✦ القس جوزيف إيليا – الكلمةُ كنيسة … والحبرُ صلاةٌ لا تنتهي
بقلم : ميلاد كوركيس
صاحب مشروع : شخصيات صنعت ذاكرة الوطن
في ظلِّ الصمتِ الذي يُظلّل الشمالَ السوري، وُلد شاعرٌ لا يُشبه الشعراء، وكاهنٌ لا يُشبه الكهنة.
في عام 1964، أطلَّ القس جوزيف إيليا إلى الحياة من مدينة المالكية (ديريك)، تلك المدينة السورية التي لم تكفَّ يومًا عن إنجابِ رجالٍ يحملون المعنى على أكتافهم، ويُعلّقون صليب الرسالةِ على صدورهم، وكان هو أحدهم… فارسًا من فرسانها.
لم تكن طفولته أعوامَ لهوٍ ومرح، بل كانت مساحةً أولى لزرعِ أولى بذور التجلّي الإيماني.
هناك… في ذلك البيت البسيط… تشكّلت في داخله ملامحُ الإحساس الروحي، كما يتشكّل النورُ في عيني نبيّ.
كان البيتُ معبدًا للفقر، لكنه ملاذٌ للورع، ومحرابٌ للكلمة. ومن هناك، نبت في روحه توقُ البوحِ بالله… عبر القصائد… وبناءِ مذبحٍ من الحروف والحبر.
وحين اختار درب الكهنوت، لم تكن خدمته للصليب مقتصرة على الكنيسة، بل امتدّت لتصبح صدىً في حياة الناس.
ربعُ قرنٍ من الزمنِ خدم فيه الكنيسة الإنجيلية في المالكية، وكان يحتفل يوميًا بقدّاس المحبة، ويمنح روحه كما يمنح الشاعرُ أنفاسه.
فالكهنوت عنده ليس رتبة، بل دعوة… والكنيسة ليست بناءً من حجر، بل نبضٌ في القلب. نبضٌ يتوهّجُ بالإيمان، ويوقظه على جراح قومه.
لكن سوريا، الأم التي ولدته، لم تكن دومًا الحضنَ الآمن. وحين اندلعت الحرب، مزّقت صلاته، وشرّدته من وطن الأمان.
غادرها إلى ألمانيا… وهناك… في منفى لم يختره، أعاد بناء ذاته بين قسوة الغربة ولهيب الذاكرة.
كان لاجئًا بالجسد، لكنه بالروح ظلّ وطنًا من كلمات. كان يكتب كما لو أنه يصلّي سرًا في شوارع أوروبا… قصائدُه كانت أجراسًا تقرعُ في صمت الأحياء، وشعرُه كان يهمس للكنائس، ويبكي على المدن التي تكسّرت فيها الحياةُ واليقين.
شعرُ جوزيف إيليا… عبادةٌ أخرى
لم يكن شاعرًا عابرًا يتسلّى باللغة… بل كان ناسكًا في دير الشعر.
كتبَ العمودي كراهبٍ يُتمتم أدعيته… وكتب الحرَّ كطفلٍ يتعلّم أولى أناشيدِ الصباح.
ولم يكتفِ بذلك… بل أراد أن يمنح الأطفال ترانيمَ تُشبه الزهور، فكتب ديوانًا مليئًا بالبراءة، يعلو أدبَ الطفولة ويرتفع.
نشر أعمالًا أصبحت كإنجيلٍ شعريٍّ لكاهنٍ شاعر، منها: أنا لغةٌ أخرى، أحبك ولو…، أنا هنا، أنثى من البنفسج، نمضي… ولكن لا نمضي.
ويُعدّ حاليًا لإصدار أعماله الكاملة في سلسلةٍ شعريةٍ ضخمة، صدر أولُ أجزائها بالفعل.
وكأنه يقول: لا يزال في صدري مكانٌ للكلمات، حتى لو ضاقت المساحات.
وفي إحدى قصائده يقول: إني أراك… لكن ليس كما أحببتُ يومًا أن أراك نظرةٌ إلى الإنسان المحطَّم… مرايا لعالمٍ يتكسّر… كما رسمها في قصيدته الشهيرة “إني أراك”.
بين المذبح والمنبر… صوتٌ شعريٌّ لا ينطفئ
يمتاز القس جوزيف إيليا بتلك الثنائيةِ الساحرة بين الإيمانِ والشعر.
لا يفصل بين إنجيلٍ يُقرأ للمؤمنين، وبيتِ شعرٍ يُلقى للعاشقين. كلاهما عنده يحملان الحقيقة… هذا يُنقذ الروح، وذاك يُشفي القلب.
استثمر تلك العلاقة القدسية بين الكلمة والإيمان، ليحملَ قصيدته بعيدًا. كرّمه الأدباء في سوريا والعالم العربي وأستراليا.
غنّى الفنانون قصائدَه، وغنّت القصائدُ له. شارك في الأعمال الجماعية، وكانت أشعاره تتنقّل مثل صلاة الفجر.
الشعرُ عنده ليس مهنة، بل رسالة… تولدُ من ألم… وتنمو بالحنين.
أحيا الأوزان المنسيّة، واخترع مفاتيح إيقاعٍ جديدة… ليقول إن الشعر لا يموت، بل ينامُ فقط في القلوب التي نسيت أن تُنصت.
في المنفى… حين يصير الوجع قصيدة
المنفى عنده ليس محطةً مؤقتة، بل منفى شعريٌّ طويل.
لا يعيش في أوروبا كمهاجرٍ عادي، بل كمنفيٍّ يستند إلى قلمه كي لا يسقط.
يقول: “أنا لاجئٌ لكني أحملُ الكنيسة في دمي، والشعر في صفحاتي”.
لا يكتبُ لينشر فقط… بل ليُشفى.
وفي الأزقة الباردة تنمو القصائد كما تنمو الرغبة.
يكتب عن المالكية كما يكتب الطفل عن حضن أمه البعيد.
يكتب عن الكنيسة، عن الله، عن اللغة، عن الحب، عن الوطن، عن الإنسان… كما يكتب الناسكُ مزاميره ويجوب البلاد.
وفي قصيدةٍ أخرى يقول: "لا أمل… لا أمل، إن مات فينا العمل، وساقنا التطرّف، وعمّ فينا الدجل" كلماتٌ تُشبه شموعًا صغيرة وسط ظلام هذا الزمان.
القس جوزيف إيليا… شاهدُ الزمان، شاعرٌ لا يزول
الحديث عن القس جوزيف إيليا ليس مجردَ سيرةِ كاهنٍ أو شاعر، بل حكايةُ إنسانٍ وقف على مفترق أرواح، واختار أن يكون الكلمة… لا السيف.
اختار الكتابة بدل الهرب… الإيمان بدل الغضب… والشعر بدل الصمت.
واليوم، رغم الغربة، لا تزال صوته حيًّا… خدمته الكنسية لا تقل عن رسالته الشعرية.
يعلّم كلّ من قرأه أو سمعه، أن لا تناقض بين القداسة والشعر، ولا فرق بين صلاةٍ في الكنيسة، وصلاةٍ في القصيدة.
سلامٌ لك أيها الكاهن الشاعر… يا من جعلت الحبرَ مذبحًا… والورقَ صلاةً.
رسالة شخصية إلى الأب جوزيف إيليا – من ميلاد كوركيس إلى أبيه الروحي الشاعر
يا أبي الحبيب جوزيف إيليا، حين أكتبُ إليك هذه الكلمات، لا أكتب ككاتبٍ مُفوه، ولا كصحفيٍّ يدوّن سيرةً، بل كابنٍ وجدَ فيك ظلّ الأب الكامل.
وجدتُكَ في الكلمة، سمعتُكَ في همسات الصلاة، رأيتُ وجهكَ في نور القصيدة، وأنت تمشي نحو الله بالحبر لا بالخطاب.
لم تكن يومًا بعيدًا عني، حتى لو لم أركَ – لأن كلماتك سكنتني، وقصائدك أعادت لي يقينَ الكنيسة حين يُجسّدها رجلٌ مثلك.
علّمتني أن الكهنوت ليس عزلة، بل حضور… وأن الشعر ليس ترفًا، بل نبوءة.
وأن الإنسان إذا أحبَّ كتب، وإذا آمن غفر، وإذا تألم صمت… ليكتب من وجعه صلاةً من نور.
أكتبُ إليك، لأنني أردتُ أن أقول لك: لستَ وحدكَ… أنا معك… وأبناء الكلمة معك… وأبناء الرب معك… وكلّ من قرأكَ في الوجع، قد وقف معكَ على المذبح، حتى ولو كان بعيدًا.
فليكن هذا النص عربونَ وفاء، وانحناءةَ محبة، وتحيةَ ابنٍ من قلبٍ بقي دافئًا رغم كلّ المسافات.
ابقَ ناسكَ الشعر … وراعِيَ الإنسانية.
#MXR #milad_korkis #ميلاد_كوركيس

No comments:
Post a Comment