مترجم - Übersetzer

Monday, November 24, 2025

فهد شيعا : سيرة رجل صنع ذاكرة مدينة

 فهد شيعا : سيرة رجل صنع ذاكرة مدينة

إعداد : ميلاد كوركيس 

صاحب مشروع : Memora 360 - Arabic 

في شمال شرق سوريا تنبسط مدينة صغيرة في حجمها، واسعة في ذاكرتها، اسمها الأقدم والأعمق ديريك، الاسم الذي يسبق الزمن وتعبق فيه السريانية التي صاغت روح المكان قبل أن تعرف إداريًا باسم المالكية. ديريك ليست مجرد مدينة، إنها خيط طويل من الروائح القديمة ودفء البيوت الحجرية وصلوات الكنائس ووقع أقدام الأطفال في الأزقة الضيقة، إنها الحنين الذي لا يشيخ مهما تغيّر العالم من حوله.


في تلك الرقعة من التراب وُلدت شخصيات حملت بصمتها الخاصة، ومضت تكتب حضورها في صمت جميل، وكأن المدينة تُنبت أبناءها على مهل كما تُنبت الأشجار ظلها. ومن بين تلك الشخصيات يبرز فهد حنا موسى، فهد شيعا، المولود في ديريك عام 1963، الرجل الذي جمع بين العمل الاجتماعي والروح الرياضية والانتماء الكنسي والالتزام الوطني، حتى تشكلت سيرته على هيئة رحلة من العطاء المستمر لا تنقطع ولا تتوقف.

حين بدأت إعداد هذه المقابلة ضمن مشروع Memora 360، الذي كان يعرف سابقًا باسم "شخصيات صنعت ذاكرة الوطن"، كنت أعلم تمامًا أن اللقاء مع رجل مثل فهد شيعا لن يكون مجرد أسئلة وأجوبة، بل سردًا حيًا لمدينة كاملة، وأجيال كاملة، وذكريات تتحرك في أروقة كنائس ديريك وبيوتها وملاعبها وحدائقها ووجوه ناسها الذين صنعوا من البساطة تاريخًا ومن الحضور الهادئ تأثيرًا لا يزول. فهد شيعا ليس مجرد اسم، إنه امتداد زمن مضى لكنه لا يغيب، يظل حاضرًا مثل جرس كنيسة يدق في الجلجلة، فتحضر معه كل تفاصيل الحياة في تلك المدينة البعيدة الواضحة المليئة بروح أهلها.



ورغم معرفتي بالأستاذ فهد (أبو توماس) منذ صغري، فقد كان علي أن أستخدم قلمي بقدر كبير من الأمانة. ورغم معرفتي فيه منذ سنوات بعيدة، إلا أنني مجبر أن أتحدث عنه كما أتحدث عن باقي الشخصيات، ليصبح سرد سيرته أنموذجًا يليق بمدينة عظيمة مثل ديريك. شخصيًا رأيت فيه المناضل الثائر، المبهم الماهر الذي لا يكل ولا يمل في كل الميادين المتاحة، ليغني إرث مدينته، تاريخه، انتماؤه القومي، مسيحيته، ووطنه سوريا. شهادتي فيه مجروحة لكنها صادقة. وحين كتبت سابقًا عن والده الراحل الأستاذ حنا شيعا، كنت أبدأ سرد سيرة العائلة من كبارها، ليعرف القارئ أن الأشياء لا تأتي من العدم، وأن فهد هو ابن أبيه، ولو اختلفت الأزمنة وتبدلت الوجوه فالجوهر واحد والرسالة واحدة.



ينتمي فهد إلى جيل فهم أن الوطن هو أول الانتماءات، وأن العائلة هي أول المدارس، وأن الكنيسة هي أول مساحة روحية تمنح الإنسان القدرة على الوقوف في وجه الحياة بكل ما فيها من تبدلات وانكسارات وانتصارات صغيرة لا يراها أحد لكنها تبني شخصية الإنسان. نشأ في بيت يعرف معنى المسؤولية، بيت أراد للأبناء أن يكونوا امتدادًا للقيم لا مجرد استمرار أسماء. في سنوات الطفولة كانت ديريك بالنسبة إليه ملعبًا كبيرًا يختلط فيه الفرح بالدهشة، حيث كل شارع له حكاية وكل وجه له أثر. ومن تلك البدايات البسيطة نما داخله حس الانتماء لحارته وبيئته وكنيسته ومدينته، انتماء تجذر مع الزمن وتحوّل إلى أفعال ووجود وحضور.


فهد حنا موسى، ابن والده الأستاذ حنا شيعا ووالدته سارة صليبا، نشأ في أسرة بسيطة لكنها غنية بالقيم والمبادئ، مهتمة بالعلم والسياسة والرياضة والحس القومي. عاش تجربة وفاة والده وهو في سن السابعة، تجربة شكلت جزءًا من شخصيته المبكرة، لكنها لم تكسر حماسه أو حبه للحياة. تميزت طفولته بالذكريات الجميلة في المدرسة والحارة، مع الأصدقاء، وفي الرياضة، حيث كانت ديريك بالنسبة له ملعبًا كبيرًا يختلط فيه الفرح بالدهشة، وكان لكل شارع حكاية ولكل وجه أثر.


تعليمه ابتدأ في مدرسة رفعت الحاج سري الابتدائية، ثم استكمل الإعدادية والثانوية في مدرسة يوسف العظمة، حيث كانت العلاقة بين التلميذ والمعلم قائمة على الاحترام والتقدير. ساهمت والدته وجدّه توما صليبا في غرس قيم الصبر والصدق، إلى جانب شخصيات تربوية مؤثرة مثل الملفونو يعقوب حنا والأستاذ جرجس بهنان أبو حيان. ومع صعوبة الظروف المالية للعائلة، كان على فهد العمل الصيفي أثناء الدراسة الجامعية، لكن الأسرة كانت دومًا الداعم الرئيسي لتجاوز التحديات.



في سنواته المبكرة، بدأ فهد حياته العملية بالتدريس في مدرسة السريان، واهتم بشؤون الشباب، مؤسسًا فرقة نحاسية كشفية، وعمل في الرابطة الفلاحية كمحاسب وعضو مجلس الرابطة. كما ساهم في مؤسسات الكنيسة والشباب مثل مركز التربية الدينية، الأخوية، ونادي الرافدين الرياضي، حيث قام بتوجيه وإرشاد الشباب وصقل مواهبهم.



نادي الرافدين، الذي تأسس في الأربعينيات بجهود العم يوسف نعمان ورفاقه، كان رمزًا للرياضة والشباب في ديريك منذ بداياته، لكنه واجه صعوبات كبيرة مثل غياب ملعب ثابت، والقرار المشؤوم المتضمن إغلاق الأندية الأهلية، ما أدى إلى تشتت المواهب ووقف بعض الأنشطة الرياضية.



وفي عام 2004، تم إعادة الروح إلى النادي بمشاركة لاعبين كثر من مختلف الأعمار، وشهد مباريات ودية مع نادي الجزيرة، أولمبياد الرافدين، وأولمبياد تموز في إيران 2006 و2010، مسجلاً إنجازات رياضية واجتماعية مهمة، وأصبح منبرًا للشباب لتعزيز مهاراتهم الرياضية والاجتماعية.





عمل الأستاذ فهد شيعا على جمع معلومات موثوقة وحقيقية عن تاريخ وحقبة النادي والرياضة في ديريك، وجمعها في كتاب بعنوان "تاريخ نادي الرافدين والرياضة في ديريك"، موثقًا الإنجازات والمحطات المهمة منذ الأربعينيات وحتى عام 2012، لتكون هذه المعلومة جزءًا من إرث المدينة والذاكرة الرياضية للشباب.





ومازال نادي الرافدين موجودًا اليوم ضمن مدينة ديريك للأعمار الصغيرة، وهو حكاية عشق عاشها أجدادنا ويجددها الأبناء ويتغنى بها الأحفاد. ونتمنى من أصحاب الشأن دعمه لإعادة إحيائه بشكل كامل، ليعود رمزًا للشباب والطموح والرياضة، وحاملًا الاسم العظيم "بيث نهرين (ميزوبوتاميا)"، لما لهذه التسمية الغالية من مدلول تاريخي وقومي، يمثل رابطًا بين الأجيال ويغذي انتماءهم لهويتهم الثقافية والوطنية.


على الصعيد الثقافي واللغوي، كان لفهد دور بارز في تشكيل هيئة اللغة السريانية مع الملفونو يعقوب حنا والملفونو ميرزا حنا أبو آشور، وعضوية المجلس التشريعي في الجزيرة، وتأسيس مجمع اللغة السريانية في ديريك، مساهمةً في الحفاظ على التراث والهوية الثقافية.

مع بداية الأزمة السورية عام 2011، لعب فهد دورًا إنسانيًا بارزًا في الحفاظ على السلم الأهلي في ديريك، من خلال المشاركة في تأسيس الهيئة المسيحية، تنظيم لجان الحماية، إحصاء السكان، تأمين مستلزمات الحياة، وتنظيم ندوات حوارية لتعزيز التعايش بين مختلف المكونات، بالتعاون مع السيد الياس القس، ومشاركته في النقاشات مع حزب الاتحاد السرياني لإدارة الأزمة بحكمة. كل هذه الخطوات جسدت مبادئه في العمل الاجتماعي: حب الوطن، الالتزام بالكنيسة، الحفاظ على القومية بالتوازي، دون تقديس الأشخاص أو الأحزاب، مؤمنًا بأن المبادرة والحب أساس أي تقدم اجتماعي.


في 15 يونيو 2015 غادر سوريا إلى ألمانيا، حيث استقر هناك وواصل ارتباطه العميق بمدينته ديريك، حاملاً معه جذورها الثقافية والاجتماعية التي لم تفارقه يومًا. وفي المغترب أسهم في تأسيس جمعية أصدقاء الطالب في أوروبا، وهي مبادرة هدفها دعم طلاب ديريك علميًا واقتصاديًا، والتخفيف من أعبائهم، والاستمرار في غرس القيم والتوجيه الاجتماعي بينهم، تمامًا كما اعتاد أن يفعل في وطنه.


لقد اعتمد نجاحه في العمل الإداري على روح الجماعة والتخطيط السليم وتقييم النتائج والمتابعة المستمرة، وهي مبادئ راسخة شكّلت أساس تجربته الناجحة سواء داخل الوطن أو خارجه.


على الصعيد الشخصي، يشارك فهد في حياته زوجته فريال بطرس، التي كانت سندًا له في كل المراحل، شريكة في الحياة الأسرية، داعمة في النشاطات الاجتماعية، ورافعة لمبادراته التعليمية والرياضية والثقافية. معًا، شكّلوا أسرة تواكب القيم التي نشأ عليها، ويحرصان على غرسها في الأبناء، ليكونوا امتدادًا لهذه القيم في الأجيال القادمة، حاملين شعلة الوفاء والانتماء للمدينة والوطن.


اليوم، يعمل فهد على إعداد كتاب بعنوان "إضاءات من بلدتي ديريك"، لتوثيق الحياة الاجتماعية، العادات والتقاليد، وتأثير المعالم في وجدان المجتمع، بالإضافة إلى تاريخ نادي الرافدين، مستعرضًا الإنجازات الرياضية والاجتماعية للشباب، وتقديم هذه الملاحم الصغيرة التي شكّلت تاريخ المدينة، لتبقى محفوظة للأجيال القادمة، وتُسجل في ذاكرة المجتمع كما تُسجل على جدران الزمن.


ورغم كل هذه الرحلة الممتدة عبر سنوات من العمل، يظل فهد شيعا رمزًا للالتزام بالمبادئ: حب الوطن، الكنيسة، القومية، العمل التطوعي، خدمة المجتمع، وتأكيد الكرامة الفردية، مع التمسك بالحرية واحترام الآخرين، مؤمنًا بأن الحب والمبادرة هما أساس أي تقدم حضاري واجتماعي، وأن كل فعل صغير يصنع فرقًا، وكل مبادرة تنبض بالحياة في قلب المجتمع.


__________________________________________________


رسالة شخصية مني، ميلاد كوركيس، مشرف مشروع

 Memora 360 :



"عزيزي فهد، حين أكتب عنك أو أتحدث عن إنجازاتك، لا أرى مجرد سيرة رجل أو أحداثًا عابرة، بل أرى مدينة بأكملها تنبض بالحياة، أجيال تتعلم الصبر والانتماء، ووجوه شباب يتعلمون الحب والمبادرة. حضورك في ديريك، وفي كل مكان عملت فيه، هو شهادة حية على أن الالتزام بالمبادئ والقيم ليس شعارًا، بل حياة نعيشها ونور ننقله للآخرين. شكراً لك على كل لحظة بذلتها في خدمة مجتمعك، وعلى كل مبادرة وضعتها في خدمة الناس. مشروع Memora 360 - German فخور بأن يكون شاهداً على مسيرتك، وأن يحمل إرثك للأجيال القادمة."


__________________________________________________


وهكذا، تنتهي سيرة فهد شيعا، لكنها لا تنتهي بمعنى الانتهاء، بل تتواصل في كل قلب يحمل حب ديريك والانتماء لها. كل خطوة اتخذها، وكل مبادرة قام بها، كانت حجر أساس في بناء ذاكرة المدينة وروح مجتمعها. حياة فهد تثبت أن التمسك بالقيم والمبادئ، مع الحب والمثابرة والعمل الدؤوب، قادر على بناء إرث حضاري واجتماعي خالد. إنها شهادة على أن الأصالة ليست في المكان وحده، بل في من يعيش فيه ويترك أثره فيه بحب وإخلاص. ومن خلال هذه السيرة، يظل فهد رمزًا للوفاء للإنسان والوطن معًا، وأيقونةً للقيم التي تربينا عليها، مؤكدًا أن العمل، المبادرة، والالتزام بالمجتمع يمكن أن يصنعوا تاريخًا لا يموت، وأن كل جيل بإمكانه أن يحمل هذه الشعلة ويستمر في رسم معالم حضارية واجتماعية في قلب مدينته ووطنه.


#ديريك #فهد_شيعا #Memora360 #شخصيات_صنعت_ذاكرة_الوطن #الهوية_السريانية #سوريا #ثقافة_وشباب #الرافدين #الكنيسة_السريانية #mxr #milad_korkis #MiladKorkis



No comments:

Post a Comment

كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين

 كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين إعداد : ميلاد كوركيس مشرف مشروع : Memora 360 - Arabic في دمشق، المدينة التي تتنفس التاريخ وتت...