzer

Saturday, August 16, 2025

صبري يوسف، حينما يتحوَّلُ الحبرُ إلى إنسانٍ، والقصيدةُ إلى ابتهالٍ!

 صبري يوسف، حينما يتحوَّلُ الحبرُ إلى إنسانٍ، والقصيدةُ إلى ابتهالٍ!


إعداد : ميلاد كوركيس

صاحب مشروع : شخصيات صنعت ذاكرة الوطن



في أقصى خاصرة الوطن، حيث تنام الحكايات في طين البيوت، وتتنفّس الذاكرة رائحة القمح، هناك في ديريك – المالكية، وُلد صبري يوسف عام 1956، لا كطفلٍ عادي، بل كحرفٍ كُتبَ بالحياةِ لا بالحبر. نشأ في حضن الطبيعة، بين سنابلها وبساتينها، وبين جدرانٍ تتكلم السريانية والكردية والعربية والأرمنية، فكان طفله المتعددُ الهويات، المتشربُ من ينابيع الحضارات القديمة.


ما إن فتحت عيناه على العالم حتى جذبته الكتب كما يجذب النورُ الفراشات. عشق الفلسفة واللغات، وراح يحلّق مع الحرفِ كمن يعثر على خلاصه الأول. في ثانوية يوسف العظمة، بدأت الرحلة، وهناك انفتحت أمامه نوافذ الروح واللغة، ليحصل على الشهادة الثانوية عام 1975، ثم يدخل سلك التعليم والتوجيه، ويكمل مسيرته كطالبٍ حر في القامشلي، باحثًا عن موطئ قدمٍ للمعرفة، لا ترضى به عتبة واحدة.



لم يكن مسار تعليمه تقليديًّا، بل حافلاً بالتمرّد والعناد الجميل. قدّم الثانوية ثلاث مرات متحديًا قوانين وزارة التربية، ملتفًّا على المرسوم الوزاري، ومعلنًا انتصاره على البيروقراطية باسم الإنسان. "اخترق القانون… بقانونه هو!" كما قال ذات يوم. ومن هذا الانتصار الرمزي، شقّ طريقه إلى كلية الفلسفة بجامعة دمشق، وبتقدير جيد أنهى دراسة علم الاجتماع دون أن يحضر محاضرة واحدة، لأنه كان قد حفظ الجامعة في ذاكرته، وسكنته الفكرة قبل أن يسكن المدرجات.

حتى السيجارة، تلك التي تمشي مع الشعراء كظلٍّ، أعدمها في لحظة وعي، وجعل يوم الإقلاع عنها، 25 آذار 1987، عيدًا شخصيًا.



عمل 13 عامًا في مدارس المالكية، يزرع الحرف بين جدران الإعداديات والثانويات، ثم قرر أن للبحر رواية أخرى، وأن في الضباب القادم من الشمال وعدًا مختلفًا. فشدّ الرحال إلى أوروبا، إلى المجهول، حتى حطّ به المقام في السويد. لم تكن الغربة شتاتًا، بل تحوّلت في يديه إلى قصائد، ورسائل، وأحلام. كتب آلاف الصفحات في انتظار الإقامة، وجعل من وحدته مختبرًا للكتابة.


وفي ستوكهولم، واصل بناء مشروعه الأدبي الكبير: أصدر عشرات القصائد والكتب، أسس دار نشر ومجلة أدبية وثقافية، ثم أطلق قناة إلكترونية باسم "قناة السلام الدولية"، ناقش عبرها أدب التنوير، وبث فيها كتاباته صوتًا وصورة. ظل دائمًا يسعى إلى جمع الحرف بالموسيقى، والفكر بالصورة، والكلمة بالصوت.


لكن شغفه لم يتوقف هناك… درس الفن، وحصل على شهادة تدريس الرسم، لأنه أراد أن يقول إنّ الفن ليس هواية، بل حياة.


صبري يوسف ليس كاتبًا عابرًا. هو مشروع أدبي وفني متكامل، جسّد ما يمكن تسميته “أنشودة الحياة” بأجزائها العشرين، وكل جزءٍ منها نصٌّ مفتوح، فيه الفلسفة، الإنسان، الطبيعة، والحب. ألّف أكثر من 120 إصدارًا، خاض في القصة والرواية والشعر والحوار والفن، وأصدر سلاسل فكرية تأملية مثل “ألف سؤال وسؤال” و”تجلّيات الخيال” و”أنشودة الحياة”، وكتب ثلاث روايات تعبّر عن سيرة الوطن والمنفى والذاكرة.



وأبدع حتى تحوّلت إحدى قصصه إلى فيلم سينمائي بالسويدية، بعنوان "عناق روحي جامح"، شارك في ترجمته وكتابة السيناريو، وكأنَّه أراد أن يرى الحبرَ وهو يمشي على الشاشة.


أعماله تُرجمت إلى السويدية، الإنكليزية، الفرنسية، الإيطالية، الإسبانية، وحتى السريانية… واحتفت به أقلام نقدية كثيرة، منها دراسات معمقة حملت عناوين مثل:

إنسانُ السَّلام

جدلُ الذّاكرة والمتخيّل

ستراتيجيّات النّصّ المفتوح

النص الأدبي والهوية الثقافية

بناء الذات وجدلية الغرائبي

تشكيل الصورة الشعرية

انتهى مؤخرا من كتابة مجلد بعنوان: "ألف مقطع شعري"

ورغم كل هذا… لم يترك ديريك. لم يغادره إلا الجسد. فما زالت مدينته تسكن فيه، في كل سطر، في كل حلم، في كل لوحة.


هو ذا صبري يوسف… لا يزال يحاور ذاته وذوات العالم، لا يتقاعد من الإبداع، لأنه لا يكتب بالحبر، بل بالحياة.




رسالة شخصية من ميلاد كوركيس إلى صبري يوسف :

إلى الأستاذ الكبير، حامل لواء الضوء في غربته الطويلة…

إلى مَن جعل من المنفى منبرًا، ومن الغياب حضورًا، ومن الحرف وطنًا لا يُحتل…

أيها المعلم، الشاعر، المفكر، الأديب البعيد القريب…

حين قرأت سيرتك، شعرت أنك لا تكتب، بل تنصت إلى دقات القلب. كأنك موسيقى على هيئة إنسان، وقصيدة تمشي بتؤدة، وكتابٌ مفتوح لا تُغلق صفحاته أبدًا.

أنت ذاكرة حاضرة في زمن النسيان، وصوتٌ يتجلّى عاليًا في عصر الضجيج، وصمتٌ ناطق بالكرامة.

علّمتنا أن الإبداع لا ينتظر التكريم، بل هو التكريم ذاته،

وأن مَن يُصغي لنداء ذاته، لا يحتاج لمنبر ولا منصّة، لأن الحرف حين ينبعث صافيًا، يكفيه قلبٌ واحدٌ يقرؤه…

دمت لنا كما أنت: حارس الحرف، شاعر السلام، ومعلم التجلّي.


#Mxr #milad_korkis #ميلاد_كوركيس 

No comments:

Post a Comment

كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين

 كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين إعداد : ميلاد كوركيس مشرف مشروع : Memora 360 - Arabic في دمشق، المدينة التي تتنفس التاريخ وتت...