مترجم - Übersetzer

Friday, August 8, 2025

"لقد خلعتُ الماضي … ودفنتُه دون عزاء"

 "لقد خلعتُ الماضي … ودفنتُه دون عزاء"



لم أعد ذاك العاشق الذي يُقبّل ذاكرة أمّته كل صباح،

ولا ذاك الذي يلهث خلف إنعاش الحروف البالية من كتبٍ لا يقرأها أحد.

لقد خلعتُ ثوب الماضي الأليم، بكل ما حمل من وجعٍ وقيدٍ وخراب،

تركتُ جثته خلفي دون وردة، دون شاهد قبر، دون دمعة.

وما التفتُّ حتى لأعذار الباكين على الأطلال،

ولا نظرتُ إلى الوراء لأتأكد إن كانوا قد دفنوا النعش كما ينبغي،

فما عاد يعنيني إن أقاموا عزاءً… أم أقاموا مأتمًا لأحلامهم فقط.


اكتفيتُ من محاولات إحياء ما مات منذ زمن…

ما عاد ينهض شعبٌ اعتاد احتساء الهزيمة على مائدة الإفطار،

وما عادت تكفي صرخات العاشقين ولا نداءات الأنبياء

لمن باعوا آذانهم لصدى القطيع، وعقولهم لفتات التكرار.

لقد أعطيناهم سنينًا من الأعذار، وأكوامًا من الاحتمالات،

بحثنا عن شمعة داخل ظلامهم، وحاولنا أن نحضن بقايا النور في عيونهم،

لكنهم أحبّوا العتمة، واحتفلوا بالمراوحة،

وصاروا ينحرون كل من يرفع رأسه فوق مستوى الطين.


هم ممتنون في العلن…

لكنهم لا يتقبلون نقدًا، ولا يسمعون صوتًا،

ينظرون للكلمة الحرة كما ينظر نادل القهوة لأحاديث الزبائن…

يمسحها بالمنديل، ويرحل.

يرددون كلمات الإعجاب ثم يرمون أصحابها عند أول منعطف،

يتباهون بشعارات لا يؤمنون بها، ويغنون للحرية بأفواه اختنق فيها النفس.


فلِمَ أُرهق نفسي؟

فلِمَ أحمّل قلبي ما لا طاقة له به؟

تركتُ هذه التفاصيل الثقيلة، بكل خفاياها ومكرها،

لمن قضى عمره يدوّن على جدران الثبات وهمًا اسمه "بقاء".

بقاءٌ هشّ، سقفه الخوف، وجدرانه من ورق.

تركتها لمن عشقوا السلطة أكثر من شعبهم،

ومن تآلفوا مع الضعف حتى صار وطنهم مصطلحًا بلا معنى.


لا تعيدوا فتح دفاتر الألم أمامي، لا هنا، ولا هناك.

فلستُ مستعدًا لنبش رفات الماضي من جديد،

ولا أرغب بارتداء زيّ المنقذ لمن لا يريد النجاة.

الشعب الذي بين أيدينا لم يعد يهتم بشيء…

سوى بفشله.

فشلٍ يتغذى عليه، يُطعمه أولاده، ويصنع منه هوية.


يهاجم الناجحين لأنهم مرآة عجزه،

يدعم الفشل لأنه مألوف،

ويتقن الاستلقاء في وحل الخيبة،

كلما اقترب منه أحدٌ بخيط نجاة… قطعه.

لا يُطاق عندهم من يُفكّر،

ولا يُقبل من يُضيء،

ولا يُسامَح من ينجو.


يهاجمون كل من يحلق خارج سرب فشلهم،

لأنهم يعلمون جيّدًا أن من يبتعد عن دوائرهم

يكتشف الحقيقة الموجعة:

أنهم خدعوا شعبهم طيلة عقود،

راكموا الفشل، وبنوا من هشاشته قصورًا للخطابات،

ومن كذبه جدرانًا من شعارات وطنية مزيفة.

إنهم يعلمون أن أول من يخرج من دائرتهم…

سيرى الخراب الذي زرعوه بأيديهم،

وسيفضحهم دون أن ينطق، فقط لمجرد أنه نجح.


فلا تحملوا الغريب السبب…

ما دمتم قد قبلتم لأنفسكم أن تضيقوا الخناق على من أعطاكم،

على من دعمكم وفتح المجال، وفتح قلبه وبيته وأحلامه،

لا تلوموا من اختار النجاة، بل حاسبوا من علّمكم العجز.

من جعل منكم قطيعًا يُشحن بالأفكار السلبية،

ثم يغلق فمه عن قول أيّ رأي،

وكأن الصمت صار قانونًا، والفشل مذهبًا،

والعار شرفًا.


كفّوا عن التبجّح واستغلال ذكرى الشهداء،

شهداء ماتوا قبل عشرات السنين ومئات الأعوام،

شهداء لم تعودوا تمثّلونهم في شيء،

فأنتم لم تفعلوا شيئًا من أجلهم سوى استغلال صورهم،

وتحويل ذكراهم إلى لافتة حزبية، إلى مناسبة للفرقة،

إلى ملعب لتقسيم الأسماء ما بين آشوري وسرياني وكلداني،

كأن دم الشهيد يُقسّم كما تقسمون التراب،

ضاعت الطاسة – كما يقولها العامة –

وبات الحلم الكبير مشاعًا لكل من أراد أن يطبع عليه صورته.


كلمتي الأخيرة…

أضعتم الشعب وأنتم تعلمون ذلك،

لكنكم استمررتم لأنكم تهوون التمتّع بمديح الحيوان العديم الأخلاق،

وتهيمون بانحناءات المصفّقين المعلّبين،

تكبرون شفاه الملعون أخلاقيًا،

وتصغون بأذانٍ ضخّموها لكم حتى لا تسمعوا صوت العقل.

أنتم تعلمون أنكم أضعتموه…

ومع هذا، تواصلون العرض،

لأن هذا العرض هو الشيء الوحيد الذي يمنحكم وهم القيمة.


#MXR 



No comments:

Post a Comment

كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين

 كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين إعداد : ميلاد كوركيس مشرف مشروع : Memora 360 - Arabic في دمشق، المدينة التي تتنفس التاريخ وتت...