مترجم - Übersetzer

Sunday, September 7, 2025

كلمة الحق بين الاستغلال والوفاء : إلى أبناء شعبي

 كلمة الحق بين الاستغلال والوفاء : إلى أبناء شعبي

بقلم : ميلاد كوركيس 


في زمنٍ تتلاطم فيه الأمواج، وتختلط فيه الأصوات بين صدقٍ وزيف، وبين حقٍ وباطل، وجدت نفسي بعد سنوات طويلة من العمل في ميدان الإعلام القومي أقف أمام المرآة وأسأل: هل آن الأوان أن أفتح دفاتري جميعها؟ هل آن الأوان أن أبوح بما سكن في الصدر طويلًا؟ لم يكن قراري وليد لحظة غضب ولا انفعال عابر، بل ثمرة مسيرة طويلة شاقة، حفلت بالتجارب، واختبرت الصداقات، وكشفت المعادن على حقيقتها.


أكتب اليوم لا لأجل نفسي وحدها، بل لأجل الحقيقة. أكتب لأجل القارئ الذي يتساءل: من الذي حمل الهم بصدق؟ ومن الذي استغل الهمّ ليصنع لنفسه منصبًا أو صورة؟ أكتب لأجل أبناء شعبي الذين يستحقون أن يسمعوا الكلمة واضحة بلا تزييف ولا تزويق. أكتب وأنا أعلم أنّ كلماتي قد تزعج البعض وتربك البعض الآخر، لكنها ستبقى شاهدًا للتاريخ بأنّ الحق لا يضيع ما دام وراءه من ينطقه بجرأة.


بعد سنوات طويلة قضيتها في ميدان الإعلام القومي، قررت أن أفتح دفاتري جميعها، لا لشيء سوى ليعلم القارئ، وليدرك أبناء شعبي، من هو الضامن الصادق، ومن هو المستغل الذي جعل من الشعارات تجارةً ومن الولاء سلعة.


لقد مرّت أعوام وأنا أتنقّل بين وجوه وأسماء ادّعت القومية والنضال لأجل الشعب. ظننتُ بهم خيرًا، وتعاضدت معهم، ومددت لهم يدي، لكنّ النتائج – ويا للأسف – كانت كارثية. من خاض الغمار لا يهاب العواصف، وأنا كنت بين الموج، فلم أخشَ التيار. لقد تعلّمت أنّ من يخوض البحر لا يهاب الريح، ومن يواجه الحقيقة لا يضره الزيف، لكنّني أيضًا أدركت أنّ بعض الوجوه التي ظننتها دروعًا صلبة لم تكن سوى أقنعة من ورق تتفتت عند أول امتحان.


رأيت كثيرين لا يستحقون أن يخطوا خطوة واحدة في هذا الدرب، ومع ذلك كانوا يُنصفون من بعض العارفين، ظنًّا منهم أنّ ولاءهم صادق، بينما الحقيقة أنّهم لم يكونوا سوى متسلقين نهضوا على أكتاف غيرهم. تغذوا على الفتات، وصنعوا لأنفسهم صورًا مزيفة، ورفعوا أصواتًا خاوية. الخوف من العارف يكشف الجاهل، وهكذا كانت الحال. لقد صار مشهدهم مألوفًا: يتصدرون المنابر بوجوه متجهمة وكلمات ضخمة، بينما حقيقتهم لا تتعدى كونها انعكاسًا لمصالح ضيقة ومنافع آنية. كانوا يلهثون خلف الاعتراف الخارجي لا الداخلي، وخلف التصفيق لا خلف الإنجاز، وخلف المظاهر لا خلف الجوهر.


كثيرون رأيتهم يتلونون كل يوم، يبدّلون مواقفهم كما يبدّل المرء ثوبه، لأنهم أصحاب مصالح. جهلهم أوصلهم وأوصل أتباعهم إلى مهاوي المجهول. نهضوا على ظهري، واستغلوا طيبة قلبي، فظننتهم أهل مودة، لكنني اكتشفت أن معظمهم لم يكن سوى أصحاب أطماع وأقنعة. كانوا يتحدثون عن النضال وهم أبعد ما يكونون عن التضحية، ويتغنون بالقومية وهم أول من يبيعون انتماءهم عند أول فرصة. تعلمت أن الثابت هو وحده من يستحق الاحترام، أما من يتقن التلون فإنه لا يرى إلا نفسه ولا يخدم إلا جيبه.


كثيرون تمادوا واشهروا بي، لكنني لم أعِرهم اهتمامي، ليس خوفًا، بل رفضًا أن أُسقط كرامتي أرضًا لأجل عفنةٍ تبحث عن مصادر رزق عبر إظهار ولائها لمن يرزقها. كثيرون ظنّوا أنهم أذكياء، يستطيعون الإيقاع بهذا وذاك خدمةً لمصالحهم، لكنهم لم يدركوا أنّ لكل إنسان هفوة، ولكل متكبر سقطة. ليست الأهمية فيمن يتزيّن بألقاب رنّانة، بل فيمن يستمر صادقًا، ويعلّم، ويوصل الحقيقة التي يسعى الكثيرون لتغييبها. لقد واجهت حملات تشويه، ومحاولات للنيل من اسمي، لكنني لم أسمح لنفسي يومًا أن أنزل إلى مستواهم. الكرامة لا تباع في سوق المزايدات، والشرف لا يُقايض على أبواب المكاتب.


أكثر ما يثير سخريتي هو ذاك العناد الكامن في عقول الذين كانوا يضحكون في وجهي، ساعة بلون الأفعى، وساعة بلون الحرباء المتلونة. ضحكهم كان ستارًا يخفي نواياهم، وألوانهم كانت وسيلة ليظهروا في كل مجلس بما يوافق المزاج العام. لكنهم نسوا أن الحرباء مهما تلونت يبقى جلدها معروفًا، وأن الأفعى مهما غيّرت شكلها يبقى سمّها هو ذاته. هؤلاء عاشوا على هامش القضايا، وحاولوا خداع الناس بأصوات عالية وكلمات بليغة، غير أن الأيام كشفت حقيقتهم، وأظهرت ضآلة حجمهم.


أسفي عليكم جميعًا، وأسفي الأكبر على من ظن عقلي يومًا أنهم مثقفون. اكتشفت أنهم لم يكونوا سوى خرط كلمات، يخافون الدخول في أي صراع، ويتقنون فقط التعالي في المناسبات والولائم، بينما يهربون من كل مواجهة حقيقية. هم وغيرهم، مصيرهم النسيان الأبدي في مزابل التاريخ، حيث تسقط الأقنعة، وتختفي الأصوات الرنانة، ولا يبقى سوى الحقيقة شاهدةً على عجزهم. إن المثقف الحقيقي ليس من يحفظ العبارات، بل من يملك الشجاعة لقول كلمة الحق مهما كلفه الأمر. أما أولئك فقد اختاروا الصمت حين كان الكلام واجبًا، والغياب حين كان الحضور فرضًا.


لم أسعَ يومًا إلى منصب أو لقب أو مكسب شخصي. لم أكن تاجر ولاء، ولم أضع كرامتي يومًا على طاولة المساومات. كنت وما زلت أؤمن أنّ الكرامة أثمن من كل المناصب، وأن من يسير بخطى واثقة لا مكان له بين المتملقين والمتعالين الذين اعتبروا النفاق قدرة والتكبّر مقدرة. لم أغرَ بالتصفيق، ولم أبنِ طموحي على أعمدة وهمية. كان هدفي دائمًا أن أبقى صادقًا مع نفسي أولًا، ومع شعبي ثانيًا. ولأنني لم أركض خلف الألقاب، لم أجد نفسي مضطرًا للتنازل عن أي مبدأ.


لم أدخل إلى هذا الميدان بإرادتي، لكنني لست من الذين يتخلون حينما يعلمون. لم أتمكن من رؤية الثعابين تنهش بجسد شعبي، ولم أستطع الصمت على صعاليك بايعوا الآخرين وباعوا أنفسهم بثمن بخس. ظنّ المتبجح أنه أصيل حتى غالى على نفسه، فطمه الطمع أكثر، فخسر نفسه. بمقدوري فتح الدفاتر القديمة، وهذه الرسالة تعهّد لا تهديد. لمن يعتقد أنه في يومين يصبح قادرًا على إصدار الأوامر، أقول: لا ولاء في هذا الميدان إلا للعقل والمعرفة. ومن يظن أنه ما زال يعيش في زمن زمرة القطيع، فهو واهم لا يدرك أنّ زمن التبعية قد انتهى.


رسالتي اليوم، إلى أبناء شعبي جميعًا، طويلة هي، وربما الأخيرة. أقول لكم بصدق: لا تركنوا إلى من يبيعكم الشعارات، ولا تثقوا بمن يغدق عليكم بخطابات رنانة لا تروي جوعًا ولا تشفي عطشًا. زمنكم بأيديكم، ومصيركم ملك إرادتكم. لا تظنوا أن زمرة من المبعثرين ستوصل مركبكم إلى برّ الأمان، فهؤلاء غارقون في مستنقع صنعوه بأيديهم، ويحتاجون هم من ينقذهم. كل من يعدكم بالخلاص السهل إنما يخدعكم، وكل من يرفع صوته في المنابر دون عمل حقيقي إنما يسرق منكم الوقت والأمل.


المتبجح يظن نفسه عاليًا، والمتجاهل يظن نفسه ذا سيط، وجميعهم يبكون دموعًا باردة حين تفلت المادة من بين أيديهم. أسفي على من رحل، لكن أملي كبير بمن بقي من أبناء شعبي، أولئك الذين لم تبع قلوبهم ولم تُشترَ ضمائرهم.


سنوات قضيتها في هذا العمل، حسب الجميع أن غيرهم أقدر مني، لكنهم لم يدركوا أن بيننا من لا يُشترى ولاؤه، ومن لا يُسقطه التشهير ولا تغريه المكاسب. لم يدرِ أحد أن ما أنطق به اليوم ليس سوى صدى لروحٍ لم تلوّثها المصالح، وعقلٍ لم ينحنِ أمام الطغيان.


فليعلم الجميع: لم يطب قلبنا إلا لأننا حملنا العلم بصدق، ولم يضيء لساننا إلا بنور المعرفة، ولم تَسْلم أرواحنا إلا لأنها تعلّقت بالحقّ، لا بالزيف.


إلى من ظنّ أنه أربكني يومًا، أقول له: بيانك الحزبي، قبل أن تقرأه أنت، كنت أنا من يضع نقاط حروفه. وأغلبكم – رغم ضجيجكم – ما زلتم في مرحلة الابتدائية من ناحية الوعي. قدر شعبنا للأسف أصبح بأيدي حفاة همّهم التملّك على حساب ازدراء الآخرين، وعقولهم غارقة في مصالح ضيقة جعلتهم يرون الشعب مجرد وسيلة لا غاية. لم يفهموا أن من يستهين بشعبه يستهين بنفسه، ومن يبيع إرادة الناس يبيع نفسه أولًا.


التاريخ سوف يلعنكم، فلا شيء مستمر. التاريخ لا يرحم من ضلّ، ولا يمجّد من خان. وكما تُسجَّل البطولات في صفحات المجد، تُسجَّل الخيانات في حواشي العار. وما أسهل أن تُمحى الأسماء من الذاكرة حين يكون بقاؤها مرادفًا للخزي والخذلان. لقد علّمتني التجارب أنّ النسيان هو أقسى عقوبة يمكن أن ينالها من خان قضيته، لأن الإنسان يعيش ليُذكر، فإذا صار ذكره عارًا تمنى لو أن اسمه لم يولد أصلًا.


يا أبناء شعبي، اسألوا أحزابكم، اسألوا منظماتكم: أين النهاية؟ وما هي النهاية؟

لن تسمعوا جوابًا، لأنهم ببساطة قد تجاوزوا منطق العقل، وغاصوا في مستنقع المصالح حتى فقدوا القدرة على التفكير في مستقبل الشعب. وكيف لمن لم يُحسن البدايات أن يَعِد بالنهايات؟ وكيف لمن خان ثقته بشعبه أن يُرشد هذا الشعب إلى برّ الأمان؟ لقد صاروا كالسفينة التي فقدت شراعها، تتلاعب بها الأمواج، ولا تدري إلى أي شاطئ تمضي.


أما أنا، فلا أطالبكم بشيء، إنما أتعهد أمامكم بالاستمرار وفق رؤياي التي لا يمكن شراءها بأي ثمن. وما طاب قلبي إلا لما دام علمي، وما ثبت قولي إلا لأنه خرج من روح لم تعرف الخضوع، وما ارتفعت كرامتي إلا لأنها لم تُبع في أسواق الولاءات. سأبقى ما حييت وفيًّا للحقيقة، مخلصًا لقضية لا تموت، وشاهدًا على مرحلة لن ينساها التاريخ.


ولأنني أكتب اليوم لا لأجل تصفية حسابات، بل لأجل أن أضع النقاط على الحروف، فإنني أختم رسالتي بدعوة صادقة: إلى كل أبناء شعبي، لا تنتظروا الخلاص من الخارج، ولا تراهنوا على شعارات جوفاء، اصنعوا خلاصكم بأيديكم، وازرعوا الأمل في أرضكم، وكونوا كما كنتم دائمًا، أصلب من الريح، وأقوى من العواصف، وأبقى من كل زيف. المستقبل يصنعه الأوفياء لا المستغلون، والتاريخ يكتبه الصادقون لا المنافقون.


تحية إلى من بقي على العهد وصان الخبز والملح، والويل وتبًا لمن نال شرف أن يكون الحرباء المسمومة.



#ميلاد_كوركيس #MXR #السياسة_القومية #الإعلام_القومي #الهوية_السريانية #الكرامة_قبل_المصلحة #كلمة_حق #أبناء_شعبي


No comments:

Post a Comment

كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين

 كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين إعداد : ميلاد كوركيس مشرف مشروع : Memora 360 - Arabic في دمشق، المدينة التي تتنفس التاريخ وتت...