مترجم - Übersetzer

Saturday, August 16, 2025

وديع القس … رجلُ الحرف والكرامة بين الوطن والمنفى

 وديع القس … رجلُ الحرف والكرامة بين الوطن والمنفى


 إعداد : ميلاد كوركيس

صاحب مشروع : شخصيات صنعت ذاكرة



 النشأة والبداية في المالكية

في قلب مدينة المالكية (ديريك)، وُلد الأستاذ وديع القس، ابن التراب وملح الأرض، ابن البيادر والأصوات التي كانت تملأ الحقول بالأمل، والحناجر بالشجن. لم يكن مجرّد طفلٍ عاديّ في قرية ريفية نائية، بل كان منذ طفولته شغوفًا بالكلمة، بالمعنى، بالعدالة التي طالما غابت عن عيون الكبار، وحملت ظلالها إلى عقول الصغار.


نشأ في قريةٍ لا تعرف الرفاه، لكنها تعرف المعنى الحقيقي للانتماء. في تلك الأيّام الأولى، تفتّحت عيناه على بساطة الحياة، على أصوات الأمهات اللواتي يعجنّ الخبز في الفجر ويغنين للأرض قبل شروق الشمس، على الآباء في البساتين الذين يزرعون الفصول حبًا قبل أن يزرعوا القمح. نشأ بين أزقةٍ تعبق بالماء الترابي، وشوارعٍ تحكي قصصًا لا تُكتب في كتب التاريخ، بل تُروى همسًا على الشرفات عند الغروب.


في تلك القرية، عرف قيمة الإنسان، لا بحسب منصبه، بل بحسب وقوفه في وجه الظلم. وعرف أنّ الانتماء ليس نشيدًا صباحيًا، بل سلوك يوميّ يبدأ من كيف تحب جارك، وينتهي بكيف تدافع عن وطنك عندما يصمت الجميع.


ومن هذه البيئة الصلبة، استمدّ الأستاذ وديع طباعه، صموده، طيبته، وسريانيته العميقة. لم تكن سريانيتُه مجرّد اسمٍ في البطاقة الشخصية، بل فلسفة وجود، نبضُ هويةٍ شرقية أزلية لا تساوم، ولا تُزاحم، بل تحيا وتُحيي. كانت "آرام" في قلبه، لا في متاحف التراث، وكانت لغته الأم ترنيمةً لا تحتاج ترجمة.


 الحرفُ الأول … بين الفلسفة والإنسانية 


حين قرر دراسة الفلسفة وعلم النفس في كلية الآداب بجامعة دمشق، لم يكن مدفوعًا برغبة في منصب أو شهرة، بل بروحٍ قلقة تبحث عن الحقيقة، تسأل الأسئلة التي لا يجرؤ الكثيرون على طرحها.


في منتصف الثمانينيات، كان المناخ السياسي في سوريا خانقًا، والمجتمع يعيش على حافة الخوف، وكانت كليات الفلسفة شبه منفية في زوايا الجامعات، لا يقترب منها إلا من يحمل عقلًا متمردًا أو روحًا حرة. وهناك، وسط جدران محاضرات مهملة، راح وديع القس يفتح أبواب الوعي، يتنقل بين تأملات سقراط، وتمرد نيتشه، وتحليلات فرويد، وتيه كامو.


درس الإنسان من الداخل، لا كمخلوق بيولوجي فقط، بل ككائن يحمل في داخله الجوع للحرية، والعطش للعدالة، والخوف من ذاته. وعلّمته الفلسفة كيف تكون الكلمة خنجرًا ناعمًا في وجه الباطل، وعلّمه علم النفس كيف تكون القصيدة صوتًا خفيًا لجراحٍ لا تُقال.


لم يدرس ليُرضي المنهاج، بل ليواجه المنظومة، ليقول: إن الإنسان هو البداية والنهاية، وأن الشرق ليس "سوقًا للحروب"، بل "مهدًا للمعنى".


 من المدرسة إلى الدائرة… والى المنافي


عاد إلى المالكية بعد تخرجه، فلم يبحث عن وظيفة سهلة، بل اختار أن يدخل الصفوف، أن يكون معلمًا لا ملقّنًا، أن يُعيد للمعلّم هيبته، وللمدرسة رسالتها.


في كل صف، كان يعلّم الأطفال ما لا يوجد في الكتب: أن الوطن لا يُرسم بالمسطرة، وأن الكرامة لا تُقاس بالمعدل. كان يقول لهم: "من لا يسأل، لن يعرف، ومن لا يعرف، لن يتحرّر".


لم يكن حياديًا، بل دائمًا منحازًا: للعمال، للفقراء، للحق. وفي عيد العمال في بلدة عين ديوار، ألقى قصيدة وطنية نارية، لم تكن مديحًا للسلطة، بل دفاعًا عن عرق المظلومين. وكانت النتيجة: تسريحه من العمل.


لم يُحاكم قانونيًا، بل حوكم أخلاقيًا، لأنه تجرأ وقال الحقيقة. ولأنهم لا يطيقون الشعر الذي يُشبه الدم، طردوه من التعليم، ظنًّا أنهم يُسكتونه.


لكنه لم ينهزم. انتقل إلى إدارة دائرة العمران، وهناك كان مهندسًا للناس، أكثر من كونه موظفًا. أعاد الاعتبار للمسؤولية، ونقل التجربة من دفتر الروتين إلى دفتر الضمير.


لكن حتى هذا لم يُعجبهم. تعرّض للإقصاء مرة ثانية، وتُرك بلا عمل، بلا مظلة، بلا أمل. ومع ذلك، لم يشكُ. بل عاد إلى الأرض، يعمل في أراضيه الخاصة، كما يفعل أبناء الفقراء حين يُغلَق في وجوههم كل باب.


 الرحيل… حين لا يبقى من الوطن سوى الذكرى


حين ضاقت به الحياة، لا لضعفٍ فيه، بل لقسوة البلاد، قرر أن يهاجر إلى ألمانيا عام 2009. لم يكن الرحيل عن الوطن، بل عن صيغته الرسمية التي فقدت معناها. كان يحمل حقيبة، وفيها كل الوطن: دفتر أشعاره، صورة بيت الطفولة، منديل والدته، وشتلة نعناع من الحديقة.


كتب حينها قصيدة "قهر الرحيل"، يقول فيها:


 "غادرتُ البلادَ وما غادرتني،

سكنتُ المنافي وما سكنتُني،

بكيتُ الهواءَ حين لم أشتم رائحة ترابكِ،

وركضتُ خلف ظلٍّ يُشبهكِ… لكنّه ليس أنتِ."


ثم كتب "سأبقى غريبًا"، ليعلن تمرده على التجنّس القسري، على محو الهوية من الجوازات، على أوطان تُختصر بكلمة مرور للمعابر.


حتى في ألمانيا، لم يسكت. قطعوا عنه الإنترنت مرّتين بسبب قصائده، وهددوه مرارًا. لكنه بقي صامدًا، لأنه آمن أن القلم لا يُخرس، وإن خنقوا صوته.


فضح ظلم الغرب، نفاق الإعلام، سرقة الشعوب الشرقية، تهميش الشرق المغدور. وكان دائمًا يكتب توقيعه في نهاية كل نص:

"وديع القس – سوريا"

ولم يكتب يومًا "ألمانيا"، لأنه لم يعتبر الغربة وطنًا، بل أدرك أن سريانيته وآراميته جذورٌ لا تتغيّر، حتى لو تبدّلت الجغرافيا.


 صوتٌ شعري صامت… لكنه ينزف


قصائده ليست كلمات مرصوفة، بل معارك معلنة.


كتب عن الحب، لا ليتغزّل، بل ليبني جسرًا بين الذات والذات الأخرى.

كتب عن الرحيل، لا ليبكي، بل ليُذكّرنا أن الغربة ليست خيارًا.

كتب عن القهر، لا ليستعطف، بل ليفضح.

كتب عن الله، الوطن، الإنسان، الخبز، الحنين، الموت، والهوية.


من "حبّنا بين الأشواك"، إلى "قهر الرحيل"، إلى "سأبقى غريبًا"… كل قصيدة حجرٌ في معبد الحقيقة.


 رسالة من القلب … إليك أيها الأستاذ


أستاذي وديع،


لا أكتب هذه الكلمات كمجرّد كاتب،

بل كابنٍ من أبناء هذا الشرق،

كشابٍ شرقيٍّ يرى فيك ملامح جيلٍ لم يبع الحقيقة.


أكتبها إليك، وقلبي معي، وضميري شاهد،

لأنك علمتني أن لا أسكت،

وأن لا أُجمّل الألم،

وأن أُسمّي الخذلان باسمه.


أنت الذي عشتَ الطفولة في قريةٍ لا تملك إلا الكبرياء،

ودرستَ الفلسفة في عاصمةٍ تخاف الكلمة،

ودافعتَ عن العمّال في عيدهم، فأسقطوك،

وعملتَ في الإدارة فلم يطيقوا صدقك،

وزرعتَ الأرض بعد أن زرعوا لك اليأس،

وهاجرتَ فلم تُهاجر داخلك،

وقُطعت عنك الكهرباء، فأنرت القصائد،

وقُطع الإنترنت، فكتبت بالنور الباطني،

وظللت تكتب: وديع القس – سوريا.


يا ابن المالكية، يا ابن الشرق، يا صدى السريان في زمن الحجب…

أكتب عنك لأنك من رجال الذاكرة الذين لا تُشبههم السير الذاتية،

أكتب عنك لأنك شاهدُ عصرٍ خُذِل فيه الإنسان،

وبقيت واقفًا… فقط لأنك تملك الكلمة.


هذه رسالتي إليك، أنا ميلاد كوركيس، لا لأكرّمك، بل لأعتذر من هذا العالم لأنّه لم يُنصفك.


شعرٌ من الداخل … بقلبٍ شرقي.

 


#MXR #milad_korkis #ميلاد_كوركيس 

No comments:

Post a Comment

كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين

 كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين إعداد : ميلاد كوركيس مشرف مشروع : Memora 360 - Arabic في دمشق، المدينة التي تتنفس التاريخ وتت...