مترجم - Übersetzer

Monday, November 24, 2025

فهد شيعا : سيرة رجل صنع ذاكرة مدينة

 فهد شيعا : سيرة رجل صنع ذاكرة مدينة

إعداد : ميلاد كوركيس 

صاحب مشروع : Memora 360 - Arabic 

في شمال شرق سوريا تنبسط مدينة صغيرة في حجمها، واسعة في ذاكرتها، اسمها الأقدم والأعمق ديريك، الاسم الذي يسبق الزمن وتعبق فيه السريانية التي صاغت روح المكان قبل أن تعرف إداريًا باسم المالكية. ديريك ليست مجرد مدينة، إنها خيط طويل من الروائح القديمة ودفء البيوت الحجرية وصلوات الكنائس ووقع أقدام الأطفال في الأزقة الضيقة، إنها الحنين الذي لا يشيخ مهما تغيّر العالم من حوله.


في تلك الرقعة من التراب وُلدت شخصيات حملت بصمتها الخاصة، ومضت تكتب حضورها في صمت جميل، وكأن المدينة تُنبت أبناءها على مهل كما تُنبت الأشجار ظلها. ومن بين تلك الشخصيات يبرز فهد حنا موسى، فهد شيعا، المولود في ديريك عام 1963، الرجل الذي جمع بين العمل الاجتماعي والروح الرياضية والانتماء الكنسي والالتزام الوطني، حتى تشكلت سيرته على هيئة رحلة من العطاء المستمر لا تنقطع ولا تتوقف.

حين بدأت إعداد هذه المقابلة ضمن مشروع Memora 360، الذي كان يعرف سابقًا باسم "شخصيات صنعت ذاكرة الوطن"، كنت أعلم تمامًا أن اللقاء مع رجل مثل فهد شيعا لن يكون مجرد أسئلة وأجوبة، بل سردًا حيًا لمدينة كاملة، وأجيال كاملة، وذكريات تتحرك في أروقة كنائس ديريك وبيوتها وملاعبها وحدائقها ووجوه ناسها الذين صنعوا من البساطة تاريخًا ومن الحضور الهادئ تأثيرًا لا يزول. فهد شيعا ليس مجرد اسم، إنه امتداد زمن مضى لكنه لا يغيب، يظل حاضرًا مثل جرس كنيسة يدق في الجلجلة، فتحضر معه كل تفاصيل الحياة في تلك المدينة البعيدة الواضحة المليئة بروح أهلها.



ورغم معرفتي بالأستاذ فهد (أبو توماس) منذ صغري، فقد كان علي أن أستخدم قلمي بقدر كبير من الأمانة. ورغم معرفتي فيه منذ سنوات بعيدة، إلا أنني مجبر أن أتحدث عنه كما أتحدث عن باقي الشخصيات، ليصبح سرد سيرته أنموذجًا يليق بمدينة عظيمة مثل ديريك. شخصيًا رأيت فيه المناضل الثائر، المبهم الماهر الذي لا يكل ولا يمل في كل الميادين المتاحة، ليغني إرث مدينته، تاريخه، انتماؤه القومي، مسيحيته، ووطنه سوريا. شهادتي فيه مجروحة لكنها صادقة. وحين كتبت سابقًا عن والده الراحل الأستاذ حنا شيعا، كنت أبدأ سرد سيرة العائلة من كبارها، ليعرف القارئ أن الأشياء لا تأتي من العدم، وأن فهد هو ابن أبيه، ولو اختلفت الأزمنة وتبدلت الوجوه فالجوهر واحد والرسالة واحدة.



ينتمي فهد إلى جيل فهم أن الوطن هو أول الانتماءات، وأن العائلة هي أول المدارس، وأن الكنيسة هي أول مساحة روحية تمنح الإنسان القدرة على الوقوف في وجه الحياة بكل ما فيها من تبدلات وانكسارات وانتصارات صغيرة لا يراها أحد لكنها تبني شخصية الإنسان. نشأ في بيت يعرف معنى المسؤولية، بيت أراد للأبناء أن يكونوا امتدادًا للقيم لا مجرد استمرار أسماء. في سنوات الطفولة كانت ديريك بالنسبة إليه ملعبًا كبيرًا يختلط فيه الفرح بالدهشة، حيث كل شارع له حكاية وكل وجه له أثر. ومن تلك البدايات البسيطة نما داخله حس الانتماء لحارته وبيئته وكنيسته ومدينته، انتماء تجذر مع الزمن وتحوّل إلى أفعال ووجود وحضور.


فهد حنا موسى، ابن والده الأستاذ حنا شيعا ووالدته سارة صليبا، نشأ في أسرة بسيطة لكنها غنية بالقيم والمبادئ، مهتمة بالعلم والسياسة والرياضة والحس القومي. عاش تجربة وفاة والده وهو في سن السابعة، تجربة شكلت جزءًا من شخصيته المبكرة، لكنها لم تكسر حماسه أو حبه للحياة. تميزت طفولته بالذكريات الجميلة في المدرسة والحارة، مع الأصدقاء، وفي الرياضة، حيث كانت ديريك بالنسبة له ملعبًا كبيرًا يختلط فيه الفرح بالدهشة، وكان لكل شارع حكاية ولكل وجه أثر.


تعليمه ابتدأ في مدرسة رفعت الحاج سري الابتدائية، ثم استكمل الإعدادية والثانوية في مدرسة يوسف العظمة، حيث كانت العلاقة بين التلميذ والمعلم قائمة على الاحترام والتقدير. ساهمت والدته وجدّه توما صليبا في غرس قيم الصبر والصدق، إلى جانب شخصيات تربوية مؤثرة مثل الملفونو يعقوب حنا والأستاذ جرجس بهنان أبو حيان. ومع صعوبة الظروف المالية للعائلة، كان على فهد العمل الصيفي أثناء الدراسة الجامعية، لكن الأسرة كانت دومًا الداعم الرئيسي لتجاوز التحديات.



في سنواته المبكرة، بدأ فهد حياته العملية بالتدريس في مدرسة السريان، واهتم بشؤون الشباب، مؤسسًا فرقة نحاسية كشفية، وعمل في الرابطة الفلاحية كمحاسب وعضو مجلس الرابطة. كما ساهم في مؤسسات الكنيسة والشباب مثل مركز التربية الدينية، الأخوية، ونادي الرافدين الرياضي، حيث قام بتوجيه وإرشاد الشباب وصقل مواهبهم.



نادي الرافدين، الذي تأسس في الأربعينيات بجهود العم يوسف نعمان ورفاقه، كان رمزًا للرياضة والشباب في ديريك منذ بداياته، لكنه واجه صعوبات كبيرة مثل غياب ملعب ثابت، والقرار المشؤوم المتضمن إغلاق الأندية الأهلية، ما أدى إلى تشتت المواهب ووقف بعض الأنشطة الرياضية.



وفي عام 2004، تم إعادة الروح إلى النادي بمشاركة لاعبين كثر من مختلف الأعمار، وشهد مباريات ودية مع نادي الجزيرة، أولمبياد الرافدين، وأولمبياد تموز في إيران 2006 و2010، مسجلاً إنجازات رياضية واجتماعية مهمة، وأصبح منبرًا للشباب لتعزيز مهاراتهم الرياضية والاجتماعية.





عمل الأستاذ فهد شيعا على جمع معلومات موثوقة وحقيقية عن تاريخ وحقبة النادي والرياضة في ديريك، وجمعها في كتاب بعنوان "تاريخ نادي الرافدين والرياضة في ديريك"، موثقًا الإنجازات والمحطات المهمة منذ الأربعينيات وحتى عام 2012، لتكون هذه المعلومة جزءًا من إرث المدينة والذاكرة الرياضية للشباب.





ومازال نادي الرافدين موجودًا اليوم ضمن مدينة ديريك للأعمار الصغيرة، وهو حكاية عشق عاشها أجدادنا ويجددها الأبناء ويتغنى بها الأحفاد. ونتمنى من أصحاب الشأن دعمه لإعادة إحيائه بشكل كامل، ليعود رمزًا للشباب والطموح والرياضة، وحاملًا الاسم العظيم "بيث نهرين (ميزوبوتاميا)"، لما لهذه التسمية الغالية من مدلول تاريخي وقومي، يمثل رابطًا بين الأجيال ويغذي انتماءهم لهويتهم الثقافية والوطنية.


على الصعيد الثقافي واللغوي، كان لفهد دور بارز في تشكيل هيئة اللغة السريانية مع الملفونو يعقوب حنا والملفونو ميرزا حنا أبو آشور، وعضوية المجلس التشريعي في الجزيرة، وتأسيس مجمع اللغة السريانية في ديريك، مساهمةً في الحفاظ على التراث والهوية الثقافية.

مع بداية الأزمة السورية عام 2011، لعب فهد دورًا إنسانيًا بارزًا في الحفاظ على السلم الأهلي في ديريك، من خلال المشاركة في تأسيس الهيئة المسيحية، تنظيم لجان الحماية، إحصاء السكان، تأمين مستلزمات الحياة، وتنظيم ندوات حوارية لتعزيز التعايش بين مختلف المكونات، بالتعاون مع السيد الياس القس، ومشاركته في النقاشات مع حزب الاتحاد السرياني لإدارة الأزمة بحكمة. كل هذه الخطوات جسدت مبادئه في العمل الاجتماعي: حب الوطن، الالتزام بالكنيسة، الحفاظ على القومية بالتوازي، دون تقديس الأشخاص أو الأحزاب، مؤمنًا بأن المبادرة والحب أساس أي تقدم اجتماعي.


في 15 يونيو 2015 غادر سوريا إلى ألمانيا، حيث استقر هناك وواصل ارتباطه العميق بمدينته ديريك، حاملاً معه جذورها الثقافية والاجتماعية التي لم تفارقه يومًا. وفي المغترب أسهم في تأسيس جمعية أصدقاء الطالب في أوروبا، وهي مبادرة هدفها دعم طلاب ديريك علميًا واقتصاديًا، والتخفيف من أعبائهم، والاستمرار في غرس القيم والتوجيه الاجتماعي بينهم، تمامًا كما اعتاد أن يفعل في وطنه.


لقد اعتمد نجاحه في العمل الإداري على روح الجماعة والتخطيط السليم وتقييم النتائج والمتابعة المستمرة، وهي مبادئ راسخة شكّلت أساس تجربته الناجحة سواء داخل الوطن أو خارجه.


على الصعيد الشخصي، يشارك فهد في حياته زوجته فريال بطرس، التي كانت سندًا له في كل المراحل، شريكة في الحياة الأسرية، داعمة في النشاطات الاجتماعية، ورافعة لمبادراته التعليمية والرياضية والثقافية. معًا، شكّلوا أسرة تواكب القيم التي نشأ عليها، ويحرصان على غرسها في الأبناء، ليكونوا امتدادًا لهذه القيم في الأجيال القادمة، حاملين شعلة الوفاء والانتماء للمدينة والوطن.


اليوم، يعمل فهد على إعداد كتاب بعنوان "إضاءات من بلدتي ديريك"، لتوثيق الحياة الاجتماعية، العادات والتقاليد، وتأثير المعالم في وجدان المجتمع، بالإضافة إلى تاريخ نادي الرافدين، مستعرضًا الإنجازات الرياضية والاجتماعية للشباب، وتقديم هذه الملاحم الصغيرة التي شكّلت تاريخ المدينة، لتبقى محفوظة للأجيال القادمة، وتُسجل في ذاكرة المجتمع كما تُسجل على جدران الزمن.


ورغم كل هذه الرحلة الممتدة عبر سنوات من العمل، يظل فهد شيعا رمزًا للالتزام بالمبادئ: حب الوطن، الكنيسة، القومية، العمل التطوعي، خدمة المجتمع، وتأكيد الكرامة الفردية، مع التمسك بالحرية واحترام الآخرين، مؤمنًا بأن الحب والمبادرة هما أساس أي تقدم حضاري واجتماعي، وأن كل فعل صغير يصنع فرقًا، وكل مبادرة تنبض بالحياة في قلب المجتمع.


__________________________________________________


رسالة شخصية مني، ميلاد كوركيس، مشرف مشروع

 Memora 360 :



"عزيزي فهد، حين أكتب عنك أو أتحدث عن إنجازاتك، لا أرى مجرد سيرة رجل أو أحداثًا عابرة، بل أرى مدينة بأكملها تنبض بالحياة، أجيال تتعلم الصبر والانتماء، ووجوه شباب يتعلمون الحب والمبادرة. حضورك في ديريك، وفي كل مكان عملت فيه، هو شهادة حية على أن الالتزام بالمبادئ والقيم ليس شعارًا، بل حياة نعيشها ونور ننقله للآخرين. شكراً لك على كل لحظة بذلتها في خدمة مجتمعك، وعلى كل مبادرة وضعتها في خدمة الناس. مشروع Memora 360 - German فخور بأن يكون شاهداً على مسيرتك، وأن يحمل إرثك للأجيال القادمة."


__________________________________________________


وهكذا، تنتهي سيرة فهد شيعا، لكنها لا تنتهي بمعنى الانتهاء، بل تتواصل في كل قلب يحمل حب ديريك والانتماء لها. كل خطوة اتخذها، وكل مبادرة قام بها، كانت حجر أساس في بناء ذاكرة المدينة وروح مجتمعها. حياة فهد تثبت أن التمسك بالقيم والمبادئ، مع الحب والمثابرة والعمل الدؤوب، قادر على بناء إرث حضاري واجتماعي خالد. إنها شهادة على أن الأصالة ليست في المكان وحده، بل في من يعيش فيه ويترك أثره فيه بحب وإخلاص. ومن خلال هذه السيرة، يظل فهد رمزًا للوفاء للإنسان والوطن معًا، وأيقونةً للقيم التي تربينا عليها، مؤكدًا أن العمل، المبادرة، والالتزام بالمجتمع يمكن أن يصنعوا تاريخًا لا يموت، وأن كل جيل بإمكانه أن يحمل هذه الشعلة ويستمر في رسم معالم حضارية واجتماعية في قلب مدينته ووطنه.


#ديريك #فهد_شيعا #Memora360 #شخصيات_صنعت_ذاكرة_الوطن #الهوية_السريانية #سوريا #ثقافة_وشباب #الرافدين #الكنيسة_السريانية #mxr #milad_korkis #MiladKorkis



Thursday, November 13, 2025

سِيرَة حَيَاة الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو

 سِيرَة حَيَاة الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو

​بِشَهَادَةٍ زَوْجَتِهِ الخُورِيَّة مَارِين صَامُوئِيل


​إِعْدَاد : Milad Korkis 

صَاحِب مَشْرُوع : Memora 360 - Arabic



​فِي حَيَاة كُلِّ إِنْسَانٍ مُؤْمِنٍ، هُنَاكَ لَحْظَةٌ يَتَجَلَّى فِيهَا النُّور الْإِلَهِي فِي هَيْئَة بَشَرٍ. هَكَذَا كَانَ الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو، رَجُلُ اللهِ الْهَادِئُ الَّذِي عَاشَ الْإِيمَانَ سُلُوكًا وَتَوَاضُعًا وَخِدْمَةً، وَإِلَى جَانِبِهِ سَارَتْ الْخُورِيَّة مَارِين صَامُوئِيل، رَفِيقَةُ دَرْبِهِ الَّتِي لَمْ تَتْرُكْهُ يَوْمًا، تَشُدُّ أَزْرَهُ وَتُكْمِلُ رِسَالَتَهُ بِالْحُبِّ وَالصَّبْرِ وَالرَّجَاءِ. هِيَ حِكَايَةُ اثْنَيْنِ صَاغَا الْعُمْرَ صَلَاةً، وَتَوَّجَا الْحَيَاةَ بِالْعَطَاءِ.


​وُلِدَ الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو فِي مَدِينَة الْحَسَكَة بِتَارِيخِ 21/08/1949، وَنَشَأَ فِي كَنَفِ عَائِلَةٍ مُؤْمِنَةٍ مُتَوَاضِعَةٍ انْتَقَلَتْ لَاحِقًا إِلَى مَدِينَةِ الْمَالِكِيَّة طَلَبًا لِلرِّزْقِ وَالْعَمَلِ فِي الزِّرَاعَة. كَانَ أَحَدَ أَفْرَادِ عَائِلَةٍ كَبِيرَةٍ مُكَوَّنَةٍ مِنْ أَرْبَعَة صِبْيَانٍ وَثَلَاث فَتَيَاتٍ، وَتَرَبَّى وَسْطَ جَوٍّ عَائِلِيٍّ مَلِيءٍ بِالْمَحَبَّةِ وَالْإِيمَانِ، حَيْثُ رُسِّخَتْ فِيهِ الْقِيَمُ الرُّوحِيَّةُ مُنْذُ الصِّغَرِ، وَنَشَأَ عَلَى الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْمَحَبَّةِ لِلْآخَرِينَ. تَلَقَّى تَعْلِيمَهُ فِي مَدَارِس السِّرْيَانِ، فَأَتْقَنَ اللُّغَة السِّرْيَانِيَّة، وَأَظْهَرَ اهْتِمَامًا بَالِغًا بِالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ.


​بَعْدَ تَخَرُّجِهِ، بَدَأَ بِالتَّعْلِيمِ فِي مَدَارِس الْمَالِكِيَّة، حَيْثُ أَحَبَّهُ طُلَّابُهُ لِطِيبَتِهِ وَصَبْرِهِ، لَكِنَّ نِدَاءَ الْوَطَنِ اسْتَدْعَاهُ إِلَى الْخِدْمَة الْعَسْكَرِيَّة. الْتَحَقَ بِالْقُوَّاتِ الْمُسَلَّحَةِ وَخَدَمَ خَمْسَ سَنَوَاتٍ وَشَهْرَيْنِ وَنِصْفًا، مُشَارِكًا فِي حَرْبِ تَشْرِينَ التَّحْرِيرِيَّة عَامَ 1973. وَجَدَ نَفْسَهُ عَلَى جَبْهَة الْقِتَالِ، بِرُتْبَةِ رَقِيبٍ أَوَّلٍ، حَيْثُ اخْتَبَرَ الْإِيمَانَ بِأَشَدِّ صُوَرِهِ فِي قَلْبِ الْمَعْرَكَة ضِدَّ إِسْرَائِيلَ. كَانَ الرَّصَاصُ يَنْهَمِرُ كَالْمَطَرِ، وَالْأَرْضُ تَهْتَزُّ تَحْتَ وَقْعِ الْقَذَائِفِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِالْخَوْفِ، مُحْتَفِظًا بِسَلَامٍ دَاخِلِيٍّ لَا يَهُزُّهُ شَيْءٌ.


​خِلَالَ الْمَعَارِكِ، نَجَا مِنْ سُقُوطِ صَارُوخٍ بِجَانِبِ الْخَنْدَقِ الَّذِي كَانَ فِيهِ، لَكِنَّهُ أُصِيبَ بِأَضْرَارٍ فِي أُذُنِهِ الْيُسْرَى، كَمَا فَقَدَ إِصْبَعًا مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى الَّذِي كَانَ يُوضَعُ فِيهِ الْخَاتَمُ، وَهُوَ حَادِثٌ تَرَكَ أَثَرًا نَفْسِيًّا وَجَسَدِيًّا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَثْنِهِ عَنِ الْإِيمَانِ أَوِ الشَّجَاعَةِ. وَكَانَ يَحْمِلُ مَعَهُ الْإِنْجِيلَ وَالْمَزْمُورَ 91، مُسْتَمِدًّا مِنْهُمَا الْقُوَّةَ وَالسَّلَامَ الدَّاخِلِيَّ، وَقَرَأَهُمَا هَمْسًا وَهُوَ يَعْبُرُ حَقْلَ الْأَلْغَامِ مَعَ فِرْقَتِهِ، حَتَّى اجْتَازَتْهُ بِأَمَانٍ وَاعْتَبَرَ ذَلِكَ حِمَايَةً إِلَهِيَّةً رَافَقَتْهُ طَوَالَ حَيَاتِهِ. بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَرْبِ، عَادَ إِلَى التَّعْلِيمِ أَكْثَرَ عُمْقًا وَإِيمَانًا بِالْحَيَاةِ، لِيُصْبِحَ مُوَجِّهًا تَرْبَوِيًّا ثُمَّ أَمِينَ سِرٍّ، ثُمَّ أُسْتَاذَ دِيَانَةٍ مَسِيحِيَّةٍ فِي الثَّانَوِيَّةِ، وَكَانَ لِطُلَّابِهِ أَبًا وَصَدِيقًا وَمُعَلِّمًا رُوحِيًّا، حَيْثُ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ حِصَصَهُ بِشَغَفٍ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ دُرُوسٍ، بَلْ لِقَاءَاتٍ مَعَ الْفِكْرِ وَالضَّمِيرِ.


​أَمَّا الْخُورِيَّة مَارِين صَامُوئِيل، فَقَدْ وُلِدَتْ أَيْضًا فِي مَدِينَة الْحَسَكَة، وَسْطَ عَائِلَةٍ كَبِيرَةٍ تَضُمُّ أَرْبَعَة صِبْيَانٍ وَثَلَاث فَتَيَاتٍ، فِي بَيْتٍ مَلِيءٍ بِالْمَحَبَّةِ وَالْإِيمَانِ. كَانَ وَالِدُهَا رَجُلًا عَطُوفًا، وَوَالِدَتُهَا مِثَالًا فِي الْحِكْمَةِ وَالْحَنَانِ. مُنْذُ طُفُولَتِهَا، كَانَتْ تَتَوَجَّهُ كُلَّ يَوْمِ أَحَدٍ إِلَى الْكَنِيسَة بِرِفْقَةِ عَائِلَتِهَا، تَتَعَلَّمُ الصَّلَاةَ وَالتَّرَاتِيلَ، وَتَعِيشُ حَيَاةً بَسِيطَةً هَادِئَةً يَغْمُرُهَا الْإِيمَانُ.


​دَرَسَتْ فِي مَدَارِس الرَّاهِبَاتِ، فَتَمَيَّزَتْ بِالْجِدِّ وَالْالْتِزَامِ، ثُمَّ الْتَحَقَتْ بـ مَعْهَدِ إِعْدَادِ الْمُعَلِّمِينَ فِي الْقَامِشْلِي وَتَخَرَّجَتْ عَامَ 1976. بَدَأَتْ مَسِيرَتُهَا الْعَمَلِيَّةُ فِي مَدْرَسَة الشَّهِيدِ خِضْر دَاوُود، ثُمَّ انْتَقَلَتْ إِلَى مَدْرَسَة الشَّهِيدِ نَاظِم الطَّبَقْجَلِي، وَبَعْدَهَا أَصْبَحَتْ مُعَاوِنَةَ أَمِينَةِ مَكْتَبَةٍ فِي ثَانَوِيَّة الطَّلِيعَة. ثُمَّ عُيِّنَتْ فِي مَدِينَة الْحَسَكَة لِتُدَرِّسَ مَادَّة الدِّيَانَةِ الْمَسِيحِيَّة فِي إِعْدَادِيَّة لِلْبَنَاتِ، حَيْثُ عُرِفَتْ بِإِخْلَاصِهَا وَأُسْلُوبِهَا التَّرْبَوِيِّ الْهَادِئِ. لَاحِقًا، وَبَعْدَ أَنْ رُسِمَ زَوْجُهَا كَاهِنًا، عَادَتْ إِلَى الْمَالِكِيَّة وَعَمِلَتْ أَمِينَةَ مَكْتَبَةٍ فِي ثَانَوِيَّة الْفُنُونِ حَتَّى تَقَاعُدِهَا. كَانَتْ تُحِبُّ مِهْنَتَهَا بِصِدْقٍ، وَتَقُولُ دَائِمًا: "بَيْنَ رُفُوفِ الْكُتُبِ كَانَتْ حَيَاتِي، أَقْرَأُ وَأَتَعَلَّمُ وَأَرَى فِي كُلِّ تِلْمِيذٍ صُورَةً مِنْ أَبْنَاءِ الرَّعِيَّة الَّذِينَ أَحَبَّهُمُ اللهُ."


​فِي عَامِ 1977، تَزَوَّجَتْ مِنَ ابْنِ عَمِّهَا أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو، بَعْدَ عِلَاقَةِ خُطُوبَةٍ امْتَدَّتْ سَنَةً وَنِصْفًا. تَقُولُ: "لَمْ يَجْذُبْنِي الْمَالُ وَلَا الْمَظَاهِرُ، بَلْ هُدُوؤُهُ وَثِقَتُهُ وَحُضُورُهُ النَّبِيلُ." وَبَعْدَ الزَّوَاجِ، رَزَقَهُمَا اللهُ بِثَلَاثَةِ أَبْنَاءٍ: رَابِي، تُودِي، وَأَكَادَ، وَكَانُوا زِينَتَهُمْ وَفَرَحَهُمُ الْأَكْبَرَ. انْتَقَلُوا لِلْعَيْشِ فِي الْحَسَكَة فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ، حَيْثُ عَمِلَ الْأَب أَفْرَام إِلَى جَانِبِ التَّعْلِيمِ كَمُحَاسِبٍ فِي مَكْتَبَةٍ، ثُمَّ افْتَتَحَ مَحَلًّا خَاصًّا بِهِ. هُنَاكَ، نَضَجَتْ فِي دَاخِلِهِ دَعْوَةُ الْكَهَنُوتِ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ، حَتَّى جَاءَهُ النِّدَاءُ رَسْمِيًّا مِنَ الْمَجْلِسِ الْمِلِّيِّ لِمَدِينَةِ الْمَالِكِيَّة، وَبِبَرَكَةِ صَاحِبِ النِّيَافَةِ مَار أُوسْتَاثِيُوس مَتَّى رُوهُم، لِيُرْسَمَ كَاهِنًا.


​تَرْوِي الْخُورِيَّة مَارِين أَنَّهَا فِي الْبِدَايَةِ رَفَضَتْ، لَكِنَّهَا رَضَخَتْ لَاحِقًا لِإِصْرَارِهِ، وَعَادُوا إِلَى مَدِينَةِ الْمَالِكِيَّة لِمُتَابَعَةِ حَيَاتِهِ الْكَهَنُوتِيَّةِ. سَاعَدَهُ اطِّلَاعُهُ وَمَعْرِفَتُهُ بِاللُّغَة السِّرْيَانِيَّة، إِضَافَةً إِلَى تَعْلِيمِ صَاحِبِ النِّيَافَةِ لَهُ الْأَلْحَانَ السِّرْيَانِيَّة حَتَّى أَتْقَنَهَا، وَقَدَّمَتْ الْخُورِيَّة شُكْرَهَا الدَّائِمَ لِصَاحِبِ النِّيَافَةِ عَلَى دَوْرِهِ الْأَبَوِيِّ فِي إِعْدَادِ زَوْجِهَا لِلْخِدْمَةِ الْكَهَنُوتِيَّةِ.


​كَانَ يَوْمُ رِسَامَتِهِ الْكَهَنُوتِيَّةِ مُنَاسَبَةً احْتِفَالِيَّةً كُبْرَى، حَضَرَهَا الْكَثِيرُونَ مِنَ الْحَسَكَة وَالْقَامِشْلِي وَالْمَالِكِيَّة. بَدَأَ الْأَب أَفْرَام جَوْلَتَهُ الرَّسُولِيَّةَ بِزِيَارَةِ جَمِيعِ أَبْنَاءِ الْمَدِينَةِ مِنْ مُخْتَلِفِ الطَّوَائِفِ، وَحَتَّى الَّذِينَ رَفَضُوا زِيَارَتَهُ، فَبِمَحَبَّتِهِ وَتَوَاضُعِهِ كَسَبَ قُلُوبَهُمْ. خَدَمَهُمْ مِنْ قَلْبِهِ، عَلَّمَهُمْ، سَاعَدَهُمْ، وَنَظَّمَ السَّهَرَاتِ الرُّوحِيَّة، مُرَدِّدًا دَوْمًا آيَةَ الْمَزْمُورِ الَّتِي أَحَبَّهَا:


​"لِأَنَّ غَيْرَةَ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي، وَتَعْيِيرَاتِ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ."

(مَز 69 : 9)


​تَمَيَّزَ الْأَب أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو بِخِدْمَتِهِ الْحَيَّةِ وَالدَّافِئَةِ، إِذْ كَانَ يُؤْمِنُ بِأَنَّ الْكَنِيسَةَ هِيَ بَيْتُ الْفَرَحِ وَالْإِيمَانِ، وَمَكَانُ اللِّقَاءِ بَيْنَ الْأَجْيَالِ. لِذَلِكَ أَطْلَقَ مُبَادَرَاتٍ عَدِيدَةً لِإِحْيَاءِ الرِّيسِيتَالَاتِ وَالسَّهَرَاتِ الرُّوحِيَّةِ الَّتِي جَمَعَتْ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالتَّرْتِيلِ وَالْمَسْرَحِ الرُّوحِيِّ، لِتَكُونَ وَسِيلَةً فَعَّالَةً فِي جَذْبِ الشَّبَابِ وَتَشْجِيعِهِمْ عَلَى الْمُشَارَكَةِ فِي حَيَاةِ الْكَنِيسَةِ.


​كَانَ يَخْتَارُ الْمَوَاضِيعَ بِعِنَايَةٍ لِتُلَامِسَ وَاقِعَ النَّاسِ وَتَغْرِسَ فِيهِمُ الرَّجَاءَ، وَيَمْنَحُ الشَّبَابَ مِسَاحَةً لِلتَّعْبِيرِ عَنْ إِيمَانِهِمْ بِطُرُقٍ فَنِّيَّةٍ رَاقِيَةٍ تُعَبِّرُ عَنْ عُمْقِ الرُّوحِ السِّرْيَانِيَّةِ وَجَمَالِهَا. وَمِنْ خِلَالِ هَذِهِ النَّشَاطَاتِ، بَرَزَتْ أَصْوَاتٌ شَبَابِيَّةٌ جَمِيلَةٌ مِثْلُ الْفَنَّانِ سَرْكُون كُورُو وَالْفَنَّانِ عَزِيز آدَمَ، اللَّذَيْنِ قَدَّمَا تَرَاتِيلَ مُمَيَّزَةً تَرَكَتْ أَثَرًا عَمِيقًا فِي نُفُوسِ الْحَاضِرِينَ.


​كَانَتْ تِلْكَ الْأُمْسِيَّاتُ تُقَامُ فِي أَجْوَاءٍ مَفْعَمَةٍ بِالْمَحَبَّةِ وَالْوَحْدَةِ، وَغَالِبًا مَا تُخْتَتَمُ بِالصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِهَا، فَتَحَوَّلَتْ مَعَ مُرُورِ الْوَقْتِ إِلَى رَابِطٍ رُوحِيٍّ وَاجْتِمَاعِيٍّ قَوِيٍّ بَيْنَ أَبْنَاءِ الرَّعِيَّة مِنْ مُخْتَلِفِ الْأَعْمَارِ، يَجْمَعُهُمُ الْفَرَحُ بِالْإِيمَانِ وَحُبِّ الْكَنِيسَةِ.

​وَبِفَضْلِ نَشَاطِهِ وَحِكْمَتِهِ وَطِيبِ مَحَبَّتِهِ، تَمَكَّنَ الْأَب أَفْرَام مِنْ إِعَادَةِ الْعَدِيدِ مِنَ الشَّبَابِ الَّذِينَ كَانُوا قَدِ ابْتَعَدُوا أَوْ تَوَجَّهُوا إِلَى الْكَنِيسَةِ الْإِنْجِيلِيَّةِ (كَنِيسَة الْإِخْوَة)، فَعَادُوا إِلَى أَحْضَانِ كَنِيسَتِهِمْ الْأُمِّ مِنْ خِلَالِ بَرَامِجِهِ الرُّوحِيَّةِ وَالْفَنِّيَّةِ الَّتِي أَعَادَتْ إِلَيْهِمُ الِانْتِمَاءَ وَالْفَرَحَ بِالْإِيمَانِ، فَكَانَتْ خِدْمَتُهُ جِسْرًا بَيْنَ الْأَجْيَالِ وَمَصْدَرَ وَحْدَةٍ رُوحِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ فِي مَدِينَةِ الْمَالِكِيَّة.


​كَمَا تَحَدَّثَتْ الْخُورِيَّة مَارِين عَنْ مَوَاقِفِهِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْعَمِيقَةِ، مُسْتَذْكِرَةً حَادِثَةً وَقَعَتْ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، حَوَالَيْ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ صَبَاحًا، حِينَ طَرَقَ بَابَهُمْ شَخْصَانِ جَاءَا مِنَ لُبْنَانَ طَلَبًا لِمُسَاعَدَةٍ عَاجِلَةٍ لِإِجْرَاءِ عَمَلِيَّةٍ جِرَاحِيَّةٍ حَرِجَةٍ. رَغْمَ خَشْيَتِهِمَا وَطَبِيعَةِ الْوَقْتِ الْمُتَأَخِّرِ، لَمْ يَتَرَدَّدْ الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو فِي تَقْدِيمِ مَبْلَغِ ثَلَاثِينَ أَلْفَ لِيرَةٍ لِمُسَاعَدَتِهِمَا، بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ لَهُمَا الشَّايَ أَوَّلًا. وَقَدْ أَعْرَبَتْ الْخُورِيَّة مَارِين عَنْ خَوْفِهَا وَسَأَلَتْ زَوْجَهَا كَيْفَ يُمْكِنُهُ مَنْحُ هَذَا الْمَبْلَغِ لِشَخْصَيْنِ لَا يَعْرِفُهُمَا، فَأَجَابَهَا بِبَسَاطَةٍ وَعُمْقٍ:

​"لَوْ لَمْ يَكُونُوا بِحَاجَةٍ لَمَا أَتَوْا إِلَيَّ بِهَذِهِ السَّاعَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ."


​خِلَالَ فَتْرَةِ إِقَامَتِهَا فِي مَدِينَةِ الْمَالِكِيَّة، انْضَمَّتْ إِلَى لَجْنَةِ السَّيِّدَاتِ لِدَعْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمُحْتَاجِينَ، وَعَمِلَتْ مَعَهُنَّ مُدَّةَ 11 سَنَةً مُتَوَاصِلَةً. كَانَتْ تِلْكَ مِنْ أَجْمَلِ وَأَعْمَقِ مَرَاحِلِ حَيَاتِهَا، كَمَا تَقُولُ: "تَعَلَّمْتُ مِنَ الْفَقْرِ أَكْثَرَ مِمَّا تَعَلَّمْتُ مِنَ الْكُتُبِ." كُنَّا نَزُورُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ عَائِلَةً فِي الْأَعْيَادِ، نَحْمِلُ لَهُمُ الْمُسَاعَدَاتِ الْمَالِيَّةَ وَالْمَلَابِسَ، وَنَطْمَئِنُّ عَلَى الْمَرْضَى، وَنَسْعَى لِتَأْمِينِ بِطَاقَاتِ مُعَايَنَةٍ مَجَّانِيَّةٍ مِنْ أَطِبَّاءَ مُحِبِّينَ لِلْخَيْرِ، مِثْلِ الدُّكْتُورِ آشُور وَالدُّكْتُورِ مَلْكِي وَغَيْرِهِمْ.


​وَكَانَ رَيْعُ نَشَاطَاتِ اللَّجْنَةِ يَأْتِي مِنَ الرِّحْلَاتِ وَالْحَفَلَاتِ الْخَيْرِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تُقِيمُهَا سَيِّدَاتُ الطَّائِفَةِ. كَانَتْ مَارِين تَرَى فِي كُلِّ عَمَلٍ خَيْرٍ رِسَالَةً رُوحِيَّةً أَكْثَرَ مِنْ وَاجِبٍ اجْتِمَاعِيٍّ، فَالْمَحَبَّةُ عِنْدَهَا فِعْلُ حَيَاةٍ لَا قَوْلٌ.


​فِي عَامِ 2011، سَافَرَتْ مَعَهُ إِلَى السُّوَيْدِ لِحُضُورِ زِفَافِ ابْنِهِمَا رَابِي. وَبَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُنَاسَبَةِ بَقِيَتْ هِيَ هُنَاكَ مَعَ أَوْلَادِهِمَا، بَيْنَمَا عَادَ هُوَ إِلَى كَنِيسَتِهِ فِي الْمَالِكِيَّة لِيُكْمِلَ خِدْمَتَهُ. خِلَالَ وُجُودِهِمَا فِي السُّوَيْدِ، وَاصَلَ التَّوَاصُلَ الْيَوْمِيَّ، وَكَانَتْ كَلِمَاتُهُ دَائِمًا مَلِيئَةً بِالْحَنِينِ لِلرَّعِيَّةِ وَالنَّاسِ وَالْكَنِيسَةِ الَّتِي أَحَبَّهَا أَكْثَرَ مِنْ نَفْسِهِ. وَخِلَالَ خِدْمَتِهِ هُنَاكَ، طَلَبَهُ الْمُؤْمِنُونَ فِي مَدِينَةِ فِيِسْتِرُوس السُّوَيْدِيَّة، حَيْثُ أَحَبَّ النَّاسُ وَعْظَهُ وَامْتَلَأَتْ الْكَنِيسَةُ بِالْمُصَلِّينَ. لَاحَظَ الْمُطْرَانُ عَبْدُ الْأَحَدِ شَابُو، مُطْرَانُ السُّوَيْدِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَثَرَ خِدْمَتِهِ، فَتَمَّتْ رِسَامَتُهُ بِدَرَجَةٍ كَهَنُوتِيَّةٍ جَدِيدَةٍ "أَب خُورِي"، فِي تِذْكَار الْقِدِّيسِ مَار أَفْرَام السِّرْيَانِيِّ الَّذِي صَادَفَ الذِّكْرَى 25 لِرِسَامَتِهِ كَاهِنًا. كَانَ يَخْدُمُ أَيْضًا فِي يُنْشُوبِينْك وَ أُورِبْرُو وَ إِسْكِلِسْتُونَا، يُقِيمُ الْقَدَادِيسَ مَتَى مَا احْتَاجَتْ الرَّعِيَّة، وَيَقُولُ دَائِمًا: "الْكَاهِنُ لَا يَخْتَارُ مَكَانَهُ، بَلْ يَخْدُمُ حَيْثُ يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ."


​لَكِنَّ الْحَيَاةَ، رَغْمَ جَمَالِهَا، لَا تَخْلُو مِنْ صَلِيبِهَا. أُصِيبَتْ الْخُورِيَّة مَارِين بِمَرَضِ الْعُضَالِ. حِينَ عَلِمَ بِذَلِكَ، تَرَكَ كُلَّ شَيْءٍ لِيَقِفَ بِجَانِبِهَا. كَانَتْ تَرَى فِيهِ صُورَةَ الْمَسِيحِ الْحَنُونِ الَّذِي يُوَاسِي الْمَرْضَى. خَفَّفَ عَنْهَا الْأَلَمَ، صَلَّى لِأَجْلِهَا، وَكَانَ يُرَدِّدُ: "كُلُّ أَلَمٍ يُشْفَى بِالْمَحَبَّةِ." وُجُودُ أَبْنَائِهِمَا حَوْلَهُمَا خَفَّفَ عَلَيْهِمَا وَطْأَة الْغُرْبَة قَلِيلًا، لَكِنَّهُ كَانَ دَائِمَ الْحُزْنِ لِابْتِعَادِهِ عَنْ كَنِيسَتِهِ. كَانَ يَقُولُ: "أَصْعَبُ شَيْءٍ عَلَيَّ أَنْ لَا أَكُونَ بَيْنَ شَعْبِي."


​وَبَعْدَ فَتْرَةٍ، ابْتَلَاهُ اللهُ هُوَ الْآخَرُ بِمَرَضٍ عُضَالٍ. أُدْخِلَ الْمَشْفَى لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَتْ تِلْكَ أَصْعَبَ أَيَّامِ حَيَاتِهِمْ. وَمَعَ ذَلِكَ، لَمْ يَتَأَفَّفْ، لَمْ يَشْتَكِ، بَلْ ظَلَّ قَوِيًّا، مُبْتَسِمًا، يَقُولُ دَائِمًا:


​"اتِّكَالِي عَلَى اللهِ."


​حَتَّى الطَّبِيبُ الْمُشْرِفُ سَأَلَهُ بِدَهْشَةٍ: "كَيْفَ لَازِلْتَ حَيًّا يَا أَبُونَا؟" فَأَجَابَ بِابْتِسَامَةٍ رَقِيقَةٍ: "لِأَنَّ اللهَ مَا زَالَ يُرِيدُنِي هُنَا."


​قَبْلَ رُقَادِهِ، زَارَهُ صَاحِبُ النِّيَافَةِ مَار يُوحَنَّا لَحْدُو بِصُحْبَةِ الْخُورِيِّ جُورْج، وَصَلَّوْا صَلَاةَ شِفَاءِ الْمَرْضَى، وَمَسَحَهُ بِالزَّيْتِ الْمُقَدَّسِ، وَقَالَ لَهُ الْمُطْرَانُ مُمَازِحًا: "عَرَفْتَنِي يَا أَبُونَا؟" فَضَحِكَ الْأَب أَفْرَام كَعَادَتِهِ، بِرُوحِهِ الطَّيِّبَةِ حَتَّى اللَّحْظَةِ الْأَخِيرَةِ. سَأَلَهُ الطَّبِيبُ عَنْ وَصِيَّتِهِ وَمَكَانِ دَفْنِهِ، فَقَالَ بِكُلِّ تَوَاضُعٍ:


​"أُرِيدُ أَنْ أُدْفَنَ فِي مَقْبَرَةِ الْغُرَبَاءِ، لَا فِي مَقْبَرَةِ الْكَهَنَةِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي النِّهَايَةِ تَحْتَ التُّرَابِ، مِثْلَ مُعَلِّمِي مَار أَفْرَام السِّرْيَانِيِّ."


​ثُمَّ أَوْصَى أَبْنَاءَهُ قَائِلًا:


​"افْعَلُوا مَا تَشَاءُونَ، لَكِنْ قَبْلَ أَيِّ شَيْءٍ، تَذَكَّرُوا أَنَّكُمْ أَبْنَاءُ عَائِلَةٍ طَيِّبَةٍ وَعَرِيقَةٍ. أَحِبُّوا بَعْضَكُمْ بَعْضًا، وَلَوْ تَخَاصَمْتُمْ لَا بَأْسَ، الْمُهِمُّ أَنْ تَبْقَى الْمَحَبَّةُ. وَلَا تَتْرُكُوا وَالِدَتَكُمْ، فَهِيَ أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِكُمْ."


​بَعْدَ رُقَادِهِ، غَصَّتْ الْكَنِيسَةُ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَاسْتَمَرَّتْ التَّعَازِي 3 أَيَّامٍ مُتَوَاصِلَةً. لَمْ تَبْكِهِ الرَّعِيَّةُ حُزْنًا فَقَطْ، بَلْ امْتِنَانًا، لِأَنَّهُمْ فَقَدُوا أَبًا رُوحِيًّا نَذَرَ نَفْسَهُ لِخِدْمَتِهِمْ. شَكَرَتْ الْخُورِيَّةُ صَاحِبَ النِّيَافَةِ مَار يُوحَنَّا لَحْدُو وَمَجْلِسَ كَنِيسَةِ إِسْكِلِسْتُونَا عَلَى رِعَايَتِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ، وَاحْتَضَنَ الْجَمِيعُ الْعَائِلَةَ بِحَنَانٍ يَلِيقُ بِخَادِمٍ رَحَلَ عَنْهُمْ جَسَدًا وَبَقِيَ رُوحًا.


​الْيَوْمَ، تَقُولُ الْخُورِيَّة مَارِين بِصَوْتٍ مَمْلُوءٍ حَنِينًا: "فَقَدْتُهُ زَوْجًا وَأَبًا وَرَفِيقًا، لَكِنِّي لَمْ أَفْقِدِ الْإِيمَانَ. أَعِيشُ بِالذِّكْرَى وَالصَّلَاةِ. كُلَّ يَوْمِ أَحَدٍ أَذْهَبُ إِلَى الْكَنِيسَةِ، أَجْلِسُ فِي الْمَقَاعِدِ الْخَلْفِيَّةِ، وَأَشْعُرُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ هُنَاكَ، يَبْتَسِمُ لِي مِنَ الْمَذْبَحِ." تَخْتِمُ حَدِيثَهَا قَائِلَةً: "عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ أَنْ تَحْتَضِنَ زَوْجَهَا وَتَمْنَحَهُ الِاسْتِقْرَارَ وَالْهُدُوءَ، فَالْعَائِلَةُ لَا تُبْنَى إِلَّا بِالْمَحَبَّةِ وَالتَّفَاهُمِ. وَمَا أَجْمَلَ أَنْ تَكُونَ الْمَحَبَّةُ صَلَاةً تُعَاشُ لَا تُقَالُ."


​وَهَكَذَا، تَبْقَى سِيرَةُ الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو نُورًا لَا يَنْطَفِئُ، وَذِكْرَى تَعْبَقُ بِالْإِيمَانِ وَالْعَطَاءِ، وَرَفِيقَةُ دَرْبِهِ الْخُورِيَّة مَارِين صَامُوئِيل شَاهِدَةً عَلَى حَيَاةٍ عَاشَاهَا فِي خِدْمَةِ اللهِ وَالْإِنْسَانِ، لِيَبْقَى اسْمَاهُمَا مَحْفُورَيْنِ فِي ذَاكِرَةِ الْكَنِيسَةِ وَالْقُلُوبِ.


​✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️


​رَسَائِلُ مَحَبَّةٍ وَوَفَاءٍ فِي ذِكْرَى الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو

​فِي حَيَاةِ الْكَنِيسَةِ، تَبْقَى الذِّكْرَيَاتُ أَكْثَرَ مِنْ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، فَهِيَ صَلَوَاتٌ تُكْتَبُ بِالْحَنِينِ وَوَفَاءٌ يُرْوَى عَلَى صَفَحَاتِ الْقَلْبِ.

هَكَذَا تَجَمَّعَتْ هَذِهِ الرَّسَائِلُ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ عَرَفُوا الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو عَنْ قُرْبٍ، رُفَقَاءِ الْمَذْبَحِ وَالْكَلِمَةِ، لِيَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهَا صَدًى رُوحِيٌّ وَعَاطِفِيٌّ يُضِيءُ ذِكْرَاهُ.


​✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️


​رِسَالَةُ صَاحِبِ النِّيَافَةِ

​مَار أُوسْتَاثِيُوس مَتَّى رُوهُم

​مُطْرَان الْجَزِيرَةِ وَالْفُرَاتِ


​فِيمَا يَسْتَعِدُّ النَّاشِطُ السِّرْيَانِيُّ الْحَاذِقُ الْأُسْتَاذُ مِيلَاد كُورْكِيس لِنَشْرِ سِيرَةِ الْمَرْحُومِ الْخُورِيِّ أَفْرَام جِلُّو، يَسْعَدُنِي أَنْ أُلَبِّيَ دَعْوَتَهُ بِكِتَابَةِ هَذِهِ الْأَسْطُرِ بِحَقِّ الرَّاحِلِ الْفَاضِلِ الْخُورِيِّ أَفْرَام جِلُّو.


​كَانَتْ الْمَالِكِيَّةُ بِحَاجَةٍ إِلَى كَاهِنٍ يُدَبِّرُ شُؤُونَ كَنِيسَةِ مَار دُودُو بَعْدَ أَنْ أُنْجِزَ بِنَاؤُهَا. فَرُشِّحَ الْمَجْلِسُ الْمِلِّيُّ الْمُعَلِّمَ أَفْرَام جِلُّو، أَخَا الدُّكْتُورِ يَعْقُوب جِلُّو، لِيَكُونَ كَاهِنًا. كَانَتْ مَعْرِفَتِي بِالدُّكْتُورِ يَعْقُوب جَيِّدَةً، وَلَكِنْ لَمْ أَعْرِفْ مِنْ قَبْلُ أَخَاهُ أَفْرَامَ الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُ فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ فِي مَدَارِسِ مَدِينَةِ الْحَسَكَة. فَطَلَبْتُ أَنْ يَأْتُونِي بِهِ لِلتَّعَرُّفِ عَلَيْهِ وَلِفَحْصِ مَعْلُومَاتِهِ الدِّينِيَّةِ وَالسِّرْيَانِيَّةِ.


​وَلَمَّا قَابَلْتُهُ سُرِرْتُ بِانْدِفَاعِهِ نَحْوَ الْخِدْمَةِ، وَبِحُضُورِهِ الشَّخْصِيِّ، وَثَقَافَتِهِ الْأَدَبِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ. وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنَ اللُّغَةِ السِّرْيَانِيَّةِ، وَلَا مِنْ طَقْسِ الْكَنِيسَةِ. وَلِئَلَّا تَخْسَرَ الْمَالِكِيَّةُ شَخْصًا لَهُ الْمُؤَهِّلَاتُ الْأَخْلَاقِيَّةُ وَالْأَدَبِيَّةُ لِيَكُونَ كَاهِنًا، رَأَيْتُ أَنْ أُرْسِلَهُ إِلَى دَيْرِ مَار كَبْرِئِيلَ فِي طُورْ عَبْدِينِ تُرْكِيَا لِيَتَعَلَّمَ طُقُوسَ الصَّلَوَاتِ وَالْخَدَمَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالْأَلْحَانِ الْكَنَسِيَّةِ.


​وَبِتَوْصِيَةٍ مِنِّي اسْتَقْبَلَ نِيَافَةُ مَار طِيمُوثَاوُس صَمُوئِيل أَقْطَاش الْمُعَلِّمَ أَفْرَام جِلُّو فِي دَيْرِ مَار كَبْرِئِيلَ، وَأَخْضَعَهُ لِدُرُوسٍ مُكَثَّفَةٍ مُدَّةَ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ إِلَى أَنْ تَمَكَّنَ الْمُعَلِّمُ أَفْرَام مِنْ أَنْ يُقِيمَ الْقُدَّاسَ وَبَقِيَّةَ الصَّلَوَاتِ وَالْخَدَمَاتِ الدِّينِيَّةِ. وَلَمَّا عَادَ إِلَى الْحَسَكَة، عَيَّنْتُ يَوْمًا لِرِسَامَتِهِ فِي كَنِيسَةِ مَار دُودُو فِي الْمَالِكِيَّة، فَذَهَبْتُ إِلَيْهَا وَرَسَمْتُهُ قِسِّيسًا فِي حَفْلٍ رُوحِيٍّ وَشَعْبِيٍّ.


​كَانَ الْأَب أَفْرَام جِلُّو حَرِيصًا عَلَى سُمْعَتِهِ الرُّوحِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ. إِنْ تَكَلَّمَ، اخْتَارَ عِبَارَتَهُ وَأَفْكَارَهُ بِدِقَّةٍ. وَإِنْ وَعَظَ، أَرْشَدَ بِلُطْفٍ مَنْ يَسْمَعُهُ. لَمْ يَتَوَانَ عَنْ حُضُورِ الصَّلَوَاتِ الْيَوْمِيَّةِ فِي أَوْقَاتِهَا. وَكَانَ قَدْ كَرَّسَ يَوْمًا فِي الْأُسْبُوعِ لِإِقَامَةِ سَهْرَةٍ رُوحِيَّةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ تَتَضَمَّنُ الْوَعْظَ الْإِنْجِيلِيَّ وَالْأَنَاشِيدَ الدِّينِيَّةَ.


​وَفِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، اعْتَرَضَ الْبَعْضُ عَلَى هَذِهِ السَّهْرَةِ الرُّوحِيَّةِ أَمَامِي، وَطَلَبُوا مِنِّي أَنْ أُوقِفَهَا. وَلَكِنِّي انْدَهَشْتُ لِطَلَبٍ ضَعِيفٍ كَهَذَا، فَقُلْتُ: عِوَضَ أَنْ تُشَجِّعُوا الْكَاهِنَ عَلَى هَذَا النَّشَاطِ الرُّوحِيِّ الْمُمْتَازِ، تَطْلُبُونَ أَنْ أُوقِفَ كَلَامَ اللهِ الَّذِي يُلْقَى بِلِسَانِهِ عَلَى مَسَامِعِ الْمُؤْمِنِينَ؟! أَثْنَيْتُ عَلَيْهِ وَطَلَبْتُ مِنْهُ الِاسْتِمْرَارَ بِالسَّهْرَةِ الرُّوحِيَّةِ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ رُوحِيٍّ لِفَائِدَةِ الْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا.


​وَبَعْدَ نُشُوبِ الْحَرْبِ الْأَهْلِيَّةِ فِي سُورِيَا، انْتَقَلَ الْأَب أَفْرَام جِلُّو إِلَى السُّوَيْدِ حَيْثُ اسْتَقَرَّ فِيهَا. وَرُسِمَ خُورِيًّا هُنَاكَ تَكْرِيمًا لِخِدْمَتِهِ الطَّوِيلَةِ فِي الْكَهَنُوتِ الْمُقَدَّسِ. وَفِي السُّوَيْدِ وَافَتْهُ الْمَنِيَّةُ بَعْدَ أَنْ خَدَمَ الْمَذْبَحَ الْمُقَدَّسَ لِمُدَّةِ ثَلَاثَةِ عُقُودٍ مِنَ الزَّمَنِ.

​رَحِمَهُ اللهُ وَكَافَأَهُ عَنْ أَتْعَابِهِ بِمَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَالْخُدَّامِ الصَّالِحِينَ.


​مَار أُوسْتَاثِيُوس مَتَّى رُوهُم

مُطْرَان الْجَزِيرَةِ وَالْفُرَاتِ

14.11.2025


​✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️


​رِسَالَةُ الْقِسِّيسِ جُوزِيف مُوسَى إِيلِيَا


​إِلَى أَخِي الْحَبِيبِ الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو،

​لَقَدْ كُنْتَ نُورًا فِي حَيَاتِنَا، وَإِيمَانُكَ الْعَمِيقُ كَانَ لَنَا مِثَالًا يُحْتَذَى بِهِ. كُنْتَ أَبًا وَرَفِيقًا وَصَدِيقًا، لَمْ تُهْمِلْ أَحَدًا، وَلَمْ تَتْرُكْ مَكَانًا إِلَّا وَأَضَأْتَ فِيهِ بِمَحَبَّتِكَ وَتَوَاضُعِكَ وَخِدْمَتِكَ. كُنْتَ تُعَلِّمُنَا أَنَّ الْكَهَنُوتَ لَيْسَ مَنْصِبًا، بَلْ حَيَاةً تُعَاشُ بِكُلِّ قَلْبٍ وَيَدٍ وَسُلُوكٍ.


​هَا أَنْتَ الْآنَ فِي حُضْنِ الْمَسِيحِ، لَكِنَّ رُوحَكَ بَاقِيَةٌ مَعَنَا، فِي صَلَوَاتِنَا، وَفِي الْكَنِيسَةِ، وَفِي قُلُوبِ كُلِّ مَنْ عَرَفَكَ. أَفْتَقِدُكَ، وَسَأَظَلُّ أَذْكُرُكَ دَوْمًا، شَاكِرًا اللهَ عَلَى نِعْمَةِ أَنْ عَرَفْتُكَ، وَأَنْ شَارَكْتَنِي جُزْءًا مِنْ حَيَاتِكَ الْمُبَارَكَةِ.


​سَلَامٌ لِرُوحِكَ أَيُّهَا الْخَادِمُ الْأَمِينُ، وَشُكْرٌ لِلرَّبِّ عَلَى حَيَاتِكَ الَّتِي أَضَاءَتْ طَرِيقَ كَثِيرِينَ.


​الْقِسِّيس جُوزِيف مُوسَى إِيلِيَا

14.11.2025


​✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️


​رِسَالَةُ الْقِسِّيسِ نَعِيم يُوسُف


​كَانَ الْأَب أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو أُسْتَاذِي فِي مَادَّةِ الدِّيَانَةِ فِي الْمَدْرَسَةِ، وَمُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ بَقِيَتْ صُورَتُهُ رَاسِخَةً فِي ذَاكِرَتِي كَإِنْسَانٍ طَيِّبٍ، لَطِيفٍ، وَاسِعِ الصَّدْرِ، يَعْرِفُ كَيْفَ يَحْتَوِي الْجَمِيعَ بِمَحَبَّةٍ وَهُدُوءٍ.

تَعَلَّمْتُ مِنْهُ أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، بَلْ أُسْلُوبُ حَيَاةٍ يُعَاشُ بِتَوَاضُعٍ وَصَبْرٍ.


​وَعَرَفْتُهُ أَيْضًا كَكَاهِنٍ فِي فَتْرَةِ خِدْمَتِهِ فِي الْمَالِكِيَّة، فَكَانَ مِثَالَ الرَّاعِي الْمُنْفَتِحِ عَلَى الْجَمِيعِ دُونَ تَعَصُّبٍ أَوْ تَمْيِيزٍ، يَخْدُمُ بِمَحَبَّةٍ صَادِقَةٍ وَرُوحٍ رَاقِيَةٍ.


​بَقِيتُ عَلَى تَوَاصُلٍ مَعَهُ حَتَّى قَبْلَ رَحِيلِهِ بِعِدَّةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَ حَدِيثُهُ دَائِمًا مَفْعَمًا بِالرَّجَاءِ وَالسَّلَامِ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يُوَدِّعُنَا بِصَمْتِهِ الْمَلِيءِ بِالْإِيمَانِ.


​ذِكْرَاهُ تَبْقَى عَطِرَةً فِي قَلْبِي، وَسِيرَتُهُ تَبْقَى دَرْسًا فِي الْبَسَاطَةِ وَالْخِدْمَةِ وَالْمَحَبَّةِ.


​الْقِسِّيس نَعِيم يُوسُف

14.11.2025


​✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️


​رِسَالَةٌ شَخْصِيَّةٌ مِنْ مِيلَاد كُورْكِيس

​صَاحِب مَشْرُوع: Memora 360


​إِلَى رُوحِ الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو،

أَقِفُ أَمَامَ ذِكْرَاكَ بِقَلْبِي مُمْتَلِئٍ بِالْإِجْلَالِ وَالْمَحَبَّةِ. كُنْتَ مِثَالًا لِلْخِدْمَةِ الصَّادِقَةِ، وَلِلْإِيمَانِ الَّذِي يُعَاشُ، وَلِلْحَنَانِ الَّذِي يُوَاسِينَا جَمِيعًا. لَمْ تَتْرُكْ أَثَرًا فِي الْكَنِيسَةِ فَحَسْبُ، بَلْ فِي الْقُلُوبِ أَيْضًا، فَقَدْ عَلَّمْتَنَا أَنَّ الْكَهَنُوتَ لَيْسَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، بَلْ حَيَاةٌ تُعَاشُ بِمَحَبَّةٍ وَصَبْرٍ وَتَوَاضُعٍ.


​إِلَى الْخُورِيَّة مَارِين صَامُوئِيل وَعَائِلَتِهَا الْكَرِيمَة،

أَرْفَعُ لَكُمْ خَالِصَ احْتِرَامِي وَمَحَبَّتِي الْعَمِيقَةِ. لَقَدْ كُنْتُمْ رَفِيقَةَ الدَّرْبِ وَالْأَبْنَاءُ زِينَةَ الْحَيَاةِ، وَكُنْتُمْ مِثَالًا حَيًّا عَلَى الْوَفَاءِ وَالتَّعَاوُنِ وَالصَّبْرِ. شُكْرًا لَكُمْ عَلَى مُشَارَكَتِكُمُ الْحَيَاةَ مَعَ الْأَب أَفْرَام، وَعَلَى مَا قَدَّمْتُمُوهُ مِنْ حُبٍّ وَعَطَاءٍ وَإِيمَانٍ.


​لِيَكُنْ هَذَا الْفُقْدَانُ جِسْرًا لِتَعْمِيقِ الرَّجَاءِ، وَلِتَسْتَمِرَّ ذِكْرَاهُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ كُلِّ مَنْ أَحَبَّهُ، مُحَاطًا بِالصَّلَاةِ وَالْمَحَبَّةِ.

سَلَامٌ وَمَحَبَّةٌ وَرَحْمَةُ اللهِ تَبْقَى مَعَكُمْ دَائِمًا.


​✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️


​إِنَّ سِيرَةَ الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو وَالْخُورِيَّة مَارِين صَامُوئِيل تَظَلُّ شَهَادَةً حَيَّةً عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، بَلْ حَيَاةٌ تُعَاشُ بِمَحَبَّةٍ وَصَبْرٍ وَتَوَاضُعٍ. لَقَدْ جَسَّدَا مَعًا مَعْنَى الْخِدْمَةِ بِلَا حُدُودٍ، وَالْوَفَاءِ لِلْعَائِلَةِ وَالْكَنِيسَةِ وَالْمُجْتَمَعِ، وَعَلَّمَا مَنْ حَوْلَهُمَا أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ صَالِحٍ هُوَ صَلَاةٌ، وَكُلَّ لَحْظَةِ عَطَاءٍ هِيَ بَذْرَةُ نُورٍ فِي حَيَاةِ الْآخَرِينَ.


​تَظَلُّ ذِكْرَاهُمَا مَحْفُورَةً فِي الْقُلُوبِ، مُلْهِمَةً لِكُلِّ مَنْ يَسْعَى لِأَنْ يَعِيشَ حَيَاتَهُ بِإِيمَانٍ حَقِيقِيٍّ وَعَطَاءٍ مُسْتَمِرٍّ. وَتَبْقَى رَسَائِلُهُمَا، وَأَثَرُهُمَا الرُّوحِيُّ، وَجَمِيلُ ذِكْرَاهُمَا مَنَارَةً تُضِيءُ دُرُوبَ الْمَحَبَّةِ وَالْإِخْلَاصِ لِلْأَجْيَالِ الْقَادِمَةِ، لِتَبْقَى مِثَالًا خَالِدًا عَلَى التَّوَاضُعِ، وَالْوَفَاءِ، وَحَيَاةٍ مُكَرَّسَةٍ لِخِدْمَةِ اللهِ وَالْإِنْسَانِ.


​#الْأَبُ_أَفْرَامُ_كُورِيَّه_جِلُّو #الْخُورِيَّةُ_مَارِينُ_صَامُوئِيل #سِيرَةُ_حَيَاةٍ #خِدْمَةُ_اللهِ #الْإِيمَانُ_وَالْعَطَاءُ #ذِكْرَيَاتُ_كَنِيسَةٍ #الْمَحَبَّةُ_وَالْوَفَاءُ #الْكَنِيسَةُ_السِّرْيَانِيَّةُ #رِسَالَةٌ_رُوحِيَّةٌ #تَارِيخُ_الْكَنِيسَةِ #حَيَاةٌ_مُبَارَكَةٌ #خِدْمَةُ_الرَّعِيَّةِ #عَطَاءٌ_وَوَفَاءٌ #ذِكْرَى_خَالِدَةٌ #Memora360 #mxr #milad_korkis

Wednesday, November 12, 2025

Lebensgeschichte des pädagogischen Beraters und Erziehers der Generationen : Gaby Afram

 Lebensgeschichte des pädagogischen Beraters und Erziehers der Generationen : Gaby Afram 


Verfasst von : Milad Korkis 

Inhaber des Projektes : Memora 360 - German 


Die Lebensgeschichte von Herrn Gaby Afram ist nicht nur die Erzählung eines Lehrers, der sein Leben zwischen den Mauern der Schule verbrachte.

Sie ist die Geschichte eines Menschen, der Bildung zu seiner Lebensaufgabe und zu einem Werkzeug für den Aufbau einer ganzen Nation gemacht hat.

Es ist die Biografie eines Mannes, der daran glaubte, dass der Lehrer kein Beamter ist, sondern der Erbauer der Generationen und der Hüter der Werte – jemand, der die Samen des Bewusstseins und der Zugehörigkeit zugleich in Köpfe und Herzen pflanzt.


Gaby Afram wurde 1958 im Dorf al-Jisr, bekannt als Barka, geboren, in einer großen Familie mit drei Söhnen und sechs Töchtern.

In diesem einfachen ländlichen Haus, in dem das Radio das Fenster der Familie zur Welt war, wuchs er mit Liebe, Respekt und Zusammenhalt auf.

Die familiären Abende waren eine Schule der Werte, in der er lernte, dass Moral die Grundlage der Stärke und Demut der Weg zum Respekt ist.


Er beendete die Grundschule in seinem Dorf und wechselte dann in die Stadt Dêrîk (al-Malikiyah), um dort die Mittel- und Oberschule an der „Yusuf al-Azma Schule“ zu besuchen.

Dort, in der siebten Klasse, kam der Wendepunkt seines Lebens: Seine Antworten in einem Arabischtest erregten die Aufmerksamkeit seines Lehrers, der lächelnd sagte: „Wie der Mond.“ Einer seiner Verwandten scherzte: „Dann mach ihn wie die Sonne!“

Dieser einfache Satz hinterließ einen tiefen Eindruck in ihm und entfachte seine Leidenschaft für die arabische Sprache – die fortan seine Lebensaufgabe wurde.


1976 erwarb er das Abitur im geisteswissenschaftlichen Zweig und schrieb sich anschließend an der Universität Aleppo in der Fakultät für Literatur, Fachrichtung Arabisch, ein.

Aus persönlichen Gründen konnte er sein Studium dort jedoch nicht abschließen und kehrte nach Dêrîk zurück, wo er 1978 am Lehrerbildungsinstitut begann und 1980 erfolgreich abschloss – der Beginn seines beruflichen Weges in der Pädagogik.


Er begann seine Arbeit im Schuljahr 1980–1981 an der Dorfschule, dann wechselte er nach Dêrîk, wo er im Schuljahr 1981–1982 als Klassenlehrer tätig war.

Am 16. August 1982 trat er seinen Militärdienst an, den er am 6. März 1986 beendete. Danach kehrte er mit noch größerem Eifer und tieferem Glauben an seine pädagogische Mission zurück.


Er wurde als pädagogischer Betreuer an der Yusuf-al-Azma-Schule für zwei Jahre eingesetzt, dann zehn Jahre lang Direktor der Rafaat-al-Haj-Sari-Schule (1988–1998). Anschließend kehrte er in die pädagogische Aufsicht zurück und blieb dort vierzehn Jahre bis Ende 2013, als er nach dreiunddreißig Jahren voller Hingabe in den Ruhestand ging.


Diese Jahre waren reich an Erfahrungen und Herausforderungen. Sein Wechsel zwischen Unterricht, Verwaltung und pädagogischer Leitung verlieh ihm umfassende Kenntnisse in allen Bereichen der Bildung.

Er begegnete vielen Schwierigkeiten, doch er glaubte stets daran, dass Weisheit und Ruhe der Weg zur Lösung jedes Problems seien.

Er war bekannt für seine Ausgeglichenheit und Gerechtigkeit und benötigte nie die Vermittlung anderer zur Lösung von Konflikten.


Er nahm an zahlreichen Schulungen und Diskussionen über die Entwicklung der Lehrpläne teil und arbeitete mit Kollegen an Sommerkursen zur Weiterbildung der Lehrkräfte.

Für ihn war das größte Erfolgserlebnis, einem seiner ehemaligen Schüler nach Jahren zu begegnen – nun als Arzt, Ingenieur oder Lehrer – und zu wissen, dass seine Mühe nicht vergebens war.


Seine Erfolge waren die Früchte vieler Jahre der Treue und Hingabe.

Er war nicht nur ein Lehrer, der seine Pflicht erfüllte, sondern ein wahrer Erzieher und herausragender pädagogischer Leiter, der in jeder Schule und in jeder Generation Spuren hinterließ.

In jeder Position – im Unterricht, in der Verwaltung oder in der Leitung – war er ein Vorbild an Disziplin, Respekt und Aufrichtigkeit.


Er verstand es, die Schule zu einem Haus des Wissens und der Liebe zu machen und seinen Kollegen und Schülern den Glauben zu vermitteln, dass Lehren eine Berufung ist, keine bloße Arbeit.


Er zeichnete sich durch eine klare Vision zur Weiterentwicklung des Bildungsprozesses aus.

Er beteiligte sich an der Diskussion neuer Lehrpläne im Provinzzentrum und organisierte Schulungen für Lehrer, im festen Glauben, dass ein Pädagoge ständig lernen muss, um geben zu können.

Doch seine größten Errungenschaften lagen nicht in Ämtern oder Dokumenten, sondern im Menschen selbst – in den Früchten seiner Arbeit, seinen Schülern, die zu Trägern von Wissen und Kultur wurden.


Sein Name bleibt im Gedächtnis seiner Landsleute und Kollegen, denn er vereinte Wissen und Moral, Führung und Bescheidenheit, Strenge und Gerechtigkeit.

Er war der Lehrer, dem alle aufmerksam zuhörten, wenn er sprach, und dessen Rat die Herzen erreichte, noch bevor er den Verstand berührte.

Er hinterließ Spuren, die unauslöschlich sind – sein Name wurde zum Synonym für den erfolgreichen Lehrer, Erzieher und Mentor, der die Botschaft der Bildung mit Glauben und Verantwortung trug.


Sein Kollege Abdulkarim Rasul (Fotograf) sagte über ihn:


 „Herr Gaby Afram arbeitete fast sein ganzes Leben im Bereich Bildung und pädagogische Aufsicht.

Er war ein vorbildlicher Pädagoge, sowohl in seinem Beruf als auch in seinem sozialen Umfeld.

Er war im Bildungswesen wie auch in der Gesellschaft hochgeschätzt. Seine Leidenschaft und Energie für die Arbeit waren beeindruckend.

Er war eine beliebte Persönlichkeit, die Respekt durch Freundlichkeit und nicht durch Amtstitel erlangte.

Seine Moral war wie ein heilender Balsam – er gewann Herzen durch Liebe, nicht durch Autorität.

Im Namen meiner Seite ‚Erinnerung an Dêrîk und seine Umgebung‘ und im Namen aller Lehrer, die ihn kannten, betrachten wir unsere Liebe zu ihm als die größte Auszeichnung, die wir ihm anheften. Wir wünschen ihm Gesundheit und Erfolg.“


Auch der Pädagoge Sabry Haido bezeugte:


 „Herr Gaby Afram stammt aus einer gebildeten Familie, ist ein aufrichtiger Mensch in seiner Arbeit, beliebt in der Gesellschaft und hat hervorragende Spuren im Leben der Menschen von al-Malikiyah hinterlassen.“


Ebenso sprach Dara Ahmad voller Wertschätzung über ihn:


 „Der geschätzte Pädagoge und Mentor Kbro Afram (Gaby Afram) ist die leuchtende Kerze, die sich selbst opfert, um den anderen Wege des Wissens, der Erziehung, der Liebe und der Harmonie zu erhellen.

Zwischen uns bestand – und besteht – eine aufrichtige brüderliche Bindung, als wären wir aus einer Familie.

Unsere Beziehung beruhte stets auf gegenseitigem Respekt, Ehrlichkeit und Aufrichtigkeit, ohne jegliches Eigeninteresse.

Dieser Mensch gewann die Liebe aller, die mit ihm in Kontakt kamen, und besaß eine außergewöhnliche Fähigkeit, durch seine edle Moral Freundschaften mit Menschen verschiedenster Herkunft zu schließen.

Er verkörperte in seiner Person alle edlen menschlichen Werte.

Das Leben trennte uns räumlich, doch wir blieben in geistiger und moralischer Verbundenheit.

Ich wünsche ihm Gesundheit, Frieden und ein langes Leben für ihn und seine Familie.“


Auch viele weitere seiner Kollegen und Schüler sagten über ihn:


 „Herr Gaby Afram war ein erfolgreicher Lehrer, ein herausragender Direktor und ein ehrlicher pädagogischer Mentor – ein Mann mit einer edlen und aufrichtigen Bildungsbotschaft.

Er zögerte nie, sein Wissen, seine Zeit oder seine Liebe zu teilen. Er war ein wahres Vorbild für alle, die mit ihm arbeiteten oder von ihm lernten.“


Nach fünfundfünfzig Jahren verließ er schließlich seine Heimat – im Herzen die Erinnerungen, Stimmen und die Wärme seines Landes.

Er pflegte zu sagen:


 „Der Mensch sollte überall und zu jeder Zeit eine positive Spur hinterlassen, denn das Vaterland ist nicht nur das Land selbst – es ist Land, Volk und Kultur zugleich.“


Ich, Milad Korkis, möchte meine tiefe Bewunderung und Dankbarkeit für diesen ehrenwerten Erzieher ausdrücken.

Diese Biografie ist nicht bloß eine Erzählung, sondern ein Fenster zu einer schönen Zeit, in der der Lehrer ein Symbol für Hingabe, Vorbild und Verantwortung war.

Es war richtig, mit seiner Geschichte zu beginnen – mit der eines Mannes, der sein Leben dem Aufbau von Generationen widmete und den Weg anderer mit Geduld, Arbeit und grenzenloser Liebe erhellte.


Was Herr Gaby Afram und Menschen seinesgleichen der Gesellschaft schenkten, ist ein bleibendes pädagogisches und menschliches Erbe, das den kommenden Generationen zeigen sollte, dass Bildung einst – und noch immer – das schönste Gesicht des Vaterlandes ist.


Ich richte ein aufrichtiges Wort des Dankes an ihn und an alle Lehrerinnen und Lehrer, die ihre Zeit und ihr Herz ohne Zögern gaben – als Zeichen des Respekts für ihre Opfer, ihre Geduld und die Würde ihrer Mission.

Ihr seid es, die den Menschen geformt


#Gaby_Afram #Erzieher_der_Generationen #Memory_of_Derik #Derik_AlMalikiyah #Lehrer_als_Baumeister #Bildung_als_Berufung #Lehren_und_Werte #Memora360 #Milad_Korkis #ميلاد_كوركيس

سيرة حياة الموجّه التربوي ومربي الأجيال الأستاذ كابي أفرام

 سيرة حياة الموجّه التربوي ومربي الأجيال الأستاذ كابي أفرام


إعداد : ميلاد كوركيس 

 صاحب مشروع : Memora 360 - Arabic


ليست سيرة الأستاذ كابي أفرام مجرد حكاية معلمٍ قضى عمره بين الجدران المدرسية، بل هي حكاية إنسانٍ جعل من التعليم رسالة عمرٍ ووسيلة بناء وطنٍ بأكمله. إنها سيرة رجلٍ آمن بأن المعلم ليس موظفًا، بل باني الأجيال وحارس القيم، الذي يزرع بذور الوعي والانتماء في العقول والقلوب معًا.


وُلد كابي أفرام عام 1958 في قرية الجسر، المعروفة باسم بركة، وسط أسرةٍ كبيرة تضم ثلاثة أولاد وست بنات. في ذلك البيت الريفي البسيط، حيث الراديو نافذة العائلة على العالم، تربّى على المحبة والاحترام والتعاون. كانت السهرات العائلية آنذاك مدرسةً في القيم، ومنها تعلم أن الأخلاق أساس القوّة، وأن التواضع سبيل الاحترام.


أكمل المرحلة الابتدائية في قريته، ثم انتقل إلى مدينة ديريك (المالكية) لمتابعة دراسته الإعدادية والثانوية في ثانوية الشهيد يوسف العظمة. هناك، وفي الصف السابع تحديدًا، كانت نقطة التحول التي غيّرت مسار حياته. إذ لفتت إجاباته في اختبار اللغة العربية نظر معلمه، فقال عنه مبتسمًا: “مثل القمر”، فرد أحد أقاربه ممازحًا: “إذاً اجعله مثل الشمس.”

تلك الجملة البسيطة تركت أثراً عميقاً في نفسه، وأيقظت شغفه باللغة العربية، ليقرر أن يجعلها رسالة عمره.


نال الشهادة الثانوية الفرع الأدبي عام 1976، ثم التحق بـكلية الآداب قسم اللغة العربية بجامعة حلب، لكنه لم يتمكن من إكمال دراسته لأسباب خاصة، فعاد إلى ديريك والتحق بـمعهد إعداد المدرسين عام 1978 وتخرج عام 1980، ليبدأ رحلته العملية في حقل التربية والتعليم.


بدأ عمله في مدرسة القرية عام 1980 – 1981، ثم انتقل إلى مدينة ديريك ليعمل معلم صف عام 1981 – 1982. وفي 16 آب 1982 التحق بـخدمة العلم التي استمرت حتى 6 آذار 1986. بعد إنهاء خدمته العسكرية، عاد إلى ميادين التعليم بعزيمةٍ أكبر وإيمانٍ أعمق برسالته.


عُيّن موجهاً تربوياً في ثانوية يوسف العظمة لمدة سنتين، ثم أصبح مديراً لمدرسة الشهيد رفعت الحاج سري لمدة عشر سنوات (1988–1998)، ليعود بعدها إلى التوجيه التربوي ويستمر فيه أربعة عشر عاماً حتى نهاية عام 2013، حين قدّم استقالته بعد ثلاثةٍ وثلاثين عاماً من العطاء.


كانت سنواته تلك حافلةً بالتجارب والتحديات. تنقله بين التعليم والإدارة والتوجيه أكسبه خبرة شاملة في جميع جوانب العمل التربوي. واجه صعوبات كثيرة، لكنه كان يؤمن أن الحكمة والهدوء طريق الحل لكل مشكلة. لم يُعرف عنه أنه احتاج يوماً لتدخل أحدٍ لحل خلاف، فقد كان العقل والعدالة رفيقيه الدائمين.


شارك في العديد من الدورات التدريبية والنقاشات حول تطوير المناهج التعليمية، وساهم مع زملائه في إقامة دورات صيفية لتأهيل المعلمين في المنطقة. وكان يرى أن أعظم إنجاز يمكن أن يحققه المعلم هو أن يلتقي بأحد تلاميذه بعد عقود وقد أصبح طبيباً أو مهندساً أو معلماً بدوره، فيشعر عندها بأن جهده لم يذهب سدى.


كانت إنجازاته ثمرة سنوات طويلة من الإخلاص والتفاني، فلم يكن مجرد معلم يؤدي واجبه الوظيفي، بل مربي أجيال ناجح وموجه تربوي متميز، ترك بصمته في كل مدرسةٍ مرّ بها وكل جيلٍ تتلمذ على يديه. في كل موقع عمل فيه، سواء في الصف أو في الإدارة أو في التوجيه، كان نموذجاً في الانضباط والاحترام والإخلاص.


نجح في أن يجعل من المدرسة بيتاً للعلم والمحبة، وأن يغرس في نفوس زملائه وتلاميذه الإيمان بأن التعليم رسالة لا وظيفة.


تميّز برؤيته الواضحة حول أهمية تطوير العملية التربوية، فشارك في مناقشة المناهج التعليمية الجديدة في مركز المحافظة، وأسهم في إقامة دورات تدريبية للمعلمين، مؤمناً بأن المربي يحتاج دوماً إلى التعلم ليبقى قادراً على العطاء. لكن أعظم إنجازاته لم تكن في المناصب أو الأوراق، بل في الإنسان نفسه؛ في تلك الثمار التي نضجت على يديه من تلاميذه الذين صاروا رجال علمٍ ومعرفة.


لقد خلد اسمه في ذاكرة أبناء وطنه ورفاقه في سلك التعليم لأنه جمع بين العلم والأخلاق، القيادة والتواضع، الصرامة والإنصاف. كان المعلم الذي إذا تكلم أصغى الجميع، وإذا وجّه نصيحة وصلت إلى القلوب قبل العقول. ترك أثراً لا يُمحى في نفوس من عرفوه، حتى صار اسمه مرادفاً للمعلم والمربي والموجّه الناجح الذي حمل رسالة التعليم بإيمانٍ ومسؤولية.


وقد شهد له زميله، الأستاذ عبدالكريم رسول (المصور)، قائلاً:


 "عمل الأستاذ كابي أفرام جل عمره في حقل التربية والتعليم بالتوجيه التربوي، وكان نموذجاً يُحتذى به في عمله التربوي والاجتماعي. تميز بحبه من قبل الوسطين التربوي والاجتماعي، وكنت ألاحظ قوة اندفاعه وحبه الشديد للعمل التربوي، فقد كان ذا شخصية محبوبة يفرض احترامه بالمودة لا بالمنصب. أخلاقه كانت كالبلسم الشافي، يفرض شخصيته على الجميع بمحبة لا بفرضٍ وظيفي. باسم صفحتي 'ذاكرة ديريك وريفها' وباسم جميع المعلمين والمعلمات الذين عرفوه، نحسب محبتنا له أكبر وسامٍ نعلقه على صدره، ونتمنى له كل الصحة والتوفيق."


كما شهد له الأستاذ والمربي صبري حيدو قائلاً:


 "الأستاذ كابي أفرام من عائلة مثقفة، وإنسان مخلص بعمله، محبوب من المجتمع، وله بصمات ممتازة في مجتمع المالكية."


كما عبّر الأستاذ دارا أحمد عن تقديره قائلاً:


 "القدير المربي التربوي الموجّه كبرو أفرام (كابي أفرام) هو الشمعة المتقدة التي تفدي بذاتها لتضيء للآخرين دروب العلم والتربية والمحبة والوئام.

الفاضل الذي كانت تربطني به، ولا زالت، رابطة أخوية صادقة وكأننا من أسرةٍ واحدة.

كانت علاقاتنا مبنية على الاحترام المتبادل بكل صدق وأمانة دون أي مواربة أو مصلحة حتى هذه اللحظة.

هذا الإنسان نال محبة كل من عاشره، وكانت له قدرة فائقة على كسب الصداقات من مختلف المكونات بفضل أخلاقه الرفيعة.

جسّد في ذاته جُل الصفات الإنسانية القيّمة. فرّقتنا الظروف، لكننا ما زلنا على تواصلٍ روحي وأخلاقي نبيل.

أسأل الله له الصحة والسلامة وطول البقاء له ولذويه."


كما شهد له العديد من زملائه ومعلميه قائلين:


 "كان الأستاذ كابي أفرام معلماً ناجحاً، ومديراً متميزاً، وموجهاً تربوياً صادقاً، صاحب رسالة تعليم نبيلة وصادقة. لم يبخل يوماً بعلمه أو وقته أو محبته، وكان نموذجاً يُحتذى به لكل من عمل معه أو تتلمذ على يديه."


غادر وطنه بعد خمسٍ وخمسين سنة قضاها هناك، حاملاً معه كل تفاصيله وأصواته ودفئه. وكان يقول دوماً:


 “على الإنسان أن يترك أثراً إيجابياً في كل مكانٍ وزمانٍ يعيش فيه، فالوطن ليس أرضاً فحسب، بل هو الأرض والشعب والثقافة.”


يسرّني، أنا ميلاد كوركيس، أن أعبّر عن عميق امتناني وإعجابي بسيرة هذا المربي الفاضل. لم تكن هذه السيرة مجرد كلمات تُروى، بل نافذة على زمنٍ جميلٍ تجسّد فيه المعلم كرمزٍ للعطاء والقدوة والمسؤولية. كانت البداية معه، لأنها بداية تليق برجلٍ وهب عمره لبناء الأجيال، وأضاء طريق غيره بجهده وصبره ومحبةٍ لا تعرف حدوداً.


إن ما قدمه الأستاذ كابي وأمثاله من المربين الشرفاء هو إرث تربوي وإنساني خالد، يستحق أن يُروى للأجيال القادمة كي تعرف أن التعليم كان، ولا يزال، أجمل وجوه الوطن.


أتوجه إليه، وإلى كل من يشبهه من المعلمين والمعلمات الذين لم يبخلوا بوقتهم ولا بقلوبهم، بكلمة شكرٍ صادقة من القلب تقديراً لتضحياتهم وصبرهم ونبل رسالتهم. أنتم من صنعتم الإنسان قبل أن تنشئوا الأجيال، ومنكم تعلمنا أن الوفاء للمهنة هو وفاءٌ للوطن نفسه.


ويبقى المعلم، مهما تغيّرت الأزمنة، هو النور الأول في دروب المعرفة، يزرع الأمل في عقولٍ صغيرة لتصنع غدًا أكبر.

وكابي أفرام واحدٌ من أولئك الذين مرّوا بصمت، لكن آثارهم بقيت ناطقة في ذاكرة الوطن.


#كابي_أفرام #مربي_الأجيال #ذاكرة_ديريك_وريفها #المعلم_باني_الأجيال #التربية_رسالة #تعليم_وقيم #Memora360 #mxr #milad_korkis #ميلاد_كوركيس

Wednesday, November 5, 2025

أحمد طايل … حين تمشي الحكايات على خط الذاكرة

 أحمد طايل … حين تمشي الحكايات على خط الذاكرة


 إعداد : ميلاد كوركيس

صاحب مشروع «شخصيات صنعت ذاكرة الوطن»



وُلد أحمد طايل في يوليو عام 1956 في قريةٍ ريفيةٍ هادئةٍ تتوسّد الخُضرة وتغفو على ضفاف الحكايات. كانت القريةُ في تلك الأيام تشبه كتابًا مفتوحًا على الحياة، لا تخلو صفحاته من ضحكات النسوة على العتبات، ولا من أحاديث الرجال المتعبة آخر النهار. هناك، وسط رائحة الطين ونقاء الترع وصوت المؤذن، بدأت أولى خيوط الحكاية التي ستنسج على مهلٍ مسيرة رجلٍ جعل من الكلمة قدرًا ومأوى.


كان الطفل الصغير يجلس إلى جوار والده رحمه الله، يستمع بشغفٍ إلى قصص الأنبياء والرسل وحكايات العظماء. لم يكن يدرك أن تلك الجلسات البسيطة كانت تبذر في أعماقه حب الحكاية، وأن الصحف والمجلات التي كانت تصل إلى البيت ستفتح له نوافذ على عوالم بعيدة. في حدود الثامنة من عمره، بدأت تتضح ملامح شغفه بالقراءة، فكان يقرأ ما تقع عليه يداه، من مجلات الأطفال إلى القصص البوليسية، حتى بلغ سن المراهقة وقد صارت القراءة له عادةً وسلوكًا يوميًا لا ينفك عنه.



لم تخلُ طفولته من إشارات مبكرة على موهبةٍ فطرية. فقد كان متميزًا في موضوعات التعبير، يكتبها وكأنه يرسم صورًا بالكلمات، حتى أن أساتذته أشادوا به وفتحوا له أبواب التشجيع. كان معلم اللغة العربية على وجه الخصوص أول من تنبّه إلى نضوج هذا الفتى، فآمن به ووجهه نحو الكتابة الواعية، فغرس في قلبه يقينًا بأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تُحدث أثرًا لا يُمحى.

ولأن القرية كانت مصدر الحكايات التي لا تنتهي، فقد أخذ عنها خفة السخرية وعمق البساطة، وتعلّم أن الناس حين يضحكون إنما يخفون وجعهم. تلك المفارقة العجيبة بين الحزن والبهجة ظلّت تسكن كتاباته إلى اليوم، تمنحها نكهةً إنسانية لا تخطئها عين القارئ.



ومع مرور الأيام، مضى الفتى في دراسته حتى التحق بالعمل المصرفي، ليقضي أكثر من أربعة عقودٍ بين الأرقام والجداول والحسابات. غير أن العالم الرقمي الصارم لم يُطفئ جذوة الأدب في داخله، بل زادها انضباطًا وتأملًا. كان يرى في دقة الأرقام ما يشبه دقة الفكرة، وفي صرامة الحساب ما يشبه التزام الكاتب بمنطقه الفني. فصار العمل عنده وسيلة لتأمل الإنسان والحياة، لا حاجزًا يحول بينه وبين الإبداع. تعلم أن الانضباط لا يقتل الحلم، بل يجعله أكثر وضوحًا، وأن الكاتب حين يحترم النظام في حياته، يستطيع أن يحترم عقل قارئه فيما يكتب.



بدأت رحلته الإبداعية في أواخر الثمانينات، عندما شرع في كتابة المقالات بالصحف الإقليمية، يعبّر فيها عن ملاحظاته على المجتمع بلغةٍ ساخرةٍ رشيقة، لا تخلو من حكمةٍ ومعنى. ثم وجد نفسه ينجذب إلى عالم الحوار الأدبي، فراح يجري لقاءاتٍ مع كبار الكتّاب والكاتبات في مصر والعالم العربي، ليصنع من كل حوار لوحة فكرية نابضة بالأسئلة والرؤى. لم يكن الحوار عنده سؤالًا وجوابًا فحسب، بل كان غوصًا في أعماق الإنسان الكاتب، وقراءةً في بصيرته لا في سيرته.


وحين جاء وقت التقاعد، تحوّل الانشغال الطويل بالعمل إلى فراغٍ ملهمٍ دفعه نحو الرواية. فكتب، وأبدع، ونشر، حتى صار له في المكتبة العربية حضورٌ واضح. صدرت له أعمال عديدة حملت بصمته الخاصة، منها كتب الحوارات «على أجنحة أفكارهم» و«شواطئ إبداعية»، وعدد من الروايات التي تتراوح بين الواقعية والرمزية مثل «الوقوف على عتبات الأمس»، «متتالية حياة»، «المتشابهون»، «شيء من بعيد ناداني»، «رأس مملوء حكايات»، و«أيام بعيدة جدًا».



كانت روايته «المتشابهون» علامةً فارقة في مسيرته، إذ فازت بجائزة ناجي نعمان اللبنانية التي تنافس فيها أكثر من أربعة آلاف كاتب من مئةٍ وستٍ وتسعين دولة، وهي شهادةٌ على عمق موهبته وقدرته على التعبير عن الهم الإنساني بروحٍ مصريةٍ أصيلة. كما فازت روايته «عيد ميلاد ميت» بالمركز الأول في مسابقة دار الرضا للنشر والتوزيع على مستوى العالم العربي، وتُرجمت أعماله إلى لغاتٍ عدة، منها الفارسية والفرنسية.


لم يكن أحمد طايل يكتب لمجرد المتعة أو الشهرة، بل كان يرى في الكتابة رسالةً ومسؤولية. كان يقول: «أنا أكتب عني وعن الآخر، وللآخر»، يؤمن أن الكلمة حين تُكتب بصدقٍ تصبح منارة وضميرًا. ولذلك جاءت رواياته كمرآةٍ للمجتمع، تلتقط تفاصيل الواقع وتضع القارئ أمام أسئلته الكبرى: من نحن؟ وإلى أين نسير؟ وما الذي يهدد وعينا وهويتنا؟

كان حريصًا على أن تكون كتاباته واقعيةً لا تفقد مصداقيتها، يمزج فيها الخيال بالمنطق، والعاطفة بالعقل، حتى تصل إلى قلب القارئ دون أن تفقد قيمتها الفكرية. وفي كل ما كتب، ظلّ الوطن حاضره الأهم. لم يرَ في الوطن أرضًا فحسب، بل كيانًا يسكن الإنسان. قال مرة: «الوطن هو أنا، وأنا هو الوطن». كان يرى في المثقف ضميرًا جمعيًا للأمة، وفي الكاتب شاهدًا على عصره، لا يكتفي بالتأمل، بل يشارك في تشكيل الوعي العام.



شارك أحمد طايل في إعداد وتنظيم فعاليات ثقافية كبرى باتحاد كتاب طنطا، واستضاف خلالها نخبة من رموز الأدب العربي مثل واسيني الأعرج، خيري الذهبي، محمد الغربي عمران، وفاء عبد الرزاق، مكاوي سعيد، وشريف حتاته، وغيرهم. كما أقام احتفاليات تكريمية لرموز القصة المصرية مثل إبراهيم أصلان وسعيد الكفراوي في قريتيهما، مؤمنًا بأن الوفاء للرموز الثقافية هو أحد أشكال الحفاظ على ذاكرة الوطن.

وقد أُجريت معه لقاءاتٌ إذاعية وتلفزيونية وصحفية عديدة، داخل مصر وخارجها، وتناولت دراساتٌ نقدية كثيرة أعماله بالتحليل والإعجاب.


يكتب أحمد طايل اليوم وقد راكم تجربةً إنسانيةً وفكريةً ثرية، يرى فيها أن الكتابة ليست ترفًا، بل فعل وعيٍ ومقاومة. يسعى من خلال قلمه إلى إعادة الإنسان العربي إلى جذوره الثقافية، ليعرف موطأ قدمه، ويدرك أن الهوية لا تُستعار، بل تُصنع من الداخل.

مشاريعه الأدبية لا تزال ممتدة؛ فثمة رواية جديدة قيد الكتابة بعنوان «أنثى الفصول الأربعة»، وأعمال أخرى يعدّها لتواصل رسالته في ترسيخ قيم الجمال والفكر، مؤمنًا أن الكاتب الحقيقي لا يموت، بل يظل حيًّا ما دامت كلماته تُقرأ وتُستعاد.


إن سيرة أحمد طايل ليست مجرد حكاية كاتبٍ أثبت ذاته، بل سيرة جيلٍ آمن بأن الكلمة يمكن أن تبني وطنًا، وأن الأدب حين يُكتب بصدق، يصبح جزءًا من الذاكرة التي لا تُمحى.



كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين

 كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين إعداد : ميلاد كوركيس مشرف مشروع : Memora 360 - Arabic في دمشق، المدينة التي تتنفس التاريخ وتت...