مترجم - Übersetzer

Tuesday, December 2, 2025

جورجيت ونعيم رحلة من الحب والإيمان ونور دائم للتعليم

 جورجيت ونعيم رحلة من الحب والإيمان ونور دائم للتعليم


(بشهادة المعلمة جورجيت كبرائيل ) 


إعداد : ميلاد كوركيس 

صاحب مشروع : Memora 360 - Arabic 



الحياة أحيانًا لا تكتفي بتقديم التواريخ والأحداث؛ بل تمنحنا قصصًا خالدة تنصهر في تفاصيلها قيم الحب الراسخ، الإصرار الذي لا يلين، والتفاني الذي يُضيء دروب الأجيال. هناك قصص تتجاوز الزمن والمكان لتصبح منارة لكل من يسعى إلى فهم معنى الإيمان بالرسالة، معنى الحب العميق، ومعنى الصبر على التحديات اليومية. قصة المعلمة جورجيت كبرائيل وزوجها المعلم الراحل نعيم صليبا ليست مجرد سيرة حياة، بل هي رحلة تنبض بالإلهام وتعلمنا أن الإنسان قادر على ترك أثر خالد حين يكرس حياته للعمل من أجل الآخرين، حين يزرع المعرفة والحب والقيم في أجيال لا تعد ولا تحصى. كل لحظة من حياتهما تحكي درسًا في التوازن بين الحب والعمل، بين الالتزام بالقيم والمرونة أمام الصعاب، لتصبح حياتهما نموذجًا حيًا على أن الرسالة التعليمية تتجاوز حدود الكتب والفصول الدراسية لتصبح إرثًا مستمرًا عبر الزمن.


وُلدت جورجيت عام 1960 في ناحية قبري حيوري (القحطانية) بمحافظة الحسكة، في عائلة سريانية مسيحية مؤمنة جدًا، تضم ثمانية أفراد إلى جانب الوالدين، وكانت أصغرهم. ترعرعت بين جدران البيت والكنيسة تحت عين والدها الشماس الإنجيلي، الذي درس في دير مار كبرائيل بطورعبدين جنوب تركيا، فغرس فيها حب الكنيسة، اللغة السريانية، وحب المعرفة، وشارك في بناء كنيسة السيدة العذراء وشراء ناقوسها. أما والدتها، فقد كانت امرأة عاملة كادحة، زرعت في الأبناء حب العمل والمثابرة، وجعلت من البيت مكانًا يجمع بين الرعاية والجدية والحنان، لتكتسب جورجيت منظومة قيم راسخة من الإيمان والعمل والصدق والبساطة. كل يوم من طفولتها كان فرصة لمشاهدة القيم تُطبَّق في الحياة الواقعية، فتعلّمت أن التوازن بين العمل والروحانية، وبين الجدية والحنان، هو أساس الشخصية القوية والمتكاملة.


تصف المعلمة جورجيت كبرائيل شبابها بأنها كانت فتاة متزنة وخجولة جدًا، لدرجة أنها لم يكن لديها صديقات، حيث قضت تلك المرحلة في قراءة القصص وكتابة الأشعار والخواطر، وكانت تتمتع بموهبة رسم ما تراه. وقد ناضلت جورجيت بالدراسة رغم الظروف الصعبة، حيث كانت تهوى التعليم رغم أن والدتها كانت تفضل العمل، ورغم رغبتها بدراسة المحاماة، إلا أن الظروف قادتها إلى دار المعلمين لتتخرج معلمة صف خاص.


تضيف جورجيت عن القيم التي نالتها من بيئتها: حب الكنيسة، حب تاريخ الأجداد، حب اللغة السريانية، وحب الآخرين. هذه القيم أصبحت حجر الأساس في شخصيتها، لتتسع لتشمل قيم زوجها فيما بعد: القناعة، التواضع، الجهاد المستمر بالحياة دون كلل أو ملل، ومساعدة الآخرين، لتصبح حياتهما مشتركة في منظومة قيم متكاملة، تنسج معًا خيوط الحب، الإيمان، والعمل، لتصبح الأساس الذي يقوم عليه بيتهما وأجيالهما.


وفي مدينة ديريك (المالكية)، ​وُلد نعيم صليبا عام 1956 في مدينة ديريك (المالكية)، في كنف أسرة سريانية متواضعة ماديًا، لكنها غنية بالإيمان والأخلاق، ومكونة من تسعة أفراد: أربع أولاد وثلاث بنات ووالدين. تشكّلت في هذا البيت روحٌ تقدّر العلم والمعرفة، ونجح الأبناء رغم الظروف القاسية في متابعة دراستهم ونيل شهادات مختلفة.

​فقد أصبح الراحل بهنان صليبا معلّمًا للّغة الإنكليزية.

​وتخرّج الراحل نعيم صليبا هو الآخر من دار المعلّمين.

​وعمل الراحل شمعون صليبا موظفًا في قسم البريد.

​بينما أصبحت فهيمة صليبا معلمة صفّ.


​ساعد نعيم صليبا والده في طفولته بعمله في بيع الخضار والفواكه بحكم مهنة الوالد. كما تميز في شبابه بـالرياضة، وبخاصة كرة الطائرة، لدرجة أن رفاقه أطلقوا عليه لقب "أبو طليع".


​كان نعيم صليبا ذكيًا ومجتهدًا في دراسته، وقد تعلم منذ صغره أن الانضباط والعمل الجاد هما مفتاح النجاح. ورغم أن المنطقة كانت تعتمد على الزراعة والحرف، إلا أنه وضع نصب عينيه أن يسلك طريق التعليم بعد تخرجه من دار المعلمين، معتبرًا إياه مهمة وواجبًا أخلاقيًا قبل أن يكون مهنة، لنشر الثقافة والمعرفة بين الأجيال بكل صدق واجتهاد، ليكون بذلك جزءًا فاعلًا من الحركة الثقافية والمعرفية في مجتمعه.


سردت المعلمة جورجيت أن صدفة جميلة كانت لقاءها الأول بالمعلم الراحل نعيم صليبا، وقد نتج عن هذا اللقاء حب تكلل بالزواج، دام أكثر من تسعة وثلاثين عامًا، مليئة بالحب والحنان، والتعاون، والعمل الكادح الذي زرع فيهما روح الإصرار وزاد من عزيمة الاستمرار لكليهما.



بعد تخرجها معلمة صف خاص، رأت جورجيت نفسها متمكنة في ميدان التعليم لحبها للأطفال، واعتبرت رسالتها التربوية في مضمونها رسالة إنسانية قدمتها لكل من علمتهم بكل إخلاص وتفانٍ، وهي راضية عنها. بينما الأستاذ نعيم، بعد خدمته العسكرية، قام بالتدريس في عدة مدارس.


أثناء وجودها في مدينة ديريك (المالكية)، كانت جورجيت تتوجه إلى قرية تل الصدق القريبة مشياً على الأقدام، وكانت المعلمة الوحيدة آنذاك. لاحقًا، انتقلت وأكملت التدريس في عدة مدارس بقرى مختلفة منها تل أصفر وتلين. وخلال فترة حملها، كانت تستقل الباص ذهابًا وإيابًا، ولم تتوانَ عن إكمال رسالتها التعليمية والتربوية.


التقى الزوجان وأكملا مشوارهما في سلك التعليم سويًا. فدرّست هي في قرى: تل أصفر، تل صدق، تلين وغيرها الكثير. بينما كان الأستاذ نعيم معلمًا بعدة مدارس منها مدرسة الشهيد رفعت الحاج سري، حتى انتقلت المعلمة جورجيت إلى هناك أيضًا، وقاما بالتدريس فيها فترة خمس سنوات تحت إدارة الأستاذ والأديب توما بيطار، ومن بعده الأستاذ كابي أفرام الذي أصبح موجهًا تربويًا لاحقًا.


خلال السنوات الأولى للزواج، عاش الزوجان في بيت صغير مع عائلة نعيم، حيث كانت حياتهم مليئة بالحب والحنان والاحترام المتبادل، ثم انتقلوا لاحقًا إلى بيتهم الخاص، وبدأ كل منهما في ممارسة دوره التعليمي والتربوي، حيث كانت لحظات التعلم والتعليم تنسج تفاصيل حياتهما اليومية، من المائدة المشتركة إلى الأنشطة المدرسية، من الدروس المنزلية إلى نصائح الحياة اليومية.


خلال حياتهما العملية، كان المعلم الراحل نعيم يتناوب مع جورجيت في العمل التعليمي؛ حيث كان يذهب للدوام الصباحي، بينما تبقى هي مع أولادها في المنزل، وبعد عودته كانت هي تتوجه إلى المدرسة ويبقى هو مع الأبناء. ومع مرور السنوات، انتقلت جورجيت للعمل في عدة مدارس منها مدرسة سكينة بنت الحسين، حيث اقترحت ضرورة وجود روضة للأطفال، لتسهيل تعليمهم ورعاية أولاد المعلمين أثناء قيامهم بواجبهم التعليمي والتربوي، ما يعكس حرصها على الجمع بين التعليم الرسمي والاحتياجات العملية للأسر، مؤمنة أن التعليم لا يقتصر على الكتب، بل يمتد إلى الحياة اليومية ومهارات التواصل والقيم الإنسانية.


من ناحية الصفات المشتركة التي كانت تقوي العلاقة، ذكرت جورجيت: التعاون، الإخلاص، الثقة، الإصرار، الحب، الحنان، والتفاني دون تذمر، وهي القيم التي انعكست على حياتهما الأسرية والتعليمية، وجعلت لكل منهما القدرة على دعم الآخر في مسيرة التربية والتعليم، لتصبح الأسرة نموذجًا حيًا للالتزام بالقيم، ولإعطاء التعليم بعدًا إنسانيًا عميقًا.


أما فيما يخص الهجرة إلى السويد، فقد وصفت جورجيت قرارها مع زوجها بأنه كان خطوة محفوفة بالمخاطرة والمغامرة، حيث بدأت الفكرة كزيارة قصيرة لكنها تحولت إلى قرار مصيري للانتقال من الوطن إلى بلد غريب والبداية من الصفر، رغم كل المجهول. خلال السنوات الخمس الأولى في السويد، واجهت جورجيت ظروفًا صعبة جدًا قبل الحصول على الإقامة، واضطرت للعمل رغم صعوبة اللغة، بينما كان الأطفال يتعلمون السويدية ويدخلون المدارس. بعد نيل الإقامة، بدأت حياة جديدة، وواصلت جورجيت تعليم اللغة السويدية للأطفال والصفوف الأولى، مصدقة شهادتها السورية، ومع الحفاظ على لغتها الأم السريانية، مؤكدة على أهمية تعلم اللغة والاندماج في المجتمع لأي مهاجر، وتقديم نموذج للأجيال الجديدة على أن الإرادة والمعرفة هما السبيل للنجاح.


خلال الهجرة، ساعد الأبناء والدتهم في التأقلم، وتعلموا اللغة السويدية بسرعة، فساهموا في الترجمة وتسهيل التواصل مع المجتمع الجديد، وكانت جورجيت فخورة جدًا بقدرتهم على مواجهة التحديات والعمل المستقل، ما أعطى كل خطوة في الهجرة معنى أعمق، وحوّل كل صعوبة إلى درس في الاعتماد على النفس.


بدأت ورود، الابنة الكبرى، بدعم والدتها منذ البداية، حيث تعلمت مبادئ اللغة السويدية وأكملت تعليمها، وأنهت الثانوية وتزوجت بعمر الحادية والعشرين، ثم درست قسم التاريخ لكنها اضطرت لاحقًا لتصبح معلمة صف، مواصلة بذلك درب والدتها في التربية والتعليم، محافظة على القيم الأسرية التي تربت عليها: الاحترام، التفاني، والعمل المستمر. ورود تتميز بمثابرتها اليومية، حيث كانت تقوم بتعليم الأطفال في مركزها الصغير في المنزل قبل انتقالها للعمل الرسمي، وتحافظ على روتينها في قراءة الكتب التاريخية والبحث في التراث السرياني، مدمجة المعرفة النظرية بالخبرة العملية، وتقدم نموذجًا حيًا على استمرار الإرث التعليمي للأجيال.


أظهر طليع( كبرائيل) ، الابن الأكبر، تفوقًا وتميزًا في التعليم والعمل منذ صغره، فبدأ حياته المهنية من الصفر، مؤمنًا بذاته، ومؤسسًا مستقبله بثقة. ساعد والدته في الإجراءات اليومية أثناء الهجرة، وكان مثالًا في الاعتماد على النفس والمثابرة، مواصلًا طريق والديه في الكدح والتفاني لبناء مستقبل الأسرة. عمل طليع لاحقًا في الإدارة والتخطيط، مسخرًا قيم العمل الجماعي التي تربى عليها، وساهم في دعم أخواته، وشارك في الأنشطة الاجتماعية التي تجمع الجالية السريانية في السويد.


كبرت كبرائيلة، التوأم، على القيم الأسرية نفسها، وأكملت دراستها الجامعية بتخصصها معالج مهني ( Arbetsterapeut )، لتصبح نموذجًا في التفوق الأكاديمي والالتزام الشخصي، مستمدة من والدتها ووالدها روح الإصرار والعمل المتواصل. مارست كبرائيلة التعليم والمبادرات الثقافية، لتكون جسرًا بين الجالية السريانية والمجتمع السويدي، محافظة على اللغة والتراث، ونقلت للطلاب حب القيم الإنسانية قبل العلم.


درست ماريا، التوأم الآخر، علم الاجتماع (Sicunom ) ضمن أقسام علم النفس، واتبعت نهج الأسرة في التفاني والقيم، محافظة على روح التعاون والتكافل، وقدمت مثالًا واضحًا عن قدرة الأبناء على الجمع بين التعليم والقيم الإنسانية في آن واحد، من خلال عملها مع الجمعيات الخيرية، ودعم الأيتام والأسر الجديدة المهاجرة، مع التركيز على التعليم غير الرسمي والأنشطة الاجتماعية.



تؤكد جورجيت أن نجاح الأبناء لم يكن ليكتمل لولا القيم التي حرص الزوجان على ترسيخها منذ الصغر: المحبة، الحرص، الاحترام المتبادل، حب الكنيسة، حب الصلاة، حب الآخرين، حب العمل، والتسامح مع الآخرين. هذه القيم شكلت أساس حياتهم الشخصية والتعليمية والعملية، وجعلت الأبناء يواصلون مسيرة والديهم بحب وإخلاص.


__________________________________________________


رسالة جورجيت للمعلمين والمعلمات: "التعليم رسالة إنسانية قبل أن يكون مهنة، ومن خلاله تُبنى الأجيال ويزرع الحب والمعرفة والقيم. الحياة التعليمية مليئة بالتحديات، لكنها تمنح المعلم شعورًا عميقًا بالرسالة المشتركة، وتجعل كل تعب يُستثمر في مستقبل الطلاب والمجتمع. احرصوا على حب طلابكم، احترامهم، وتعليمهم القيم قبل العلم، فهما معًا يصنعان الإنسان الصالح، ويستمران بعدنا في حمل رسالة التربية والمعرفة. كل جهد تبذلونه يُثمر في غرس الأمل والمعرفة، ويترك أثرًا خالدًا في نفوس من علمتموهم."


خلاصة حياتها الطويلة: "الصبر، الإصرار، الاعتماد على النفس، والاستمرار رغم الصعاب، هي مفاتيح الحياة. تعلموا لغة بلدكم الجديد إذا هاجرتم، واندماجوا في المجتمع، وواصلوا عملكم بحب وتفاني. لا تيأسوا مهما كانت الظروف صعبة، فالحياة التعليمية والتربوية والصبر على الصعاب تمنحكم القدرة على بناء مستقبل أطفالكم وتحقيق رسالتكم الإنسانية. كل خطوة مهما بدت صغيرة، هي جزء من بناء الإنسان الصالح والمجتمع المستنير."


__________________________________________________


رسالة شخصية من صاحب مشروع

 Memora 360 - German 

 ميلاد كوركيس :


"يا جورجيت ونعيم، إن قصتكم هي النبراس الذي نحتاجه في زمننا. هي نموذج ناصع للتفاني، وللشراكة القائمة على الحب العميق في التعليم والحياة. إن رحلتكما الحياتية تعلمنا أن لكل تحدٍ في الحياة قيمة، وأن الإرادة الصادقة، مقرونة بالإيمان بالرسالة والعمل المشترك، تستطيع أن تصنع فرقًا في حياة الأسرة والمجتمع. أنتم أكثر من مجرد معلمين؛ أنتم منارة تنير دروب الأجيال، وصوت يذكر كل من يقرأ قصتكم أن الحب والعمل معًا يصنعان إرثًا خالدًا. إن إرثكم ليس مجرد ذكريات أو أحداث، بل هو مدرسة حقيقية في الصبر، الإصرار، والإيمان بالقيم الإنسانية. لكل معلم، ولكل أسرة، أنتم مثال حي على أن الإخلاص في التعليم والالتزام بالإنسانية قادران على تغيير الواقع وترك أثر خالد في النفوس، يبقى حيًا مهما تغير الزمن."


__________________________________________________ 


رحلة جورجيت ونعيم لم تكن مجرد سيرة حياة، بل درس حي في الإصرار على التعليم، والالتزام بالقيم، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص. إنهما يعلّماننا أن التفاني في التربية والالتزام بالأسرة والمجتمع، والقدرة على الصبر والإيمان، يصنع فرقًا حقيقيًا في حياة الأجيال القادمة، ويترك أثرًا خالدًا في الذاكرة الجماعية. كل خطوة في حياتهما، وكل تحدٍ تخطوه، يذكّرنا بأن الإرث الحقيقي لا يُقاس بالماديات، بل بالحب، والقيم، والعمل المستمر الذي يزرع المستقبل. هذه القصة، بكل تفاصيلها، تشكل مصدر إلهام لكل معلم، ولكل إنسان يسعى لأن يكون مرشدًا للأجيال، ولتظل رسالة التعليم والإنسانية حية، نابضة، ومتجددة مع كل جيل جديد.


#Memora360 #جورجيت_كبرائيل #نعيم_صليبا #سيرة_حياة #تعليم_وأجيال #قيم_وعائلة #إصرار_وتفاني #هجرة_ونجاح #تاريخ_سرياني #حب_وتعليم #أطفال_ناجحين

Monday, November 24, 2025

Fahad Mousa : Das Leben eines Mannes, der das Gedächtnis einer Stadt schuf

 Fahad Mousa : Das Leben eines Mannes, der das Gedächtnis einer Stadt schuf

Verfasst von : Milad Korkis 

Inhaber des Projekts : Memora 360 - Arabic

Im Nordosten Syriens erstreckt sich eine kleine Stadt in ihrer Größe, weit in ihrem Gedächtnis, ihr ältester und tiefgründigster Name ist Derik, ein Name, der der Zeit vorausgeht und in dem das Syrische mitschwingt, das den Geist des Ortes prägte, bevor er administrativ als Al-Malikiyah bekannt wurde. Derik ist nicht nur eine Stadt, sie ist ein langer Faden aus alten Düften, der Wärme der steinernen Häuser, dem Gebet der Kirchen und dem Tritt der Kinder in den engen Gassen. Sie ist die Sehnsucht, die niemals altert, egal wie sehr sich die Welt um sie herum verändert. In diesem Stück Land wurden Persönlichkeiten geboren, die ihre eigene Spur hinterließen, und gingen weiter, um ihre Präsenz still und schön zu schreiben, als würde die Stadt ihre Kinder langsam wie Schatten der Bäume wachsen lassen. Unter diesen Persönlichkeiten ragt Fahad Hanna Moussa hervor, geboren 1963 in Derik, ein Mann, der soziale Arbeit, sportlichen Geist, kirchliche Zugehörigkeit und nationale Verantwortung vereinte, sodass sein Leben zu einer Reise des ununterbrochenen Gebens wurde.

Als ich dieses Interview im Rahmen des Projekts Memora 360 vorbereitete, das früher als „Personen, die das Gedächtnis der Nation geschaffen haben“ bekannt war, wusste ich genau, dass ein Treffen mit einem Mann wie Fahad Moussa nicht nur aus Fragen und Antworten bestehen würde, sondern aus einer lebendigen Erzählung einer ganzen Stadt, ganzer Generationen und Erinnerungen, die durch die Kirchen, Häuser, Spielplätze, Gärten und Gesichter der Menschen in Derik wandern, die aus Einfachheit Geschichte machen und mit stillem Präsenz Einfluss hinterlassen. Fahad Moussa ist nicht nur ein Name, er ist die Fortsetzung einer vergangenen Zeit, die nicht verschwindet, gegenwärtig wie das Läuten einer Kirchenglocke, und mit ihm erscheinen alle Details des Lebens dieser weit entfernten Stadt voller Geister ihrer Bewohner.



Trotz meiner langen Bekanntschaft mit Herrn Fahad (Abu Thomas) musste ich mein Schreiben mit großer Genauigkeit gestalten. Ich kenne ihn seit vielen Jahren, dennoch musste ich über ihn so berichten wie über andere Persönlichkeiten, damit seine Biografie ein Modell wird, das einer großen Stadt wie Derik würdig ist. Persönlich sah ich in ihm einen engagierten Kämpfer, einen geschickten Macher, der unermüdlich in allen Bereichen wirkt, um das Erbe seiner Stadt, ihre Geschichte, seine nationale Zugehörigkeit, sein Christentum und sein Heimatland Syrien zu bereichern. Meine Aussage über ihn ist befangen, aber ehrlich. Als ich zuvor über seinen verstorbenen Vater, Herrn Hanna Moussa, schrieb, begann ich die Familiengeschichte mit den Älteren, damit der Leser versteht, dass Dinge nicht aus dem Nichts entstehen Fahad ist ein Sohn seines Vaters, auch wenn sich Zeiten ändern und Gesichter wechseln, bleibt das Wesentliche und die Botschaft dieselbe.



Fahad gehört zu einer Generation, die verstand, dass die Heimat die erste Zugehörigkeit ist, die Familie die erste Schule und die Kirche der erste spirituelle Raum, der einem Menschen die Fähigkeit gibt, dem Leben mit all seinen Veränderungen, Bruchstellen und kleinen, unbeachteten Erfolgen zu begegnen, die die Persönlichkeit formen. Er wuchs in einem Haus auf, das Verantwortung lehrte, ein Haus, das wollte, dass Kinder Werte weitertragen, nicht nur Namen. In seiner Kindheit war Derik für ihn ein großer Spielplatz, in dem Freude und Staunen sich vermischten, jede Straße eine Geschichte, jedes Gesicht eine Spur hinterließ. Aus diesen einfachen Anfängen wuchs in ihm ein starkes Zugehörigkeitsgefühl zu seiner Nachbarschaft, Umgebung, Kirche und Stadt, das mit der Zeit in Taten, Präsenz und Engagement überging.


Fahad Hanna Moussa, Sohn von Herrn Hanna Moussa und Frau Sara Saliba, wuchs in einer einfachen, aber werte und prinzipienreichen Familie auf, die sich für Bildung, Politik, Sport und nationales Bewusstsein interessierte. Er erlebte den Tod seines Vaters im Alter von sieben Jahren, ein prägender Teil seiner frühen Persönlichkeit, der jedoch seinen Enthusiasmus und Lebenswillen nicht brach. Seine Kindheit war geprägt von schönen Erinnerungen in Schule, Nachbarschaft, Freundschaften und Sport, wobei Derik für ihn ein großer Spielplatz war, auf dem Freude und Staunen zusammenkamen, jede Straße eine Geschichte und jedes Gesicht einen Abdruck hinterließ.



Seine Schulbildung begann an der Rafaat al-Haj Sari Grundschule, dann setzte er seine Mittel- und Oberschule an der Yusuf al-Azmeh Schule fort, wo die Beziehung zwischen Schüler und Lehrer auf Respekt und Wertschätzung basierte. Seine Mutter und sein Großvater Tuma Saliba pflanzten Werte wie Geduld und Ehrlichkeit in ihm, unterstützt von prägenden Pädagogen wie Melphono Yacoub Hanna und Herrn Jirjis Behnan Abu Hayyan. Trotz finanzieller Herausforderungen der Familie musste Fahad während des Universitätsstudiums Sommerarbeit leisten, doch die Familie war stets die Hauptstütze, um Hindernisse zu überwinden.


In seinen frühen Jahren begann Fahad seine berufliche Tätigkeit als Lehrer an der Schule der Syrer und engagierte sich für die Jugend, gründete ein Blasorchester und eine Pfadfindergruppe, und arbeitete als Buchhalter und Vorstandsmitglied in der Landwirtschaftlichen Vereinigung. Er engagierte sich in kirchlichen und Jugendinstitutionen wie dem Zentrum für religiöse Erziehung, der Bruderschaft und dem Sportverein Al-Rafidain, wobei er Jugendliche anleitete und ihre Talente förderte.



Der Al-Rafidain Verein, gegründet in den 1940er Jahren durch den Onkel Yusuf Naaman und seine Gefährten, war seit seinen Anfängen ein Symbol für Sport und Jugend in Derik, sah sich jedoch großen Schwierigkeiten ausgesetzt, wie fehlender fester Spielplatz und der unglückselige Beschluss zur Schließung der lokalen Vereine, was zur Zerstreuung von Talenten und zur Unterbrechung mancher sportlicher Aktivitäten führte.



Im Jahr 2004 wurde der Verein wiederbelebt, mit zahlreichen Spielern aus verschiedenen Altersgruppen, freundschaftlichen Spielen gegen den Al-Jazeera Verein, das Rafidain-Olympiade und das July-Olympiade in Iran 2006 und 2010, und erzielte wichtige sportliche und soziale Erfolge. Er wurde zu einer Plattform für die Jugend, um ihre sportlichen und sozialen Fähigkeiten zu fördern.



Herr Fahad Moussa sammelte zuverlässige und wahre Informationen über die Geschichte und die Epoche des Vereins und des Sports in Derik und veröffentlichte sie in einem Buch mit dem Titel „Geschichte des Al-Rafidain Vereins und des Sports in Derik“, dokumentiert die wichtigsten Stationen von den 1940er Jahren bis 2012, um diese Information als Teil des Erbes der Stadt und des sportlichen Gedächtnisses der Jugend zu bewahren.



Heute existiert der Al-Rafidain Verein weiterhin für die jüngeren Altersgruppen in Derik, eine Liebesgeschichte, die unsere Vorfahren lebten, die Kinder erneuern und von den Enkelkindern gefeiert wird. Wir hoffen, dass die Verantwortlichen ihn unterstützen, um ihn vollständig wiederzubeleben, damit er ein Symbol für Jugend, Ehrgeiz und Sport wird, und den großartigen Namen „Beth Nahrin (Mesopotamien)“ trägt, dessen historisch-nationale Bedeutung eine Verbindung zwischen den Generationen darstellt und ihre kulturelle und nationale Identität stärkt.



Auf kultureller und sprachlicher Ebene spielte Fahad Moussa eine herausragende Rolle bei der Mitgestaltung der Syriac Language Authority gemeinsam mit Malfono Yacoub Hanna und Malfono Mirza Hanna Abu Ashur, in der Mitgliedschaft des Legislativrats in Al-Jazira sowie bei der Gründung des Syriac Language Council in Derik, als Beitrag zum Erhalt des kulturellen Erbes und der Identität.



Mit Beginn der syrischen Krise im Jahr 2011 übernahm Fahad eine bedeutende humanitäre Rolle zur Wahrung des bürgerlichen Friedens in Derik, durch die Mitgründung der Christlichen Behörde, die Organisation von Schutzkomitees, die Erfassung der Bevölkerung, die Sicherstellung lebensnotwendiger Güter und die Durchführung von Dialogveranstaltungen zur Förderung des Zusammenlebens der verschiedenen Gemeinschaften. Dies geschah in Zusammenarbeit mit Elias Alkass, seiner Teilnahme an Diskussionen mit der Syriac Union Party, um die Krise umsichtig zu managen.


All diese Schritte verkörperten seine Prinzipien der sozialen Arbeit: Liebe zum Vaterland, Engagement in der Kirche, die Wahrung der nationalen Identität parallel dazu, ohne Vergötterung von Einzelpersonen oder Parteien, im festen Glauben, dass Initiative und Liebe die Grundlage jeglichen sozialen Fortschritts sind.


Am 15. Juni 2015 verließ er Syrien und ließ sich in Deutschland nieder, wobei er seine tiefe Verbindung zu seiner Heimatstadt Derik bewahrte, die kulturellen und sozialen Wurzeln, die ihn nie verließen. Im Exil half er bei der Gründung der „Freunde der Schüler in Europa“-Vereinigung, eine Initiative zur wissenschaftlichen und wirtschaftlichen Unterstützung der Schüler aus Derik, zur Entlastung ihrer Lasten und zur Weitergabe von Werten und sozialer Orientierung, genau wie er es in seiner Heimat gewohnt war.


Seinen Erfolg in der Verwaltung verdankte er dem Geist der Gemeinschaft, einer soliden Planung, der Bewertung von Ergebnissen und kontinuierlicher Nachverfolgung, Prinzipien, die die Grundlage seiner erfolgreichen Erfahrung sowohl in der Heimat als auch im Ausland bildeten.


Persönlich teilt Fahad sein Leben mit seiner Ehefrau Ferial Botrus, die ihn in allen Phasen unterstützte, Partnerin im Familienleben, Förderin der sozialen Aktivitäten und Trägerin seiner Bildungs-, Sport- und Kulturinitiativen. Gemeinsam bilden sie eine Familie, die die Werte, in denen er aufgewachsen ist, weiterführt, und bemühen sich, diese an die Kinder weiterzugeben, damit sie eine Fortsetzung dieser Werte für kommende Generationen sind und die Fackel der Treue und Zugehörigkeit zur Stadt und zum Land tragen.


Heute arbeitet Fahad an einem Buch mit dem Titel „Lichter aus meiner Heimatstadt Derik“, um das soziale Leben, Bräuche und Traditionen sowie den Einfluss der Wahrzeichen auf das Bewusstsein der Gemeinschaft zu dokumentieren, einschließlich der Geschichte des Al-Rafidain Vereins, der sportlichen und sozialen Leistungen der Jugend, um diese kleinen Epen zu präsentieren, die die Geschichte der Stadt geprägt haben, damit sie für kommende Generationen bewahrt bleiben und im Gedächtnis der Gesellschaft erhalten werden.


Trotz all dieser langen Jahre der Arbeit bleibt Fahad Moussa ein Symbol für die Verpflichtung zu Prinzipien: Liebe zur Heimat, Kirche, nationale Zugehörigkeit, freiwilliges Engagement, Dienst an der Gemeinschaft und Bestätigung der individuellen Würde, mit der Achtung der Freiheit und anderer, überzeugt davon, dass Liebe und Initiative die Grundlage jedes zivilisatorischen und sozialen Fortschritts sind, und dass jede kleine Tat einen Unterschied macht und jede Initiative im Herzen der Gemeinschaft lebendig wird.


__________________________________________________


Persönliche Botschaft von mir, Milad Korkis, Inhaber des Projektes von

Memora 360 - German :



„Lieber Fahad, wenn ich über dich schreibe oder über deine Leistungen spreche, sehe ich nicht nur die Biografie eines Mannes oder flüchtige Ereignisse, sondern eine ganze Stadt, die lebt, Generationen, die Geduld und Zugehörigkeit lernen, und junge Gesichter, die Liebe und Initiative lernen. Deine Präsenz in Derik und an jedem Ort, an dem du gearbeitet hast, ist ein lebendiges Zeugnis dafür, dass die Verpflichtung zu Prinzipien und Werten kein Slogan, sondern ein Leben ist, das wir leben und Licht, das wir anderen weitergeben. Danke für jeden Moment, den du im Dienst deiner Gemeinschaft verbracht hast, und für jede Initiative, die du im Dienst der Menschen gestartet hast. Memora 360 ist stolz, Zeuge deiner Reise zu sein und dein Erbe für kommende Generationen zu bewahren.“


__________________________________________________


So endet die Biografie von Fahad Moussa, doch sie endet nicht im Sinne von Abschluss, sondern setzt sich in jedem Herzen fort, das Derik liebt und ihm verbunden ist. Jeder Schritt, jede Initiative war ein Grundstein für den Aufbau des Gedächtnisses und der Seele der Stadt. Das Leben von Fahad beweist, dass das Festhalten an Werten und Prinzipien, verbunden mit Liebe, Ausdauer und unermüdlicher Arbeit, ein dauerhaftes zivilisatorisches und soziales Erbe aufbauen kann. Es ist ein Zeugnis dafür, dass Authentizität nicht nur am Ort selbst liegt, sondern in denen, die dort leben und Spuren hinterlassen, mit Liebe und Hingabe. Fahad bleibt ein Symbol der Treue gegenüber Mensch und Heimat zugleich, ein Leuchtfeuer für die Werte, auf denen wir aufgewachsen sind, und zeigt, dass Arbeit, Initiative und Engagement für die Gemeinschaft Geschichte schaffen können, die nicht vergeht, und dass jede Generation diese Fackel tragen kann, um zivilisatorische und soziale Spuren in ihrer Stadt und Heimat zu hinterlassen.


#Derik #Fahad_Moussa #Memora360 #Personen_die_das_Gedächtnis_der_Nation_geschaffen_haben #syrische_Identität #Syrien #Kultur_und_Jugend #AlRafidain #SyrischOrthodoxe_Kirche

فهد شيعا : سيرة رجل صنع ذاكرة مدينة

 فهد شيعا : سيرة رجل صنع ذاكرة مدينة

إعداد : ميلاد كوركيس 

صاحب مشروع : Memora 360 - Arabic 

في شمال شرق سوريا تنبسط مدينة صغيرة في حجمها، واسعة في ذاكرتها، اسمها الأقدم والأعمق ديريك، الاسم الذي يسبق الزمن وتعبق فيه السريانية التي صاغت روح المكان قبل أن تعرف إداريًا باسم المالكية. ديريك ليست مجرد مدينة، إنها خيط طويل من الروائح القديمة ودفء البيوت الحجرية وصلوات الكنائس ووقع أقدام الأطفال في الأزقة الضيقة، إنها الحنين الذي لا يشيخ مهما تغيّر العالم من حوله.


في تلك الرقعة من التراب وُلدت شخصيات حملت بصمتها الخاصة، ومضت تكتب حضورها في صمت جميل، وكأن المدينة تُنبت أبناءها على مهل كما تُنبت الأشجار ظلها. ومن بين تلك الشخصيات يبرز فهد حنا موسى، فهد شيعا، المولود في ديريك عام 1963، الرجل الذي جمع بين العمل الاجتماعي والروح الرياضية والانتماء الكنسي والالتزام الوطني، حتى تشكلت سيرته على هيئة رحلة من العطاء المستمر لا تنقطع ولا تتوقف.

حين بدأت إعداد هذه المقابلة ضمن مشروع Memora 360، الذي كان يعرف سابقًا باسم "شخصيات صنعت ذاكرة الوطن"، كنت أعلم تمامًا أن اللقاء مع رجل مثل فهد شيعا لن يكون مجرد أسئلة وأجوبة، بل سردًا حيًا لمدينة كاملة، وأجيال كاملة، وذكريات تتحرك في أروقة كنائس ديريك وبيوتها وملاعبها وحدائقها ووجوه ناسها الذين صنعوا من البساطة تاريخًا ومن الحضور الهادئ تأثيرًا لا يزول. فهد شيعا ليس مجرد اسم، إنه امتداد زمن مضى لكنه لا يغيب، يظل حاضرًا مثل جرس كنيسة يدق في الجلجلة، فتحضر معه كل تفاصيل الحياة في تلك المدينة البعيدة الواضحة المليئة بروح أهلها.



ورغم معرفتي بالأستاذ فهد (أبو توماس) منذ صغري، فقد كان علي أن أستخدم قلمي بقدر كبير من الأمانة. ورغم معرفتي فيه منذ سنوات بعيدة، إلا أنني مجبر أن أتحدث عنه كما أتحدث عن باقي الشخصيات، ليصبح سرد سيرته أنموذجًا يليق بمدينة عظيمة مثل ديريك. شخصيًا رأيت فيه المناضل الثائر، المبهم الماهر الذي لا يكل ولا يمل في كل الميادين المتاحة، ليغني إرث مدينته، تاريخه، انتماؤه القومي، مسيحيته، ووطنه سوريا. شهادتي فيه مجروحة لكنها صادقة. وحين كتبت سابقًا عن والده الراحل الأستاذ حنا شيعا، كنت أبدأ سرد سيرة العائلة من كبارها، ليعرف القارئ أن الأشياء لا تأتي من العدم، وأن فهد هو ابن أبيه، ولو اختلفت الأزمنة وتبدلت الوجوه فالجوهر واحد والرسالة واحدة.



ينتمي فهد إلى جيل فهم أن الوطن هو أول الانتماءات، وأن العائلة هي أول المدارس، وأن الكنيسة هي أول مساحة روحية تمنح الإنسان القدرة على الوقوف في وجه الحياة بكل ما فيها من تبدلات وانكسارات وانتصارات صغيرة لا يراها أحد لكنها تبني شخصية الإنسان. نشأ في بيت يعرف معنى المسؤولية، بيت أراد للأبناء أن يكونوا امتدادًا للقيم لا مجرد استمرار أسماء. في سنوات الطفولة كانت ديريك بالنسبة إليه ملعبًا كبيرًا يختلط فيه الفرح بالدهشة، حيث كل شارع له حكاية وكل وجه له أثر. ومن تلك البدايات البسيطة نما داخله حس الانتماء لحارته وبيئته وكنيسته ومدينته، انتماء تجذر مع الزمن وتحوّل إلى أفعال ووجود وحضور.


فهد حنا موسى، ابن والده الأستاذ حنا شيعا ووالدته سارة صليبا، نشأ في أسرة بسيطة لكنها غنية بالقيم والمبادئ، مهتمة بالعلم والسياسة والرياضة والحس القومي. عاش تجربة وفاة والده وهو في سن السابعة، تجربة شكلت جزءًا من شخصيته المبكرة، لكنها لم تكسر حماسه أو حبه للحياة. تميزت طفولته بالذكريات الجميلة في المدرسة والحارة، مع الأصدقاء، وفي الرياضة، حيث كانت ديريك بالنسبة له ملعبًا كبيرًا يختلط فيه الفرح بالدهشة، وكان لكل شارع حكاية ولكل وجه أثر.


تعليمه ابتدأ في مدرسة رفعت الحاج سري الابتدائية، ثم استكمل الإعدادية والثانوية في مدرسة يوسف العظمة، حيث كانت العلاقة بين التلميذ والمعلم قائمة على الاحترام والتقدير. ساهمت والدته وجدّه توما صليبا في غرس قيم الصبر والصدق، إلى جانب شخصيات تربوية مؤثرة مثل الملفونو يعقوب حنا والأستاذ جرجس بهنان أبو حيان. ومع صعوبة الظروف المالية للعائلة، كان على فهد العمل الصيفي أثناء الدراسة الجامعية، لكن الأسرة كانت دومًا الداعم الرئيسي لتجاوز التحديات.



في سنواته المبكرة، بدأ فهد حياته العملية بالتدريس في مدرسة السريان، واهتم بشؤون الشباب، مؤسسًا فرقة نحاسية كشفية، وعمل في الرابطة الفلاحية كمحاسب وعضو مجلس الرابطة. كما ساهم في مؤسسات الكنيسة والشباب مثل مركز التربية الدينية، الأخوية، ونادي الرافدين الرياضي، حيث قام بتوجيه وإرشاد الشباب وصقل مواهبهم.



نادي الرافدين، الذي تأسس في الأربعينيات بجهود العم يوسف نعمان ورفاقه، كان رمزًا للرياضة والشباب في ديريك منذ بداياته، لكنه واجه صعوبات كبيرة مثل غياب ملعب ثابت، والقرار المشؤوم المتضمن إغلاق الأندية الأهلية، ما أدى إلى تشتت المواهب ووقف بعض الأنشطة الرياضية.



وفي عام 2004، تم إعادة الروح إلى النادي بمشاركة لاعبين كثر من مختلف الأعمار، وشهد مباريات ودية مع نادي الجزيرة، أولمبياد الرافدين، وأولمبياد تموز في إيران 2006 و2010، مسجلاً إنجازات رياضية واجتماعية مهمة، وأصبح منبرًا للشباب لتعزيز مهاراتهم الرياضية والاجتماعية.





عمل الأستاذ فهد شيعا على جمع معلومات موثوقة وحقيقية عن تاريخ وحقبة النادي والرياضة في ديريك، وجمعها في كتاب بعنوان "تاريخ نادي الرافدين والرياضة في ديريك"، موثقًا الإنجازات والمحطات المهمة منذ الأربعينيات وحتى عام 2012، لتكون هذه المعلومة جزءًا من إرث المدينة والذاكرة الرياضية للشباب.





ومازال نادي الرافدين موجودًا اليوم ضمن مدينة ديريك للأعمار الصغيرة، وهو حكاية عشق عاشها أجدادنا ويجددها الأبناء ويتغنى بها الأحفاد. ونتمنى من أصحاب الشأن دعمه لإعادة إحيائه بشكل كامل، ليعود رمزًا للشباب والطموح والرياضة، وحاملًا الاسم العظيم "بيث نهرين (ميزوبوتاميا)"، لما لهذه التسمية الغالية من مدلول تاريخي وقومي، يمثل رابطًا بين الأجيال ويغذي انتماءهم لهويتهم الثقافية والوطنية.


على الصعيد الثقافي واللغوي، كان لفهد دور بارز في تشكيل هيئة اللغة السريانية مع الملفونو يعقوب حنا والملفونو ميرزا حنا أبو آشور، وعضوية المجلس التشريعي في الجزيرة، وتأسيس مجمع اللغة السريانية في ديريك، مساهمةً في الحفاظ على التراث والهوية الثقافية.

مع بداية الأزمة السورية عام 2011، لعب فهد دورًا إنسانيًا بارزًا في الحفاظ على السلم الأهلي في ديريك، من خلال المشاركة في تأسيس الهيئة المسيحية، تنظيم لجان الحماية، إحصاء السكان، تأمين مستلزمات الحياة، وتنظيم ندوات حوارية لتعزيز التعايش بين مختلف المكونات، بالتعاون مع السيد الياس القس، ومشاركته في النقاشات مع حزب الاتحاد السرياني لإدارة الأزمة بحكمة. كل هذه الخطوات جسدت مبادئه في العمل الاجتماعي: حب الوطن، الالتزام بالكنيسة، الحفاظ على القومية بالتوازي، دون تقديس الأشخاص أو الأحزاب، مؤمنًا بأن المبادرة والحب أساس أي تقدم اجتماعي.


في 15 يونيو 2015 غادر سوريا إلى ألمانيا، حيث استقر هناك وواصل ارتباطه العميق بمدينته ديريك، حاملاً معه جذورها الثقافية والاجتماعية التي لم تفارقه يومًا. وفي المغترب أسهم في تأسيس جمعية أصدقاء الطالب في أوروبا، وهي مبادرة هدفها دعم طلاب ديريك علميًا واقتصاديًا، والتخفيف من أعبائهم، والاستمرار في غرس القيم والتوجيه الاجتماعي بينهم، تمامًا كما اعتاد أن يفعل في وطنه.


لقد اعتمد نجاحه في العمل الإداري على روح الجماعة والتخطيط السليم وتقييم النتائج والمتابعة المستمرة، وهي مبادئ راسخة شكّلت أساس تجربته الناجحة سواء داخل الوطن أو خارجه.


على الصعيد الشخصي، يشارك فهد في حياته زوجته فريال بطرس، التي كانت سندًا له في كل المراحل، شريكة في الحياة الأسرية، داعمة في النشاطات الاجتماعية، ورافعة لمبادراته التعليمية والرياضية والثقافية. معًا، شكّلوا أسرة تواكب القيم التي نشأ عليها، ويحرصان على غرسها في الأبناء، ليكونوا امتدادًا لهذه القيم في الأجيال القادمة، حاملين شعلة الوفاء والانتماء للمدينة والوطن.


اليوم، يعمل فهد على إعداد كتاب بعنوان "إضاءات من بلدتي ديريك"، لتوثيق الحياة الاجتماعية، العادات والتقاليد، وتأثير المعالم في وجدان المجتمع، بالإضافة إلى تاريخ نادي الرافدين، مستعرضًا الإنجازات الرياضية والاجتماعية للشباب، وتقديم هذه الملاحم الصغيرة التي شكّلت تاريخ المدينة، لتبقى محفوظة للأجيال القادمة، وتُسجل في ذاكرة المجتمع كما تُسجل على جدران الزمن.


ورغم كل هذه الرحلة الممتدة عبر سنوات من العمل، يظل فهد شيعا رمزًا للالتزام بالمبادئ: حب الوطن، الكنيسة، القومية، العمل التطوعي، خدمة المجتمع، وتأكيد الكرامة الفردية، مع التمسك بالحرية واحترام الآخرين، مؤمنًا بأن الحب والمبادرة هما أساس أي تقدم حضاري واجتماعي، وأن كل فعل صغير يصنع فرقًا، وكل مبادرة تنبض بالحياة في قلب المجتمع.


__________________________________________________


رسالة شخصية مني، ميلاد كوركيس، مشرف مشروع

 Memora 360 :



"عزيزي فهد، حين أكتب عنك أو أتحدث عن إنجازاتك، لا أرى مجرد سيرة رجل أو أحداثًا عابرة، بل أرى مدينة بأكملها تنبض بالحياة، أجيال تتعلم الصبر والانتماء، ووجوه شباب يتعلمون الحب والمبادرة. حضورك في ديريك، وفي كل مكان عملت فيه، هو شهادة حية على أن الالتزام بالمبادئ والقيم ليس شعارًا، بل حياة نعيشها ونور ننقله للآخرين. شكراً لك على كل لحظة بذلتها في خدمة مجتمعك، وعلى كل مبادرة وضعتها في خدمة الناس. مشروع Memora 360 - German فخور بأن يكون شاهداً على مسيرتك، وأن يحمل إرثك للأجيال القادمة."


__________________________________________________


وهكذا، تنتهي سيرة فهد شيعا، لكنها لا تنتهي بمعنى الانتهاء، بل تتواصل في كل قلب يحمل حب ديريك والانتماء لها. كل خطوة اتخذها، وكل مبادرة قام بها، كانت حجر أساس في بناء ذاكرة المدينة وروح مجتمعها. حياة فهد تثبت أن التمسك بالقيم والمبادئ، مع الحب والمثابرة والعمل الدؤوب، قادر على بناء إرث حضاري واجتماعي خالد. إنها شهادة على أن الأصالة ليست في المكان وحده، بل في من يعيش فيه ويترك أثره فيه بحب وإخلاص. ومن خلال هذه السيرة، يظل فهد رمزًا للوفاء للإنسان والوطن معًا، وأيقونةً للقيم التي تربينا عليها، مؤكدًا أن العمل، المبادرة، والالتزام بالمجتمع يمكن أن يصنعوا تاريخًا لا يموت، وأن كل جيل بإمكانه أن يحمل هذه الشعلة ويستمر في رسم معالم حضارية واجتماعية في قلب مدينته ووطنه.


#ديريك #فهد_شيعا #Memora360 #شخصيات_صنعت_ذاكرة_الوطن #الهوية_السريانية #سوريا #ثقافة_وشباب #الرافدين #الكنيسة_السريانية #mxr #milad_korkis #MiladKorkis



Thursday, November 13, 2025

سِيرَة حَيَاة الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو

 سِيرَة حَيَاة الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو

​بِشَهَادَةٍ زَوْجَتِهِ الخُورِيَّة مَارِين صَامُوئِيل


​إِعْدَاد : Milad Korkis 

صَاحِب مَشْرُوع : Memora 360 - Arabic



​فِي حَيَاة كُلِّ إِنْسَانٍ مُؤْمِنٍ، هُنَاكَ لَحْظَةٌ يَتَجَلَّى فِيهَا النُّور الْإِلَهِي فِي هَيْئَة بَشَرٍ. هَكَذَا كَانَ الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو، رَجُلُ اللهِ الْهَادِئُ الَّذِي عَاشَ الْإِيمَانَ سُلُوكًا وَتَوَاضُعًا وَخِدْمَةً، وَإِلَى جَانِبِهِ سَارَتْ الْخُورِيَّة مَارِين صَامُوئِيل، رَفِيقَةُ دَرْبِهِ الَّتِي لَمْ تَتْرُكْهُ يَوْمًا، تَشُدُّ أَزْرَهُ وَتُكْمِلُ رِسَالَتَهُ بِالْحُبِّ وَالصَّبْرِ وَالرَّجَاءِ. هِيَ حِكَايَةُ اثْنَيْنِ صَاغَا الْعُمْرَ صَلَاةً، وَتَوَّجَا الْحَيَاةَ بِالْعَطَاءِ.


​وُلِدَ الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو فِي مَدِينَة الْحَسَكَة بِتَارِيخِ 21/08/1949، وَنَشَأَ فِي كَنَفِ عَائِلَةٍ مُؤْمِنَةٍ مُتَوَاضِعَةٍ انْتَقَلَتْ لَاحِقًا إِلَى مَدِينَةِ الْمَالِكِيَّة طَلَبًا لِلرِّزْقِ وَالْعَمَلِ فِي الزِّرَاعَة. كَانَ أَحَدَ أَفْرَادِ عَائِلَةٍ كَبِيرَةٍ مُكَوَّنَةٍ مِنْ أَرْبَعَة صِبْيَانٍ وَثَلَاث فَتَيَاتٍ، وَتَرَبَّى وَسْطَ جَوٍّ عَائِلِيٍّ مَلِيءٍ بِالْمَحَبَّةِ وَالْإِيمَانِ، حَيْثُ رُسِّخَتْ فِيهِ الْقِيَمُ الرُّوحِيَّةُ مُنْذُ الصِّغَرِ، وَنَشَأَ عَلَى الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْمَحَبَّةِ لِلْآخَرِينَ. تَلَقَّى تَعْلِيمَهُ فِي مَدَارِس السِّرْيَانِ، فَأَتْقَنَ اللُّغَة السِّرْيَانِيَّة، وَأَظْهَرَ اهْتِمَامًا بَالِغًا بِالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ.


​بَعْدَ تَخَرُّجِهِ، بَدَأَ بِالتَّعْلِيمِ فِي مَدَارِس الْمَالِكِيَّة، حَيْثُ أَحَبَّهُ طُلَّابُهُ لِطِيبَتِهِ وَصَبْرِهِ، لَكِنَّ نِدَاءَ الْوَطَنِ اسْتَدْعَاهُ إِلَى الْخِدْمَة الْعَسْكَرِيَّة. الْتَحَقَ بِالْقُوَّاتِ الْمُسَلَّحَةِ وَخَدَمَ خَمْسَ سَنَوَاتٍ وَشَهْرَيْنِ وَنِصْفًا، مُشَارِكًا فِي حَرْبِ تَشْرِينَ التَّحْرِيرِيَّة عَامَ 1973. وَجَدَ نَفْسَهُ عَلَى جَبْهَة الْقِتَالِ، بِرُتْبَةِ رَقِيبٍ أَوَّلٍ، حَيْثُ اخْتَبَرَ الْإِيمَانَ بِأَشَدِّ صُوَرِهِ فِي قَلْبِ الْمَعْرَكَة ضِدَّ إِسْرَائِيلَ. كَانَ الرَّصَاصُ يَنْهَمِرُ كَالْمَطَرِ، وَالْأَرْضُ تَهْتَزُّ تَحْتَ وَقْعِ الْقَذَائِفِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِالْخَوْفِ، مُحْتَفِظًا بِسَلَامٍ دَاخِلِيٍّ لَا يَهُزُّهُ شَيْءٌ.


​خِلَالَ الْمَعَارِكِ، نَجَا مِنْ سُقُوطِ صَارُوخٍ بِجَانِبِ الْخَنْدَقِ الَّذِي كَانَ فِيهِ، لَكِنَّهُ أُصِيبَ بِأَضْرَارٍ فِي أُذُنِهِ الْيُسْرَى، كَمَا فَقَدَ إِصْبَعًا مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى الَّذِي كَانَ يُوضَعُ فِيهِ الْخَاتَمُ، وَهُوَ حَادِثٌ تَرَكَ أَثَرًا نَفْسِيًّا وَجَسَدِيًّا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَثْنِهِ عَنِ الْإِيمَانِ أَوِ الشَّجَاعَةِ. وَكَانَ يَحْمِلُ مَعَهُ الْإِنْجِيلَ وَالْمَزْمُورَ 91، مُسْتَمِدًّا مِنْهُمَا الْقُوَّةَ وَالسَّلَامَ الدَّاخِلِيَّ، وَقَرَأَهُمَا هَمْسًا وَهُوَ يَعْبُرُ حَقْلَ الْأَلْغَامِ مَعَ فِرْقَتِهِ، حَتَّى اجْتَازَتْهُ بِأَمَانٍ وَاعْتَبَرَ ذَلِكَ حِمَايَةً إِلَهِيَّةً رَافَقَتْهُ طَوَالَ حَيَاتِهِ. بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَرْبِ، عَادَ إِلَى التَّعْلِيمِ أَكْثَرَ عُمْقًا وَإِيمَانًا بِالْحَيَاةِ، لِيُصْبِحَ مُوَجِّهًا تَرْبَوِيًّا ثُمَّ أَمِينَ سِرٍّ، ثُمَّ أُسْتَاذَ دِيَانَةٍ مَسِيحِيَّةٍ فِي الثَّانَوِيَّةِ، وَكَانَ لِطُلَّابِهِ أَبًا وَصَدِيقًا وَمُعَلِّمًا رُوحِيًّا، حَيْثُ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ حِصَصَهُ بِشَغَفٍ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ دُرُوسٍ، بَلْ لِقَاءَاتٍ مَعَ الْفِكْرِ وَالضَّمِيرِ.


​أَمَّا الْخُورِيَّة مَارِين صَامُوئِيل، فَقَدْ وُلِدَتْ أَيْضًا فِي مَدِينَة الْحَسَكَة، وَسْطَ عَائِلَةٍ كَبِيرَةٍ تَضُمُّ أَرْبَعَة صِبْيَانٍ وَثَلَاث فَتَيَاتٍ، فِي بَيْتٍ مَلِيءٍ بِالْمَحَبَّةِ وَالْإِيمَانِ. كَانَ وَالِدُهَا رَجُلًا عَطُوفًا، وَوَالِدَتُهَا مِثَالًا فِي الْحِكْمَةِ وَالْحَنَانِ. مُنْذُ طُفُولَتِهَا، كَانَتْ تَتَوَجَّهُ كُلَّ يَوْمِ أَحَدٍ إِلَى الْكَنِيسَة بِرِفْقَةِ عَائِلَتِهَا، تَتَعَلَّمُ الصَّلَاةَ وَالتَّرَاتِيلَ، وَتَعِيشُ حَيَاةً بَسِيطَةً هَادِئَةً يَغْمُرُهَا الْإِيمَانُ.


​دَرَسَتْ فِي مَدَارِس الرَّاهِبَاتِ، فَتَمَيَّزَتْ بِالْجِدِّ وَالْالْتِزَامِ، ثُمَّ الْتَحَقَتْ بـ مَعْهَدِ إِعْدَادِ الْمُعَلِّمِينَ فِي الْقَامِشْلِي وَتَخَرَّجَتْ عَامَ 1976. بَدَأَتْ مَسِيرَتُهَا الْعَمَلِيَّةُ فِي مَدْرَسَة الشَّهِيدِ خِضْر دَاوُود، ثُمَّ انْتَقَلَتْ إِلَى مَدْرَسَة الشَّهِيدِ نَاظِم الطَّبَقْجَلِي، وَبَعْدَهَا أَصْبَحَتْ مُعَاوِنَةَ أَمِينَةِ مَكْتَبَةٍ فِي ثَانَوِيَّة الطَّلِيعَة. ثُمَّ عُيِّنَتْ فِي مَدِينَة الْحَسَكَة لِتُدَرِّسَ مَادَّة الدِّيَانَةِ الْمَسِيحِيَّة فِي إِعْدَادِيَّة لِلْبَنَاتِ، حَيْثُ عُرِفَتْ بِإِخْلَاصِهَا وَأُسْلُوبِهَا التَّرْبَوِيِّ الْهَادِئِ. لَاحِقًا، وَبَعْدَ أَنْ رُسِمَ زَوْجُهَا كَاهِنًا، عَادَتْ إِلَى الْمَالِكِيَّة وَعَمِلَتْ أَمِينَةَ مَكْتَبَةٍ فِي ثَانَوِيَّة الْفُنُونِ حَتَّى تَقَاعُدِهَا. كَانَتْ تُحِبُّ مِهْنَتَهَا بِصِدْقٍ، وَتَقُولُ دَائِمًا: "بَيْنَ رُفُوفِ الْكُتُبِ كَانَتْ حَيَاتِي، أَقْرَأُ وَأَتَعَلَّمُ وَأَرَى فِي كُلِّ تِلْمِيذٍ صُورَةً مِنْ أَبْنَاءِ الرَّعِيَّة الَّذِينَ أَحَبَّهُمُ اللهُ."


​فِي عَامِ 1977، تَزَوَّجَتْ مِنَ ابْنِ عَمِّهَا أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو، بَعْدَ عِلَاقَةِ خُطُوبَةٍ امْتَدَّتْ سَنَةً وَنِصْفًا. تَقُولُ: "لَمْ يَجْذُبْنِي الْمَالُ وَلَا الْمَظَاهِرُ، بَلْ هُدُوؤُهُ وَثِقَتُهُ وَحُضُورُهُ النَّبِيلُ." وَبَعْدَ الزَّوَاجِ، رَزَقَهُمَا اللهُ بِثَلَاثَةِ أَبْنَاءٍ: رَابِي، تُودِي، وَأَكَادَ، وَكَانُوا زِينَتَهُمْ وَفَرَحَهُمُ الْأَكْبَرَ. انْتَقَلُوا لِلْعَيْشِ فِي الْحَسَكَة فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ، حَيْثُ عَمِلَ الْأَب أَفْرَام إِلَى جَانِبِ التَّعْلِيمِ كَمُحَاسِبٍ فِي مَكْتَبَةٍ، ثُمَّ افْتَتَحَ مَحَلًّا خَاصًّا بِهِ. هُنَاكَ، نَضَجَتْ فِي دَاخِلِهِ دَعْوَةُ الْكَهَنُوتِ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ، حَتَّى جَاءَهُ النِّدَاءُ رَسْمِيًّا مِنَ الْمَجْلِسِ الْمِلِّيِّ لِمَدِينَةِ الْمَالِكِيَّة، وَبِبَرَكَةِ صَاحِبِ النِّيَافَةِ مَار أُوسْتَاثِيُوس مَتَّى رُوهُم، لِيُرْسَمَ كَاهِنًا.


​تَرْوِي الْخُورِيَّة مَارِين أَنَّهَا فِي الْبِدَايَةِ رَفَضَتْ، لَكِنَّهَا رَضَخَتْ لَاحِقًا لِإِصْرَارِهِ، وَعَادُوا إِلَى مَدِينَةِ الْمَالِكِيَّة لِمُتَابَعَةِ حَيَاتِهِ الْكَهَنُوتِيَّةِ. سَاعَدَهُ اطِّلَاعُهُ وَمَعْرِفَتُهُ بِاللُّغَة السِّرْيَانِيَّة، إِضَافَةً إِلَى تَعْلِيمِ صَاحِبِ النِّيَافَةِ لَهُ الْأَلْحَانَ السِّرْيَانِيَّة حَتَّى أَتْقَنَهَا، وَقَدَّمَتْ الْخُورِيَّة شُكْرَهَا الدَّائِمَ لِصَاحِبِ النِّيَافَةِ عَلَى دَوْرِهِ الْأَبَوِيِّ فِي إِعْدَادِ زَوْجِهَا لِلْخِدْمَةِ الْكَهَنُوتِيَّةِ.


​كَانَ يَوْمُ رِسَامَتِهِ الْكَهَنُوتِيَّةِ مُنَاسَبَةً احْتِفَالِيَّةً كُبْرَى، حَضَرَهَا الْكَثِيرُونَ مِنَ الْحَسَكَة وَالْقَامِشْلِي وَالْمَالِكِيَّة. بَدَأَ الْأَب أَفْرَام جَوْلَتَهُ الرَّسُولِيَّةَ بِزِيَارَةِ جَمِيعِ أَبْنَاءِ الْمَدِينَةِ مِنْ مُخْتَلِفِ الطَّوَائِفِ، وَحَتَّى الَّذِينَ رَفَضُوا زِيَارَتَهُ، فَبِمَحَبَّتِهِ وَتَوَاضُعِهِ كَسَبَ قُلُوبَهُمْ. خَدَمَهُمْ مِنْ قَلْبِهِ، عَلَّمَهُمْ، سَاعَدَهُمْ، وَنَظَّمَ السَّهَرَاتِ الرُّوحِيَّة، مُرَدِّدًا دَوْمًا آيَةَ الْمَزْمُورِ الَّتِي أَحَبَّهَا:


​"لِأَنَّ غَيْرَةَ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي، وَتَعْيِيرَاتِ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ."

(مَز 69 : 9)


​تَمَيَّزَ الْأَب أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو بِخِدْمَتِهِ الْحَيَّةِ وَالدَّافِئَةِ، إِذْ كَانَ يُؤْمِنُ بِأَنَّ الْكَنِيسَةَ هِيَ بَيْتُ الْفَرَحِ وَالْإِيمَانِ، وَمَكَانُ اللِّقَاءِ بَيْنَ الْأَجْيَالِ. لِذَلِكَ أَطْلَقَ مُبَادَرَاتٍ عَدِيدَةً لِإِحْيَاءِ الرِّيسِيتَالَاتِ وَالسَّهَرَاتِ الرُّوحِيَّةِ الَّتِي جَمَعَتْ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالتَّرْتِيلِ وَالْمَسْرَحِ الرُّوحِيِّ، لِتَكُونَ وَسِيلَةً فَعَّالَةً فِي جَذْبِ الشَّبَابِ وَتَشْجِيعِهِمْ عَلَى الْمُشَارَكَةِ فِي حَيَاةِ الْكَنِيسَةِ.


​كَانَ يَخْتَارُ الْمَوَاضِيعَ بِعِنَايَةٍ لِتُلَامِسَ وَاقِعَ النَّاسِ وَتَغْرِسَ فِيهِمُ الرَّجَاءَ، وَيَمْنَحُ الشَّبَابَ مِسَاحَةً لِلتَّعْبِيرِ عَنْ إِيمَانِهِمْ بِطُرُقٍ فَنِّيَّةٍ رَاقِيَةٍ تُعَبِّرُ عَنْ عُمْقِ الرُّوحِ السِّرْيَانِيَّةِ وَجَمَالِهَا. وَمِنْ خِلَالِ هَذِهِ النَّشَاطَاتِ، بَرَزَتْ أَصْوَاتٌ شَبَابِيَّةٌ جَمِيلَةٌ مِثْلُ الْفَنَّانِ سَرْكُون كُورُو وَالْفَنَّانِ عَزِيز آدَمَ، اللَّذَيْنِ قَدَّمَا تَرَاتِيلَ مُمَيَّزَةً تَرَكَتْ أَثَرًا عَمِيقًا فِي نُفُوسِ الْحَاضِرِينَ.


​كَانَتْ تِلْكَ الْأُمْسِيَّاتُ تُقَامُ فِي أَجْوَاءٍ مَفْعَمَةٍ بِالْمَحَبَّةِ وَالْوَحْدَةِ، وَغَالِبًا مَا تُخْتَتَمُ بِالصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِهَا، فَتَحَوَّلَتْ مَعَ مُرُورِ الْوَقْتِ إِلَى رَابِطٍ رُوحِيٍّ وَاجْتِمَاعِيٍّ قَوِيٍّ بَيْنَ أَبْنَاءِ الرَّعِيَّة مِنْ مُخْتَلِفِ الْأَعْمَارِ، يَجْمَعُهُمُ الْفَرَحُ بِالْإِيمَانِ وَحُبِّ الْكَنِيسَةِ.

​وَبِفَضْلِ نَشَاطِهِ وَحِكْمَتِهِ وَطِيبِ مَحَبَّتِهِ، تَمَكَّنَ الْأَب أَفْرَام مِنْ إِعَادَةِ الْعَدِيدِ مِنَ الشَّبَابِ الَّذِينَ كَانُوا قَدِ ابْتَعَدُوا أَوْ تَوَجَّهُوا إِلَى الْكَنِيسَةِ الْإِنْجِيلِيَّةِ (كَنِيسَة الْإِخْوَة)، فَعَادُوا إِلَى أَحْضَانِ كَنِيسَتِهِمْ الْأُمِّ مِنْ خِلَالِ بَرَامِجِهِ الرُّوحِيَّةِ وَالْفَنِّيَّةِ الَّتِي أَعَادَتْ إِلَيْهِمُ الِانْتِمَاءَ وَالْفَرَحَ بِالْإِيمَانِ، فَكَانَتْ خِدْمَتُهُ جِسْرًا بَيْنَ الْأَجْيَالِ وَمَصْدَرَ وَحْدَةٍ رُوحِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ فِي مَدِينَةِ الْمَالِكِيَّة.


​كَمَا تَحَدَّثَتْ الْخُورِيَّة مَارِين عَنْ مَوَاقِفِهِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْعَمِيقَةِ، مُسْتَذْكِرَةً حَادِثَةً وَقَعَتْ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، حَوَالَيْ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ صَبَاحًا، حِينَ طَرَقَ بَابَهُمْ شَخْصَانِ جَاءَا مِنَ لُبْنَانَ طَلَبًا لِمُسَاعَدَةٍ عَاجِلَةٍ لِإِجْرَاءِ عَمَلِيَّةٍ جِرَاحِيَّةٍ حَرِجَةٍ. رَغْمَ خَشْيَتِهِمَا وَطَبِيعَةِ الْوَقْتِ الْمُتَأَخِّرِ، لَمْ يَتَرَدَّدْ الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو فِي تَقْدِيمِ مَبْلَغِ ثَلَاثِينَ أَلْفَ لِيرَةٍ لِمُسَاعَدَتِهِمَا، بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ لَهُمَا الشَّايَ أَوَّلًا. وَقَدْ أَعْرَبَتْ الْخُورِيَّة مَارِين عَنْ خَوْفِهَا وَسَأَلَتْ زَوْجَهَا كَيْفَ يُمْكِنُهُ مَنْحُ هَذَا الْمَبْلَغِ لِشَخْصَيْنِ لَا يَعْرِفُهُمَا، فَأَجَابَهَا بِبَسَاطَةٍ وَعُمْقٍ:

​"لَوْ لَمْ يَكُونُوا بِحَاجَةٍ لَمَا أَتَوْا إِلَيَّ بِهَذِهِ السَّاعَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ."


​خِلَالَ فَتْرَةِ إِقَامَتِهَا فِي مَدِينَةِ الْمَالِكِيَّة، انْضَمَّتْ إِلَى لَجْنَةِ السَّيِّدَاتِ لِدَعْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمُحْتَاجِينَ، وَعَمِلَتْ مَعَهُنَّ مُدَّةَ 11 سَنَةً مُتَوَاصِلَةً. كَانَتْ تِلْكَ مِنْ أَجْمَلِ وَأَعْمَقِ مَرَاحِلِ حَيَاتِهَا، كَمَا تَقُولُ: "تَعَلَّمْتُ مِنَ الْفَقْرِ أَكْثَرَ مِمَّا تَعَلَّمْتُ مِنَ الْكُتُبِ." كُنَّا نَزُورُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ عَائِلَةً فِي الْأَعْيَادِ، نَحْمِلُ لَهُمُ الْمُسَاعَدَاتِ الْمَالِيَّةَ وَالْمَلَابِسَ، وَنَطْمَئِنُّ عَلَى الْمَرْضَى، وَنَسْعَى لِتَأْمِينِ بِطَاقَاتِ مُعَايَنَةٍ مَجَّانِيَّةٍ مِنْ أَطِبَّاءَ مُحِبِّينَ لِلْخَيْرِ، مِثْلِ الدُّكْتُورِ آشُور وَالدُّكْتُورِ مَلْكِي وَغَيْرِهِمْ.


​وَكَانَ رَيْعُ نَشَاطَاتِ اللَّجْنَةِ يَأْتِي مِنَ الرِّحْلَاتِ وَالْحَفَلَاتِ الْخَيْرِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تُقِيمُهَا سَيِّدَاتُ الطَّائِفَةِ. كَانَتْ مَارِين تَرَى فِي كُلِّ عَمَلٍ خَيْرٍ رِسَالَةً رُوحِيَّةً أَكْثَرَ مِنْ وَاجِبٍ اجْتِمَاعِيٍّ، فَالْمَحَبَّةُ عِنْدَهَا فِعْلُ حَيَاةٍ لَا قَوْلٌ.


​فِي عَامِ 2011، سَافَرَتْ مَعَهُ إِلَى السُّوَيْدِ لِحُضُورِ زِفَافِ ابْنِهِمَا رَابِي. وَبَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُنَاسَبَةِ بَقِيَتْ هِيَ هُنَاكَ مَعَ أَوْلَادِهِمَا، بَيْنَمَا عَادَ هُوَ إِلَى كَنِيسَتِهِ فِي الْمَالِكِيَّة لِيُكْمِلَ خِدْمَتَهُ. خِلَالَ وُجُودِهِمَا فِي السُّوَيْدِ، وَاصَلَ التَّوَاصُلَ الْيَوْمِيَّ، وَكَانَتْ كَلِمَاتُهُ دَائِمًا مَلِيئَةً بِالْحَنِينِ لِلرَّعِيَّةِ وَالنَّاسِ وَالْكَنِيسَةِ الَّتِي أَحَبَّهَا أَكْثَرَ مِنْ نَفْسِهِ. وَخِلَالَ خِدْمَتِهِ هُنَاكَ، طَلَبَهُ الْمُؤْمِنُونَ فِي مَدِينَةِ فِيِسْتِرُوس السُّوَيْدِيَّة، حَيْثُ أَحَبَّ النَّاسُ وَعْظَهُ وَامْتَلَأَتْ الْكَنِيسَةُ بِالْمُصَلِّينَ. لَاحَظَ الْمُطْرَانُ عَبْدُ الْأَحَدِ شَابُو، مُطْرَانُ السُّوَيْدِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَثَرَ خِدْمَتِهِ، فَتَمَّتْ رِسَامَتُهُ بِدَرَجَةٍ كَهَنُوتِيَّةٍ جَدِيدَةٍ "أَب خُورِي"، فِي تِذْكَار الْقِدِّيسِ مَار أَفْرَام السِّرْيَانِيِّ الَّذِي صَادَفَ الذِّكْرَى 25 لِرِسَامَتِهِ كَاهِنًا. كَانَ يَخْدُمُ أَيْضًا فِي يُنْشُوبِينْك وَ أُورِبْرُو وَ إِسْكِلِسْتُونَا، يُقِيمُ الْقَدَادِيسَ مَتَى مَا احْتَاجَتْ الرَّعِيَّة، وَيَقُولُ دَائِمًا: "الْكَاهِنُ لَا يَخْتَارُ مَكَانَهُ، بَلْ يَخْدُمُ حَيْثُ يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ."


​لَكِنَّ الْحَيَاةَ، رَغْمَ جَمَالِهَا، لَا تَخْلُو مِنْ صَلِيبِهَا. أُصِيبَتْ الْخُورِيَّة مَارِين بِمَرَضِ الْعُضَالِ. حِينَ عَلِمَ بِذَلِكَ، تَرَكَ كُلَّ شَيْءٍ لِيَقِفَ بِجَانِبِهَا. كَانَتْ تَرَى فِيهِ صُورَةَ الْمَسِيحِ الْحَنُونِ الَّذِي يُوَاسِي الْمَرْضَى. خَفَّفَ عَنْهَا الْأَلَمَ، صَلَّى لِأَجْلِهَا، وَكَانَ يُرَدِّدُ: "كُلُّ أَلَمٍ يُشْفَى بِالْمَحَبَّةِ." وُجُودُ أَبْنَائِهِمَا حَوْلَهُمَا خَفَّفَ عَلَيْهِمَا وَطْأَة الْغُرْبَة قَلِيلًا، لَكِنَّهُ كَانَ دَائِمَ الْحُزْنِ لِابْتِعَادِهِ عَنْ كَنِيسَتِهِ. كَانَ يَقُولُ: "أَصْعَبُ شَيْءٍ عَلَيَّ أَنْ لَا أَكُونَ بَيْنَ شَعْبِي."


​وَبَعْدَ فَتْرَةٍ، ابْتَلَاهُ اللهُ هُوَ الْآخَرُ بِمَرَضٍ عُضَالٍ. أُدْخِلَ الْمَشْفَى لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَتْ تِلْكَ أَصْعَبَ أَيَّامِ حَيَاتِهِمْ. وَمَعَ ذَلِكَ، لَمْ يَتَأَفَّفْ، لَمْ يَشْتَكِ، بَلْ ظَلَّ قَوِيًّا، مُبْتَسِمًا، يَقُولُ دَائِمًا:


​"اتِّكَالِي عَلَى اللهِ."


​حَتَّى الطَّبِيبُ الْمُشْرِفُ سَأَلَهُ بِدَهْشَةٍ: "كَيْفَ لَازِلْتَ حَيًّا يَا أَبُونَا؟" فَأَجَابَ بِابْتِسَامَةٍ رَقِيقَةٍ: "لِأَنَّ اللهَ مَا زَالَ يُرِيدُنِي هُنَا."


​قَبْلَ رُقَادِهِ، زَارَهُ صَاحِبُ النِّيَافَةِ مَار يُوحَنَّا لَحْدُو بِصُحْبَةِ الْخُورِيِّ جُورْج، وَصَلَّوْا صَلَاةَ شِفَاءِ الْمَرْضَى، وَمَسَحَهُ بِالزَّيْتِ الْمُقَدَّسِ، وَقَالَ لَهُ الْمُطْرَانُ مُمَازِحًا: "عَرَفْتَنِي يَا أَبُونَا؟" فَضَحِكَ الْأَب أَفْرَام كَعَادَتِهِ، بِرُوحِهِ الطَّيِّبَةِ حَتَّى اللَّحْظَةِ الْأَخِيرَةِ. سَأَلَهُ الطَّبِيبُ عَنْ وَصِيَّتِهِ وَمَكَانِ دَفْنِهِ، فَقَالَ بِكُلِّ تَوَاضُعٍ:


​"أُرِيدُ أَنْ أُدْفَنَ فِي مَقْبَرَةِ الْغُرَبَاءِ، لَا فِي مَقْبَرَةِ الْكَهَنَةِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي النِّهَايَةِ تَحْتَ التُّرَابِ، مِثْلَ مُعَلِّمِي مَار أَفْرَام السِّرْيَانِيِّ."


​ثُمَّ أَوْصَى أَبْنَاءَهُ قَائِلًا:


​"افْعَلُوا مَا تَشَاءُونَ، لَكِنْ قَبْلَ أَيِّ شَيْءٍ، تَذَكَّرُوا أَنَّكُمْ أَبْنَاءُ عَائِلَةٍ طَيِّبَةٍ وَعَرِيقَةٍ. أَحِبُّوا بَعْضَكُمْ بَعْضًا، وَلَوْ تَخَاصَمْتُمْ لَا بَأْسَ، الْمُهِمُّ أَنْ تَبْقَى الْمَحَبَّةُ. وَلَا تَتْرُكُوا وَالِدَتَكُمْ، فَهِيَ أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِكُمْ."


​بَعْدَ رُقَادِهِ، غَصَّتْ الْكَنِيسَةُ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَاسْتَمَرَّتْ التَّعَازِي 3 أَيَّامٍ مُتَوَاصِلَةً. لَمْ تَبْكِهِ الرَّعِيَّةُ حُزْنًا فَقَطْ، بَلْ امْتِنَانًا، لِأَنَّهُمْ فَقَدُوا أَبًا رُوحِيًّا نَذَرَ نَفْسَهُ لِخِدْمَتِهِمْ. شَكَرَتْ الْخُورِيَّةُ صَاحِبَ النِّيَافَةِ مَار يُوحَنَّا لَحْدُو وَمَجْلِسَ كَنِيسَةِ إِسْكِلِسْتُونَا عَلَى رِعَايَتِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ، وَاحْتَضَنَ الْجَمِيعُ الْعَائِلَةَ بِحَنَانٍ يَلِيقُ بِخَادِمٍ رَحَلَ عَنْهُمْ جَسَدًا وَبَقِيَ رُوحًا.


​الْيَوْمَ، تَقُولُ الْخُورِيَّة مَارِين بِصَوْتٍ مَمْلُوءٍ حَنِينًا: "فَقَدْتُهُ زَوْجًا وَأَبًا وَرَفِيقًا، لَكِنِّي لَمْ أَفْقِدِ الْإِيمَانَ. أَعِيشُ بِالذِّكْرَى وَالصَّلَاةِ. كُلَّ يَوْمِ أَحَدٍ أَذْهَبُ إِلَى الْكَنِيسَةِ، أَجْلِسُ فِي الْمَقَاعِدِ الْخَلْفِيَّةِ، وَأَشْعُرُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ هُنَاكَ، يَبْتَسِمُ لِي مِنَ الْمَذْبَحِ." تَخْتِمُ حَدِيثَهَا قَائِلَةً: "عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ أَنْ تَحْتَضِنَ زَوْجَهَا وَتَمْنَحَهُ الِاسْتِقْرَارَ وَالْهُدُوءَ، فَالْعَائِلَةُ لَا تُبْنَى إِلَّا بِالْمَحَبَّةِ وَالتَّفَاهُمِ. وَمَا أَجْمَلَ أَنْ تَكُونَ الْمَحَبَّةُ صَلَاةً تُعَاشُ لَا تُقَالُ."


​وَهَكَذَا، تَبْقَى سِيرَةُ الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو نُورًا لَا يَنْطَفِئُ، وَذِكْرَى تَعْبَقُ بِالْإِيمَانِ وَالْعَطَاءِ، وَرَفِيقَةُ دَرْبِهِ الْخُورِيَّة مَارِين صَامُوئِيل شَاهِدَةً عَلَى حَيَاةٍ عَاشَاهَا فِي خِدْمَةِ اللهِ وَالْإِنْسَانِ، لِيَبْقَى اسْمَاهُمَا مَحْفُورَيْنِ فِي ذَاكِرَةِ الْكَنِيسَةِ وَالْقُلُوبِ.


​✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️


​رَسَائِلُ مَحَبَّةٍ وَوَفَاءٍ فِي ذِكْرَى الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو

​فِي حَيَاةِ الْكَنِيسَةِ، تَبْقَى الذِّكْرَيَاتُ أَكْثَرَ مِنْ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، فَهِيَ صَلَوَاتٌ تُكْتَبُ بِالْحَنِينِ وَوَفَاءٌ يُرْوَى عَلَى صَفَحَاتِ الْقَلْبِ.

هَكَذَا تَجَمَّعَتْ هَذِهِ الرَّسَائِلُ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ عَرَفُوا الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو عَنْ قُرْبٍ، رُفَقَاءِ الْمَذْبَحِ وَالْكَلِمَةِ، لِيَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهَا صَدًى رُوحِيٌّ وَعَاطِفِيٌّ يُضِيءُ ذِكْرَاهُ.


​✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️


​رِسَالَةُ صَاحِبِ النِّيَافَةِ

​مَار أُوسْتَاثِيُوس مَتَّى رُوهُم

​مُطْرَان الْجَزِيرَةِ وَالْفُرَاتِ


​فِيمَا يَسْتَعِدُّ النَّاشِطُ السِّرْيَانِيُّ الْحَاذِقُ الْأُسْتَاذُ مِيلَاد كُورْكِيس لِنَشْرِ سِيرَةِ الْمَرْحُومِ الْخُورِيِّ أَفْرَام جِلُّو، يَسْعَدُنِي أَنْ أُلَبِّيَ دَعْوَتَهُ بِكِتَابَةِ هَذِهِ الْأَسْطُرِ بِحَقِّ الرَّاحِلِ الْفَاضِلِ الْخُورِيِّ أَفْرَام جِلُّو.


​كَانَتْ الْمَالِكِيَّةُ بِحَاجَةٍ إِلَى كَاهِنٍ يُدَبِّرُ شُؤُونَ كَنِيسَةِ مَار دُودُو بَعْدَ أَنْ أُنْجِزَ بِنَاؤُهَا. فَرُشِّحَ الْمَجْلِسُ الْمِلِّيُّ الْمُعَلِّمَ أَفْرَام جِلُّو، أَخَا الدُّكْتُورِ يَعْقُوب جِلُّو، لِيَكُونَ كَاهِنًا. كَانَتْ مَعْرِفَتِي بِالدُّكْتُورِ يَعْقُوب جَيِّدَةً، وَلَكِنْ لَمْ أَعْرِفْ مِنْ قَبْلُ أَخَاهُ أَفْرَامَ الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُ فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ فِي مَدَارِسِ مَدِينَةِ الْحَسَكَة. فَطَلَبْتُ أَنْ يَأْتُونِي بِهِ لِلتَّعَرُّفِ عَلَيْهِ وَلِفَحْصِ مَعْلُومَاتِهِ الدِّينِيَّةِ وَالسِّرْيَانِيَّةِ.


​وَلَمَّا قَابَلْتُهُ سُرِرْتُ بِانْدِفَاعِهِ نَحْوَ الْخِدْمَةِ، وَبِحُضُورِهِ الشَّخْصِيِّ، وَثَقَافَتِهِ الْأَدَبِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ. وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنَ اللُّغَةِ السِّرْيَانِيَّةِ، وَلَا مِنْ طَقْسِ الْكَنِيسَةِ. وَلِئَلَّا تَخْسَرَ الْمَالِكِيَّةُ شَخْصًا لَهُ الْمُؤَهِّلَاتُ الْأَخْلَاقِيَّةُ وَالْأَدَبِيَّةُ لِيَكُونَ كَاهِنًا، رَأَيْتُ أَنْ أُرْسِلَهُ إِلَى دَيْرِ مَار كَبْرِئِيلَ فِي طُورْ عَبْدِينِ تُرْكِيَا لِيَتَعَلَّمَ طُقُوسَ الصَّلَوَاتِ وَالْخَدَمَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالْأَلْحَانِ الْكَنَسِيَّةِ.


​وَبِتَوْصِيَةٍ مِنِّي اسْتَقْبَلَ نِيَافَةُ مَار طِيمُوثَاوُس صَمُوئِيل أَقْطَاش الْمُعَلِّمَ أَفْرَام جِلُّو فِي دَيْرِ مَار كَبْرِئِيلَ، وَأَخْضَعَهُ لِدُرُوسٍ مُكَثَّفَةٍ مُدَّةَ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ إِلَى أَنْ تَمَكَّنَ الْمُعَلِّمُ أَفْرَام مِنْ أَنْ يُقِيمَ الْقُدَّاسَ وَبَقِيَّةَ الصَّلَوَاتِ وَالْخَدَمَاتِ الدِّينِيَّةِ. وَلَمَّا عَادَ إِلَى الْحَسَكَة، عَيَّنْتُ يَوْمًا لِرِسَامَتِهِ فِي كَنِيسَةِ مَار دُودُو فِي الْمَالِكِيَّة، فَذَهَبْتُ إِلَيْهَا وَرَسَمْتُهُ قِسِّيسًا فِي حَفْلٍ رُوحِيٍّ وَشَعْبِيٍّ.


​كَانَ الْأَب أَفْرَام جِلُّو حَرِيصًا عَلَى سُمْعَتِهِ الرُّوحِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ. إِنْ تَكَلَّمَ، اخْتَارَ عِبَارَتَهُ وَأَفْكَارَهُ بِدِقَّةٍ. وَإِنْ وَعَظَ، أَرْشَدَ بِلُطْفٍ مَنْ يَسْمَعُهُ. لَمْ يَتَوَانَ عَنْ حُضُورِ الصَّلَوَاتِ الْيَوْمِيَّةِ فِي أَوْقَاتِهَا. وَكَانَ قَدْ كَرَّسَ يَوْمًا فِي الْأُسْبُوعِ لِإِقَامَةِ سَهْرَةٍ رُوحِيَّةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ تَتَضَمَّنُ الْوَعْظَ الْإِنْجِيلِيَّ وَالْأَنَاشِيدَ الدِّينِيَّةَ.


​وَفِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، اعْتَرَضَ الْبَعْضُ عَلَى هَذِهِ السَّهْرَةِ الرُّوحِيَّةِ أَمَامِي، وَطَلَبُوا مِنِّي أَنْ أُوقِفَهَا. وَلَكِنِّي انْدَهَشْتُ لِطَلَبٍ ضَعِيفٍ كَهَذَا، فَقُلْتُ: عِوَضَ أَنْ تُشَجِّعُوا الْكَاهِنَ عَلَى هَذَا النَّشَاطِ الرُّوحِيِّ الْمُمْتَازِ، تَطْلُبُونَ أَنْ أُوقِفَ كَلَامَ اللهِ الَّذِي يُلْقَى بِلِسَانِهِ عَلَى مَسَامِعِ الْمُؤْمِنِينَ؟! أَثْنَيْتُ عَلَيْهِ وَطَلَبْتُ مِنْهُ الِاسْتِمْرَارَ بِالسَّهْرَةِ الرُّوحِيَّةِ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ رُوحِيٍّ لِفَائِدَةِ الْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا.


​وَبَعْدَ نُشُوبِ الْحَرْبِ الْأَهْلِيَّةِ فِي سُورِيَا، انْتَقَلَ الْأَب أَفْرَام جِلُّو إِلَى السُّوَيْدِ حَيْثُ اسْتَقَرَّ فِيهَا. وَرُسِمَ خُورِيًّا هُنَاكَ تَكْرِيمًا لِخِدْمَتِهِ الطَّوِيلَةِ فِي الْكَهَنُوتِ الْمُقَدَّسِ. وَفِي السُّوَيْدِ وَافَتْهُ الْمَنِيَّةُ بَعْدَ أَنْ خَدَمَ الْمَذْبَحَ الْمُقَدَّسَ لِمُدَّةِ ثَلَاثَةِ عُقُودٍ مِنَ الزَّمَنِ.

​رَحِمَهُ اللهُ وَكَافَأَهُ عَنْ أَتْعَابِهِ بِمَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَالْخُدَّامِ الصَّالِحِينَ.


​مَار أُوسْتَاثِيُوس مَتَّى رُوهُم

مُطْرَان الْجَزِيرَةِ وَالْفُرَاتِ

14.11.2025


​✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️


​رِسَالَةُ الْقِسِّيسِ جُوزِيف مُوسَى إِيلِيَا


​إِلَى أَخِي الْحَبِيبِ الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو،

​لَقَدْ كُنْتَ نُورًا فِي حَيَاتِنَا، وَإِيمَانُكَ الْعَمِيقُ كَانَ لَنَا مِثَالًا يُحْتَذَى بِهِ. كُنْتَ أَبًا وَرَفِيقًا وَصَدِيقًا، لَمْ تُهْمِلْ أَحَدًا، وَلَمْ تَتْرُكْ مَكَانًا إِلَّا وَأَضَأْتَ فِيهِ بِمَحَبَّتِكَ وَتَوَاضُعِكَ وَخِدْمَتِكَ. كُنْتَ تُعَلِّمُنَا أَنَّ الْكَهَنُوتَ لَيْسَ مَنْصِبًا، بَلْ حَيَاةً تُعَاشُ بِكُلِّ قَلْبٍ وَيَدٍ وَسُلُوكٍ.


​هَا أَنْتَ الْآنَ فِي حُضْنِ الْمَسِيحِ، لَكِنَّ رُوحَكَ بَاقِيَةٌ مَعَنَا، فِي صَلَوَاتِنَا، وَفِي الْكَنِيسَةِ، وَفِي قُلُوبِ كُلِّ مَنْ عَرَفَكَ. أَفْتَقِدُكَ، وَسَأَظَلُّ أَذْكُرُكَ دَوْمًا، شَاكِرًا اللهَ عَلَى نِعْمَةِ أَنْ عَرَفْتُكَ، وَأَنْ شَارَكْتَنِي جُزْءًا مِنْ حَيَاتِكَ الْمُبَارَكَةِ.


​سَلَامٌ لِرُوحِكَ أَيُّهَا الْخَادِمُ الْأَمِينُ، وَشُكْرٌ لِلرَّبِّ عَلَى حَيَاتِكَ الَّتِي أَضَاءَتْ طَرِيقَ كَثِيرِينَ.


​الْقِسِّيس جُوزِيف مُوسَى إِيلِيَا

14.11.2025


​✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️


​رِسَالَةُ الْقِسِّيسِ نَعِيم يُوسُف


​كَانَ الْأَب أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو أُسْتَاذِي فِي مَادَّةِ الدِّيَانَةِ فِي الْمَدْرَسَةِ، وَمُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ بَقِيَتْ صُورَتُهُ رَاسِخَةً فِي ذَاكِرَتِي كَإِنْسَانٍ طَيِّبٍ، لَطِيفٍ، وَاسِعِ الصَّدْرِ، يَعْرِفُ كَيْفَ يَحْتَوِي الْجَمِيعَ بِمَحَبَّةٍ وَهُدُوءٍ.

تَعَلَّمْتُ مِنْهُ أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، بَلْ أُسْلُوبُ حَيَاةٍ يُعَاشُ بِتَوَاضُعٍ وَصَبْرٍ.


​وَعَرَفْتُهُ أَيْضًا كَكَاهِنٍ فِي فَتْرَةِ خِدْمَتِهِ فِي الْمَالِكِيَّة، فَكَانَ مِثَالَ الرَّاعِي الْمُنْفَتِحِ عَلَى الْجَمِيعِ دُونَ تَعَصُّبٍ أَوْ تَمْيِيزٍ، يَخْدُمُ بِمَحَبَّةٍ صَادِقَةٍ وَرُوحٍ رَاقِيَةٍ.


​بَقِيتُ عَلَى تَوَاصُلٍ مَعَهُ حَتَّى قَبْلَ رَحِيلِهِ بِعِدَّةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَ حَدِيثُهُ دَائِمًا مَفْعَمًا بِالرَّجَاءِ وَالسَّلَامِ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يُوَدِّعُنَا بِصَمْتِهِ الْمَلِيءِ بِالْإِيمَانِ.


​ذِكْرَاهُ تَبْقَى عَطِرَةً فِي قَلْبِي، وَسِيرَتُهُ تَبْقَى دَرْسًا فِي الْبَسَاطَةِ وَالْخِدْمَةِ وَالْمَحَبَّةِ.


​الْقِسِّيس نَعِيم يُوسُف

14.11.2025


​✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️


​رِسَالَةٌ شَخْصِيَّةٌ مِنْ مِيلَاد كُورْكِيس

​صَاحِب مَشْرُوع: Memora 360


​إِلَى رُوحِ الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو،

أَقِفُ أَمَامَ ذِكْرَاكَ بِقَلْبِي مُمْتَلِئٍ بِالْإِجْلَالِ وَالْمَحَبَّةِ. كُنْتَ مِثَالًا لِلْخِدْمَةِ الصَّادِقَةِ، وَلِلْإِيمَانِ الَّذِي يُعَاشُ، وَلِلْحَنَانِ الَّذِي يُوَاسِينَا جَمِيعًا. لَمْ تَتْرُكْ أَثَرًا فِي الْكَنِيسَةِ فَحَسْبُ، بَلْ فِي الْقُلُوبِ أَيْضًا، فَقَدْ عَلَّمْتَنَا أَنَّ الْكَهَنُوتَ لَيْسَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، بَلْ حَيَاةٌ تُعَاشُ بِمَحَبَّةٍ وَصَبْرٍ وَتَوَاضُعٍ.


​إِلَى الْخُورِيَّة مَارِين صَامُوئِيل وَعَائِلَتِهَا الْكَرِيمَة،

أَرْفَعُ لَكُمْ خَالِصَ احْتِرَامِي وَمَحَبَّتِي الْعَمِيقَةِ. لَقَدْ كُنْتُمْ رَفِيقَةَ الدَّرْبِ وَالْأَبْنَاءُ زِينَةَ الْحَيَاةِ، وَكُنْتُمْ مِثَالًا حَيًّا عَلَى الْوَفَاءِ وَالتَّعَاوُنِ وَالصَّبْرِ. شُكْرًا لَكُمْ عَلَى مُشَارَكَتِكُمُ الْحَيَاةَ مَعَ الْأَب أَفْرَام، وَعَلَى مَا قَدَّمْتُمُوهُ مِنْ حُبٍّ وَعَطَاءٍ وَإِيمَانٍ.


​لِيَكُنْ هَذَا الْفُقْدَانُ جِسْرًا لِتَعْمِيقِ الرَّجَاءِ، وَلِتَسْتَمِرَّ ذِكْرَاهُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ كُلِّ مَنْ أَحَبَّهُ، مُحَاطًا بِالصَّلَاةِ وَالْمَحَبَّةِ.

سَلَامٌ وَمَحَبَّةٌ وَرَحْمَةُ اللهِ تَبْقَى مَعَكُمْ دَائِمًا.


​✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️


​إِنَّ سِيرَةَ الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو وَالْخُورِيَّة مَارِين صَامُوئِيل تَظَلُّ شَهَادَةً حَيَّةً عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، بَلْ حَيَاةٌ تُعَاشُ بِمَحَبَّةٍ وَصَبْرٍ وَتَوَاضُعٍ. لَقَدْ جَسَّدَا مَعًا مَعْنَى الْخِدْمَةِ بِلَا حُدُودٍ، وَالْوَفَاءِ لِلْعَائِلَةِ وَالْكَنِيسَةِ وَالْمُجْتَمَعِ، وَعَلَّمَا مَنْ حَوْلَهُمَا أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ صَالِحٍ هُوَ صَلَاةٌ، وَكُلَّ لَحْظَةِ عَطَاءٍ هِيَ بَذْرَةُ نُورٍ فِي حَيَاةِ الْآخَرِينَ.


​تَظَلُّ ذِكْرَاهُمَا مَحْفُورَةً فِي الْقُلُوبِ، مُلْهِمَةً لِكُلِّ مَنْ يَسْعَى لِأَنْ يَعِيشَ حَيَاتَهُ بِإِيمَانٍ حَقِيقِيٍّ وَعَطَاءٍ مُسْتَمِرٍّ. وَتَبْقَى رَسَائِلُهُمَا، وَأَثَرُهُمَا الرُّوحِيُّ، وَجَمِيلُ ذِكْرَاهُمَا مَنَارَةً تُضِيءُ دُرُوبَ الْمَحَبَّةِ وَالْإِخْلَاصِ لِلْأَجْيَالِ الْقَادِمَةِ، لِتَبْقَى مِثَالًا خَالِدًا عَلَى التَّوَاضُعِ، وَالْوَفَاءِ، وَحَيَاةٍ مُكَرَّسَةٍ لِخِدْمَةِ اللهِ وَالْإِنْسَانِ.


​#الْأَبُ_أَفْرَامُ_كُورِيَّه_جِلُّو #الْخُورِيَّةُ_مَارِينُ_صَامُوئِيل #سِيرَةُ_حَيَاةٍ #خِدْمَةُ_اللهِ #الْإِيمَانُ_وَالْعَطَاءُ #ذِكْرَيَاتُ_كَنِيسَةٍ #الْمَحَبَّةُ_وَالْوَفَاءُ #الْكَنِيسَةُ_السِّرْيَانِيَّةُ #رِسَالَةٌ_رُوحِيَّةٌ #تَارِيخُ_الْكَنِيسَةِ #حَيَاةٌ_مُبَارَكَةٌ #خِدْمَةُ_الرَّعِيَّةِ #عَطَاءٌ_وَوَفَاءٌ #ذِكْرَى_خَالِدَةٌ #Memora360 #mxr #milad_korkis

كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين

 كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين إعداد : ميلاد كوركيس مشرف مشروع : Memora 360 - Arabic في دمشق، المدينة التي تتنفس التاريخ وتت...