المستمع … والعالم بما يريد
بقلم : ميلاد كوركيس
في حياتنا كثيرًا ما نخلط بين من يُتقن الاستماع وبين من يُتقن البحث.
المستمع هو ذاك الذي يجلس متلقيًا، يلتقط من هنا وهناك، يكرر ما سمعه كأنّه امتلك الحقيقة كاملة. هو الذي يحاول أن يُظهر نفسه بمظهر العارف، يبرع في زخرفة الكلمات وترديد العبارات التي مرّت على أذنه، وكأنها ملكٌ حصريّ له. لكنه في الحقيقة يعيش في دائرة مغلقة، محكومة بما يسمعه فقط، فلا يتجاوز حدود النقل إلى فضاء الإبداع.
أما العالم، فهو إنسان مختلف، لا يكتفي بالاستماع ولا يتوقف عند حدود ما وصل إليه غيره. العالم ليس صندوقًا يحفظ، بل روحًا تبحث وتغامر، عقلًا يضيء زوايا مظلمة لم يسبق أن وُضِع فيها نور. هو الذي لا تشبعه المعلومة الجاهزة، بل ينهض دائمًا ليسأل: "وماذا بعد؟ كيف؟ ولماذا؟". العالم يعرف أن المعرفة بحر لا شاطئ له، وأن كل اكتشاف جديد ما هو إلا باب يُفضي إلى ممرّ أطول وأسئلة أعمق.
المستمع يكتفي بما يرضي غروره، أما العالم فلا يرضى حتى بإرضاء نفسه، لأنه يؤمن أن المعرفة أكبر من أي ذات، وأوسع من أي عقل، وأن ما يُدركه اليوم قد يصبح غدًا بداية جديدة للبحث لا نهاية له.
المستمع يسعى ليبدو، والعالم يسعى ليكون.
المستمع يعيش على صدى الآخرين، والعالم يصنع صوته من عمق الحقيقة.
المستمع يركن إلى ما سمعه، أما العالم فيعرف أن الجهل الحقيقي هو أن تظن أنك عرفت كل شيء.
وهنا الفارق الجوهري:
المستمع عابرٌ في زمن المعرفة.
أما العالم… فهو من يصنع هذا الزمن ويترك أثره فيه.
وليعذرني أصحاب الفكر الضيّق والضيوف ثقيلي الدم، فهذا الكلام لا يُخاطبهم أصلًا.
#فكر #معرفة #وعي #العقل #البحث #الحقيقة

No comments:
Post a Comment