مترجم - Übersetzer

Saturday, August 9, 2025

فؤاد زاديكيه … حارسُ الذاكرة الآزخية وصوتُ الكلمات التي لا تُنسى

 فؤاد زاديكيه

… حارسُ الذاكرة الآزخية وصوتُ الكلمات التي لا تُنسى


 بقلم : ميلاد كوركيس

صاحب مشروع "شخصيات صنعت ذاكرة الوطن"



في زمنٍ جُبل بالخذلان، ونُسجَ بالصمت، كان لا بدّ أن يخرج من بين الرماد رجلٌ يحمل ذاكرة شعبٍ على كتفيه كما تُحمل التوابيت في جنائز الكرامة.


رجلٌ لم يكن اسمه مجرد حروف، بل عهدٌ، وصوتٌ، وموقف.

لم يجلس على طاولة الشعراء المزيفين، ولم يصفّق للمهرجانات التي تبيع التراب مقابل التصفيق، بل وقف حيث يسقط الضوء… على الظلال المنسية.


من رحم الحجارة الناطقة باللهجة الآزخية، من تربةٍ اختلط فيها عرقُ الأجداد بدم الحكاية، نهض فؤاد زاديكيه.

نهض لا ليطالب بمجدٍ شخصي، بل ليصنع مجدًا لأبناء قريته، لهجة شعبه، وهوية وطنه.

لم ينتظر وسامًا، ولا صدق تصفيقٍ، بل حمل قلمه كمن يحمل بندقية، وراح يدوّن ما كانت الألسنة تهمس به خوفًا، وما كانت الأرواح تحفظه صمتًا.


✒️ غيظٌ من فيظ


هذه ليست مقالات، بل لعناتٍ مكتوبة على حائط النسيان.

كل سطرٍ فيها نافذة تُفتح على وجعٍ دفين، وكل فقرةٍ فيها شجرة تُثمر حنينًا لمن رحلوا دون أن يدوّنوا أسماءهم.


كتبها فؤاد لا ليكون كاتبًا، بل ليكون شاهدًا… على ما طُمر تحت تراب الجغرافيا، على ما كُتم في صدور من عاشوا ونسوا، أو أُجبروا على النسيان.

في "غيظ من فيظ" لا تقرأ أفكارًا، بل تسمع شهقات.

تشمّ فيها تراب الأزقة، وتلمس بين الحروف صمت الأمهات.

إنه ليس كتابًا، بل نداءً قادمًا من زمنٍ لا يريد أن يموت.


✒️ القلب والإبدال في لهجة آزخ


في هذا العمل، لم يكن الهمّ لغويًا فحسب، بل كان وجدانيًا، جينيًا، غريزيًا.

لهجة آزخ، كما يراها فؤاد، ليست مجرد طريقة نطق، بل هويّة كاملة.


أعاد من خلال دراسته لهذه اللهجة فتح ملفات التاريخ المنطوق، مستنطقًا فيها أصوات الأجداد، ومفتشًا في التفاصيل الصوتية عن خيوطٍ تشبه جذور الأشجار المتغلغلة في تربة الوجود.

كل صوت في اللهجة، في نظره، هو علامة جرح، وكل إبدال هو أثر قبلة منسية من جدّة على خد حفيدها.


كان يبحث عن الموسيقى الخفية في الحروف، وعن الارتجاجات الداخلية التي تحدثها اللهجة حين تُقال من القلب.


✒️ إضاءة فانوس على عتمة القاموس


القاموس بالنسبة لفؤاد لم يكن كتابًا فقط، بل مرآة تُظهر من نكون.

وإذا ما شُوّهت هذه المرآة، شُوّهت معها صورتنا.


لهذا لم يكن نقده للقاموس مجرّد ترفٍ لغوي، بل وقفة حق، وقفة رجل يُدافع عن سيرة آبائه وأجداده.

سلّط الضوء على العتمات التي تركها الإهمال، أو ربما التعمد، ليعيد ترتيب الحروف في مكانها، كما تُرتب العظام في قبر جماعي قُتل فيه الأبجدية.


هذه الإضاءة كانت صرخة عقلٍ لم يحتمل أن يرى هويته مشوشة في قاموسٍ بلا روح.


✒️ إطلالة نهد


في عالمٍ يختزل الجمال في القشور، كتب فؤاد عن النهد لا كرمز شهواني، بل كرمز حياة.

النهد عنده هو حنينٌ للخصب، للخلق، للدفء، لكلّ ما هو أموميّ في الأرض واللغة والذاكرة.


هذه القصيدة كانت دعوة لإعادة الاعتبار للجسد بوصفه بيتَ الإنسان الأول، وتحريره من وهم العيب والتدنيس.

كتب عن النهد كما يُكتب عن قمة جبلٍ مكلل بالثلج، أو عن سنبلة قمحٍ تنحني بفخر أمام الريح.

هذا النصّ لا يُقرأ، بل يُشعر… لأنه يخرج من الحرف كما يخرج الرضيع من رحمٍ نقي.


✒️ أشعار آزخية


هنا نحن أمام دفتر حياة، لا ديوان شعر.

قصائد مكتوبة بمدادِ الحنين، تُشبه الرسائل التي لم تصل، أو التي وصلتنا متأخرة بعد أن دفنا من كتبوها.


في هذه الأشعار، تحضر الروح الآزخية كما لم تحضر من قبل: في البكاء، في الضحك، في الحكاية، في الأغنية، في الشتيمة أحيانًا، وفي الصلاة دائمًا.

كل بيت شعري هو حكاية طفلٍ ضائع يبحث عن جدّته، وكل قافية هي طَرقة على بابٍ قديم في قريةٍ غادرها الزمن.

هذه الأشعار لا تُحلَّل، بل تُحضن.


✒️ الكلمات الغريبة في لهجة آزخ


الكلمات ليست غريبة، بل نحن من أصبحنا غرباء عنها.

استعادها فؤاد كما تُستعاد الصور القديمة من صندوقٍ خشبيّ كاد يأكله السوس.


أعاد لها معناها، تاريخها، جلدها، ورائحتها.

هذه الدراسة ليست لغوية فقط، بل علاجٌ لمرض الزهايمر الجماعي الذي أصاب أبناء آزخ، حين بدأوا ينسون كيف كانوا يتكلمون، أو يخجلون من لهجتهم أمام لهجاتٍ أخرى.


هنا جاء فؤاد ليقول: هذه لغتكم، هذه جذوركم، عودوا إليها كما يعود الغريب إلى رائحة خبز أمه.


✒️ هوامش فؤاد زاديكيه


لم تكن سيرته الذاتية استعراضًا لحياة، بل بوحًا.

كان كل سطر فيها يشبه اعترافًا، وكل مقطع يشبه رجاءً، وكل لحظة توثيق فيها كانت مقاومة ضدّ النسيان.


لم يكتب ذاته ليُمجّدها، بل كتبها ليشاركها مع من يشبهونه، من نُفيت سيرهم، ومن وُلدوا ولم تُذكر أسماؤهم.

هوامشه هي المتن الحقيقي، لأنه فيها كان حرًّا، بسيطًا، موجوعًا، لا يخاف من قول: تعبت، أو: خذلتني الحياة.


✒️ قطرات شهد لبراعم نهد


هنا عاد الجسد الأنثوي ليكون مركز النص، لكن هذه المرة من زاوية الحبّ المحض.

كل حرف فيه كان لمسة، وكل فاصلة تنهيدة، وكل بيت وعدٌ لشجرةٍ بأن لا تُقطف ثمارها إلّا بحبّ.


في هذا الديوان، لا يتغزّل فؤاد، بل يُنصت… يُنصت لصوت الأنثى، كما يُنصت الفلاح لنبض الحنطة.


✒️ تاريخٌ مختصر في مقالات عشر – الجزء الثاني


أراد أن يكتب التاريخ بصوته، لا بصوت المنتصرين.

أن ينقل ما قالته الجدران، لا ما كتبته المناهج.


هذا الجزء الثاني كان استكمالًا لمشروع سردي طويل، أراد منه أن يعيد تشكيل ذاكرة آزخ لا كمدخلٍ للحنين فقط، بل كخريطة مستقبل.

التاريخ الذي كتبه، يشبه كيسًا مملوءًا برسائلٍ من الأموات إلى الأحياء، علينا فقط أن نفتحها.


✒️ رسالة عامة من فؤاد زاديكيه إلى الجيل القادم


> الكلمة لا تُباع ولا تُشترى

ما كتبته لكم، هو منكم وإليكم

احملوا هذا الإرث في صدوركم، لا على الرفوف

تكلموا به، تنفسوه

لأننا بالكلمة نحيا، وبالسكوت نُدفن


✒️ رسالة شخصية من ميلاد كوركيس – صاحب مشروع "شخصيات صنعت ذاكرة الوطن" – إلى فؤاد زاديكيه


إلى من كان للوفاء مرآة، وللشعر راية، وللذاكرة جسدًا حيًّا…


لم أكتب عنك، بل كتبت بك.

بصدقك تعلمت أن الكلمات تنطق حين تُقال من القلب.

وبصفائك أيقنت أن التاريخ يُكتب على يد النبلاء، لا على أيدي المتسلّقين.


دمت كما أنت، سيد الكلمة، وصوت آزخ، وضمير كلّ من يخشى النسيان.


#MXR #milad_korkis #ميلاد_كوركيس

No comments:

Post a Comment

كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين

 كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين إعداد : ميلاد كوركيس مشرف مشروع : Memora 360 - Arabic في دمشق، المدينة التي تتنفس التاريخ وتت...