مترجم - Übersetzer

Saturday, October 11, 2025

من مراد إلى آندريه … حكاية المسرح الديريكي في بيت إيليا

 من مراد إلى آندريه … حكاية المسرح الديريكي في بيت إيليا


إعداد : ميلاد كوركيس

صاحب مشروع : شخصيات صنعت ذاكرة الوطن


في مدينة ديريك المالكية، حيث تتنفس الحقول رائحة القمح وتُشعل الشمس على الحجارة القديمة لونها الذهبي، كانت الحكاية تولد ببطء من رحم الصمت. لم تكن المدينة تملك قاعات ضخمة ولا معاهد للفنون ولا أجهزة صوتية متطورة، لكنها كانت تملك الإنسان، ذلك الكائن الحالم الذي يصنع من صوته خشبةً ومن خياله مسرحًا. هناك، في قلب المدينة التي جمعت البساطة والعمق، ولدت شرارة الفن الأولى حين وقف عبد الأحد إيليا عام 1947 ليقدّم مع رفاقه أول عملٍ مسرحي في تاريخ المالكية بعنوان «عودة الابن الضال». لم تكن المسرحية مجرد عرضٍ بسيط، بل كانت حدثًا ثقافيًا أحدث في الوجدان انقلابًا. كان القس يوسف القس يؤدي دوره بإيمانٍ يشبه الصلاة، وجورج رزقو يجسّد على الخشبة وجه المواطن المرهق من الزمن، ومراد إيليا يحمل نظرة المعلّم الذي يؤمن أن الفن امتدادٌ للتعليم، وأن المسرح ليس وسيلة تسلية بل مدرسة للأخلاق والجمال. في تلك اللحظة لم يكن أحد يدرك أن هذا العرض سيصبح الحجر الأساس لذاكرة المدينة المسرحية، وأن بيت إيليا سيُعرف لاحقًا بأنه بيت الخشبة الأولى.



من هناك انطلقت الموجة الأولى، إذ تبنّت مدرسة السريان الخاصة الفكرة فاحتضنت المسرح كما يُحتضن طفلٌ يولد على أمل. بإشراف مراد إيليا بدأت المدرسة تحوّل حصص اللغة والتربية إلى مشاهد تمثيلية صغيرة تجمع الطلاب على فكرة العطاء والعمل الجماعي. لم يكن المسرح ترفًا بل جزءًا من المنهج التربوي يُزرع فيه معنى الانتماء إلى المدينة والإنسان. كان مراد إيليا يرى في كل طفلٍ ممثلًا محتملًا وفي كل فتاةٍ نجمةً قادمة، وكان إيمانه بالفن امتدادًا لإيمانه بالتعليم. هكذا بدأت البذرة تنمو، وهكذا أصبحت مدرسة السريان الخاصة حاضنة أولى للمواهب في زمنٍ كان الناس فيه يتهامسون بأن الوقوف على المسرح مغامرة، فإذا بها تتحول إلى فعلٍ من أفعال الإيمان بالذات.



ثم جاءت النهضة الأولى في أواخر الخمسينيات حين تأسست «فرقة الشباب المسرحية» عام 1957. كانت الفرقة أشبه بجماعةٍ ثائرة تبحث عن صوتٍ جديد، فاختارت نصوصًا تعكس القيم البطولية مثل «في سبيل التاج» و«صلاح الدين الأيوبي» و«سمير أميس». لم يكن التمويل موجودًا، ولكن الإصرار كان أكبر من الفقر، والناس تبرعوا بقطع القماش والشموع ليضيئوا المسرح الصغير الذي بنوه بأيديهم. في عام 1958 ظهر اسمٌ جديد: لحدو إسحق، المؤلف والمخرج الذي سيصبح لاحقًا واحدًا من ركائز المسرح الديريكي. كتب وأخرج مسرحية «مدينة السماء» بمشاركة شكري حنا، حنا شيعا، شمعون إسحق، ببو الخياط، منصور سليمان، ولحدو إسحق، وكان العرض حدثًا استثنائيًا لأنه قدّم لأول مرة مسرحًا رمزيًا يتحدث عن العدالة والحلم والضمير.

كما شارك في تلك الفترة أيضًا أفرام عبد النور، الذي ساهم في عددٍ من المشاهد التمثيلية الأولى داخل مدرسة السريان، واعتُبر من الجيل الذي مهّد لظهور الوعي الفني المبكر في المدينة، فكان وجهًا من وجوه البدايات الهادئة التي صاغت ملامح المسرح الديريكي.

وقف الجمهور مذهولًا أمام فكرة أن الفن يمكن أن يقول ما لا يقال، وأن الكلمة قد تكون أحيانًا أشجع من السلاح.



ومع عام 1963 تنفّست المدينة فجرًا جديدًا حين تأسس المركز الثقافي العربي في المالكية. أدرك المثقفون أن المسرح بحاجة إلى مؤسسةٍ ترعاه، وأن الفن لا يعيش على الهواية فقط. قاد لحدو إسحق هذه المرحلة مع مجموعة من الشباب المؤمنين بالثقافة، فأنشأوا فرقة «أصدقاء المركز» التي أصبحت أيقونة العمل الثقافي في المدينة. كانت تلك السنوات مليئة بالحيوية، إذ عُرضت مسرحيات كثيرة تجاوزت العشر خلال ثلاث سنوات فقط، وكانت مسرحية «الخطلة» عام 1964 علامة فارقة بمشاركة الفنان الكوميدي محمود عمر إلى جانب أفرام يعقوب وحبش سليمان ولطيف ملكي وشكري صومي وأفرام كوركيس وشكري رزقو وإكرام كوركيس. في تلك الفترة، أصبحت ديريك أشبه بورشة ثقافية مفتوحة، يجتمع فيها الناس بعد العمل ليشاهدوا المسرح كما يشاهدون ولادة حلمٍ جماعي.


في نهاية الستينيات، وتحديدًا عام 1969، قاد فريد إيليا مرحلة جديدة يمكن تسميتها بالعصر الذهبي للمسرح الديريكي. كان يؤمن أن المسرح ليس مجرد عرض، بل وسيلة تفكير. من تحت يده خرجت أعمال مثل «الكلبش» و«تاجر البندقية» و«بروتار» و«مطعم البيركاوات» و«دماء على الدرب» و«لا تقتلوا الموتى» و«إلى متى نصل؟» و«حفلة على الخازوق» و«الدراويش يبحثون عن الحقيقة» و«لدي وظيفة». لقد استطاع فريد إيليا أن ينقل المسرح من المحلية إلى العالمية، وأن يزرع في المدينة فكرًا جديدًا يرى في الفن موقفًا.



وفي تلك المرحلة التي امتدت ما بين عامي 1971 و1974، لمع على خشبة ديريك جيلٌ كامل من المبدعين الذين حملوا الخشبة بأكتافهم وجعلوا منها منبرًا للوعي والفرح معًا. من بينهم: محمود عمر، حبيب منصور، أفرام يعقوب، شكري صومي، سميح صليبا، سمير عيدو، حقي توما، شمعون صليبا، جان يونان ممثلاً ومخرجًا، سليم يونان، إسحق كوركيس، ومحمد خليل، الذين مثّلوا الوجوه الصادقة للمسرح في زمنه الأجمل.


وقد تميّز كلٌّ منهم بطابعه الخاص، فكان سمير عيدو وجهًا قريبًا من الناس بقدرته على المزج بين العمق والبساطة، بينما جسّد محمود عمر روح الفكاهة الذكية، وكان جان يونان جسرًا بين الإخراج والتمثيل، وحمل أفرام يعقوب دفء الشخصية الديريكية الأصيلة التي تُضحك وتبكي في آنٍ واحد.


إلى جانبهم، برزت مجموعة من النساء الرائدات اللواتي كسرن الصمت الاجتماعي ووقفن على الخشبة لأول مرة بأصواتٍ مليئة بالشجاعة، فكنّ وجهًا آخر للجمال والثورة. منهنّ سميرة عيسى، أديبة أفرام، سعاد يعقوب، مارين نور الدين، فكتوريا مرقص، ولاحقًا سيلفا سيروب، نورا حكيم، مادلين بوغوص، هيام عيدو، وسلوى شمعون. كنّ الأمهات اللاتي صنعن ذاكرة المسرح الأنثوية الأولى في ديريك، وفتحْن الأبواب لغيرهنّ من الفتيات ليصعدن الخشبة ويقلن للعالم إن المرأة قادرة على أن تكون شريكة في الضوء لا ظلاً في الظل.


ومع منتصف السبعينيات تولى أديب إيليا زمام المرحلة التالية، فدخل المسرح عهد النضج. جمع بين الإخراج والكتابة والتمثيل والبحث، وكان يعتقد أن المسرح مرآة الأخلاق الإنسانية، وأن الضحك يمكن أن يكون أداة نقدٍ لا هروب. كتب وأخرج مسرحيات أصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنية مثل «إلى متى يا رفيق» و«جولو» و«المخرج الكبير» و«الهجرة» و«اللجان» و«رحلة محفوفة من الغفلة إلى اليقظة». لكن من بين أعماله التي بقيت محفورة في وجدان الجمهور تأتي مسرحية «طبخة ببلاش» التي وُصفت بأنها من أفضل الأعمال المسرحية المأجورة في تاريخ ديريك، إذ كانت تُعرض ثلاث مرات في اليوم الواحد نظرًا للإقبال الجماهيري الكبير عليها. عُرضت المسرحية على مسرح سينما دجلة والمركز الثقافي في المالكية، وكانت من تأليف وإخراج أديب إيليا، وبطولة الشيخ آندريه إيليا وجاك إيليا والراحل وديع عمسيح، إلى جانب عددٍ من الممثلين الذين أدّوا أدوارًا ثانوية تركت أثرها الجميل. كانت «طبخة ببلاش» أكثر من مجرد مسرحية؛ كانت حدثًا فنيًا يعكس نبض الناس، فالسخرية فيها كانت تضحك وتوجع في آنٍ واحد، وكان النص يحمل عمقًا فلسفيًا يعرّي الواقع من زيفه بلغةٍ محببة للجمهور.


وجه تلك المرحلة: أديب كوركيس (1974 – 1982)

في تلك السنوات التي كانت فيها ديريك تضحك رغم تعب الأيام، برز على خشبتها وجهٌ صار عنوانًا للبهجة والذكاء الفني معًا، هو الفنان الكوميدي أديب كوركيس. كان أديب نجم الجمهور بلا منازع، يجمع بين العفوية والعمق، ويعرف كيف يجعل الضحك رسالةً لا سخرية. أدّى أدواره بروحٍ محلية قريبة من الناس، فكان يلتقط تفاصيل الحياة اليومية ويحوّلها إلى مشاهد تمثيلية تنبض بالصدق والمرح. مثّل جيلًا آمن بأن المسرح ليس فقط منصة للنقد بل أيضًا مساحة للتنفس، وكان صوته الشعبي يحمل دفء المدينة وبساطتها. في زمنٍ كانت فيه الخشبة تحاول أن توازن بين الجدية والمرح، جاء أديب كوركيس ليجعل الكوميديا مرآةً للمجتمع لا مهربًا منه، فصار وجه المرحلة بين 1974 و1982، وترك خلفه إرثًا من الضحك النبيل الذي لا يبهت مع مرور الزمن.


ولم تكن الجوائز غريبة عن هذا البيت الذي أحب المسرح حتى آخر رمق. فقد حصل أديب إيليا على جائزة أفضل مخرج عن مسرحيته الفلسفية «اللحاد» للكاتب المسرحي عبد الفتاح قلعجي في المهرجان الفرعي بمدينة رميلان، ونال الشيخ آندريه إيليا جائزة أفضل ممثل، فيما حاز زهير إيليا جائزة أفضل ديكور عن نفس العمل، ليؤكدوا جميعًا أن بيت إيليا ما زال بيت الريادة والإبداع. كانت تلك المرحلة ذروة النضج الفني في ديريك، حيث تماهى الفكر مع الجمال، والعائلة مع الخشبة، والحياة مع النص.


وفي التسعينيات، عاد جاك إيليا ليبعث الحياة في المسرح من جديد. كان قد تمرّس في المسرح الجامعي والشبيبي، وتعاون مع ممثلين كبار مثل غسان مسعود، ماهر صليبي، وحسن دكاك، ليقدّم أعمالًا حديثة امتزجت فيها الفكرة بالأسلوب الفني الحديث. من أبرزها «فوق هذا المستطيل وقع حادث»، «أوديب الوحش»، «لعبة السلطان والوزير»، و«ثلاثة أحزان». شارك في هذه العروض مجموعة من الوجوه المسرحية الشابة: حنا عبد الأحد، كابي عبد الأحد، شربل بيطار، نضال حنا شيعا، كبرييل حنا، متى سارة، موريس داوود، لويس نعيم، باسل وديع، وأمل نعيم، الذين شكّلوا الجيل الجديد الممتد من جذور الأجيال السابقة، وحملوا الشعلة بروحٍ جديدة بين سنوات التسعينيات وبدايات الألفية.


أما سمير إيليا، فقد كان الوجه التشكيليّ للعائلة، إذ جمع بين الفن البصري والمسرح، فزيّن المشاهد بخياله وألوانه، وترك بصمةً جماليةً في ديكورات العروض وفي تصميم المشاهد التي جمعت بين الفن التشكيلي والحركة المسرحية في انسجامٍ قلّ نظيره.


أما القسيس جوزيف موسى إيليا، فكان الروح الموازي للمسرح، رجل الدين الذي أحبّ الفن ورآه وجهًا من وجوه الحقيقة، إذ كتب وألّف نصوصًا أدبية ودينية تحمل فلسفةً عميقة عن الإنسان والخلق والإيمان، ليبرهن أن بيت إيليا لم يكن بيت خشبةٍ فحسب، بل بيت فكرٍ ومعرفةٍ وروح. ومنه استمدّت الأجيال الشابة وعيها بأهمية أن يلتقي الدين بالفن في حبّ الإنسان.


أما الشيخ آندريه إيليا، فكان رمز التوازن بين الخشبة والحياة، الممثل الذي جمع بين الحسّ الشعبي والوعي الديني، فأحبّه الناس كمؤدٍّ على المسرح وكشيخٍ في المجتمع، وكان صوته يحمل مزيجًا من الوقار والإبداع، ليكون شاهدًا على أنّ الفن لا يناقض الإيمان بل يكمّله.


ولأن الذاكرة لا تعرف حدودًا، حمل أبناء ديريك تراثهم المسرحي معهم إلى المهجر، فصارت الخشبة تهاجر معهم من مدينةٍ إلى أخرى ومن قارةٍ إلى أخرى. من بين هؤلاء الذين حملوا اسم ديريك بفخرٍ وكرامة: وديع عمسيح، جوزيف زيتون، توما بيطار، فؤاد أفرام، بهنان إسطيفو، زهير كبرو، أفرام دنحو، جرجيس حنا، شوكت توما، إبراهيم كوركيس، يعقوب ببي، حنا عامو صليبا، سيروب ماتيروس، كابي لحدو، نبيل شمعون، كميل نعنو، وبسام كبرو. هؤلاء زرعوا في مدن الاغتراب روحًا سوريةً أصيلة، وبقي المسرح بالنسبة لهم حنينًا وبيتًا أول.


إن حكاية المسرح في المالكية ديريك ليست مجرد سردٍ لتاريخٍ فني، بل هي شهادة على أن الشعوب الصغيرة تصنع ثقافةً كبيرة حين تؤمن بالإنسان. من عبد الأحد إيليا إلى فريد إيليا، ومن مراد إلى أديب، ومن زهير إلى جاك وآندريه، ومن سمير إلى القسيس جوزيف، تسلسل عائلي يشبه شجرة تتجدد أوراقها في كل فصل لكنها تبقى من جذرٍ واحد. كانت عائلة إيليا وما زالت رمزًا للعطاء، مدرسةً في الصدق والإخلاص، ومثالًا على أن الفن يمكن أن يكون ميراثًا ينتقل بالحب لا بالدم. إن ديريك التي عاشت على وقع المسرح لسنواتٍ طويلة ما زالت مدينةً تعرف أسماء أبطالها وتحفظ وجوههم كما تحفظ الأم وجوه أبنائها.


وإنني اليوم، وأنا أكتب هذه السطور، لا أكتب عن عائلةٍ فنيةٍ فحسب، بل عن روحٍ جمعيّةٍ جعلت من الفن صلاةً ومن المسرح إيمانًا. إلى جميع أفراد عائلة إيليا، بكل فروعها وجذورها، إلى كل من حمل هذا الاسم بصدقٍ وإبداع، أوجّه رسالتي هذه من القلب: أنتم عائلة راقية، من معدنٍ مختلف، ثقافتكم عميقة وقلوبكم عطشى دومًا للمعرفة، أجيالٌ تتعاقب ومواهب تتوارث، وأنتم النبض الذي جعل من ديريك مرآةً للوعي والذوق والجمال. محبّتي الكبيرة لكم جميعًا، ولكل من كان وما زال جزءًا من هذا البيت العظيم الذي علّم الخشبة النطق. تحياتي أيضًا إلى جميع عوائل ديريك الجميلة التي صنعت من هذه المدينة ساحةً للضوء رغم كل العتمة. أنتم الفخر، وأنتم الامتداد، وأنتم السبب في أن تبقى ديريك اسمًا يلمع كلما ذُكر الفن.


مع خالص محبّتي وتقديري … ديركاوي الفخر بكم


#mxr #milad_korkis #ميلاد_كوركيس #شخصيات_صنعت_ذاكرة_الوطن



Sunday, October 5, 2025

الهوية السريانية بين الاعتراف والإنصاف – نداء إلى الدولة السورية

 الهوية السريانية بين الاعتراف والإنصاف – نداء إلى الدولة السورية


إعداد : ميلاد كوركيس 

صاحب مشروع : شخصيات صنعت ذاكرة الوطن 



إلى السادة في الحكومة السورية، وإلى كل من يضع مستقبل الوطن فوق المصالح الضيقة،

نوجّه هذا النداء من قلبٍ سريانيٍّ آراميٍّ مؤمنٍ بأن العدالة الثقافية هي أساس العدالة الوطنية، وبأنّ الاعتراف بالوجود السرياني في سوريا ليس منّةً من أحد، بل تصحيحٌ لمسار التاريخ وإنصافٌ لشعبٍ أصيلٍ ساهم في بناء هوية هذا الوطن منذ فجر الحضارات.


لقد قدّم الشعب السرياني الآرامي لسوريا إرثًا حضاريًا خالدًا، أسّس الأبجدية الأولى، وعلّم الإنسانية اللغة والكتابة، وكان صانع الفكر واللاهوت والطب والفلسفة في الشرق.

فمن حران إلى تدمر، ومن الرها إلى معلولا، ومن نصيبين إلى دمشق، ظلّ السريان نبض العلم والدين والإبداع، حراسًا للهوية السورية في وجه كل محاولات الطمس والتشويه.


لكن رغم كل هذا التاريخ المشرّف، ظلّ الحضور السرياني في مؤسسات الدولة رمزيًا محدودًا، لا يليق بمكانته ولا بتاريخه.

فلا مناهج التعليم تُنصف حضارته، ولا الإعلام الرسمي يُبرز هويته، ولا القوانين تُكرّس حقوقه الثقافية كما يجب.

لقد آن الأوان لإنهاء هذا التهميش التاريخي عبر اعترافٍ رسميٍّ شاملٍ بالوجود السرياني وحقوقه الوطنية.


🔹 نطالب، باسم الانتماء لا الانقسام، وباسم التاريخ لا المصالح،

بأن تُقرّ الحكومة السورية رسميًا عيد الأكيتو – رأس السنة السريانية السورية، الذي يصادف الأول من نيسان من كل عام، عطلةً وطنيةً رسمية،

تُضاف إلى قائمة الأعياد المعترف بها في الجمهورية العربية السورية،

باعتبارها رمزًا للهوية الوطنية الجامعة، واعترافًا صريحًا بوجود الشعب السرياني الأصيل في أرضه التاريخية.


إنّ اعتبار الأكيتو عطلةً رسميةً ليس مجرّد احتفال، بل هو إعلان هويةٍ وتكريس حقٍّ.

هو اعترافٌ بحقّ الشعب السرياني في الوجود، في التعليم بلغته، في إحياء تراثه، في تدريس تاريخه ضمن مناهج الدولة،

وفي تأسيس مراكز ثقافية سريانية رسمية ترعى اللغة والتراث والموسيقى والآداب الآرامية، كما تفعل باقي المكونات السورية.


لقد حان الوقت لأن تعلن الدولة صراحةً أنّ السريان الآراميين جزءٌ لا يُفصل عن الهوية السورية،

وأنّ سوريا الحقيقية لا تقوم إلا بجميع أبنائها: عربًا، سريانًا، آشوريين، أرمنًا، كردًا، شركسًا وغيرهم.

هذا الاعتراف لا يُضعف أحدًا، بل يقوّي الوطن ويُعيد له توازنه ووجهه الحقيقي المشرق بالحضارات.


 كنيستنا سريانية، قوميتنا آرامية، وهويتنا سورية.

نحن أبناء الأرض التي خُلقت منها الأبجدية، وحُفرت فيها أولى الصلوات، وتجلّى فيها النور الإلهي منذ فجر التاريخ.


فلنُعد الاعتبار لكل من صان هذه الهوية بإيمانٍ وصدق،

ولنفتح صفحةً جديدة من الإنصاف والمواطنة الحقيقية،

يُذكر فيها الأكيتو لا كعيد طائفة، بل كعيد وطن،

يُذكّر السوريين بأنّ الحضارة لا تُبنى إلا بالاعتراف المتبادل وبالمساواة في الكرامة والحق.


 عاشت سوريا حرةً بأبنائها جميعًا،

وعاش الشعب السرياني رمز النور والحضارة،

وليبقَ الأول من نيسان عيدًا رسميًا للحياة والهوية والإنصاف الوطني.


#الأكيتو #رأس_السنة_السريانية #الهوية_السريانية #الآراميون #الاعتراف_بالحقوق_السريانية #سوريا_الوحدة #ميلاد_كوركيس #mxr #milad_korkis #أكيتو #Akitu

سوريا … حين صلّى الوادي وبكى الحجر

سوريا … حين صلّى الوادي وبكى الحجر

كتابة : ميلاد كوركيس



سوريا يا موطنَ الإيمانِ كم شهدتْ

صلبَ الحقيقةِ فوقَ الصخرِ إذ وُلدَا


أرضُ الرسالاتِ كم في حضنِها ازدهرتْ

آياتُ مجدٍ على الأحقابِ ما خمدَا


فيكِ المسيحيُّ ما زالتْ مآذنُهُ

تُسبي العقولَ وتهدي القلبَ ما سجدَا


يا قبلةَ الروحِ يا وجدانَ ماضينا

فيكِ الرجاءُ وإن جارَ الزمانُ بدا


وادي المسيحيينَ إن أنصتَّ تسمعُهُ

نغمًا يذوبُ به التاريخُ إذ شهِدَا


كم مرَّ في دربِهِ قديسُ مكرمةٍ

يبكي على الأرضِ إن جفَّتْ وإن جحدَا


مارُ جرجسٍ في الأعماقِ يذكرُنا

بأنَّ للإيمانِ أجنحةً إذا امتدَّا


كم ديرُهُ شعَّ كالأقمارِ منبثقًا

نورًا تُحيّيه أرواحٌ إذا ابتعدَا


في كلِّ صومعةٍ لحنٌ نُصلّيهِ

يحكي عن الحبِّ للأوطانِ إن فُقِدَا


يا واديَ القدسِ كم في صمتِك احتُرِقَتْ

شموعُ أحبابِنا والدمعُ قد وردَا


تاريخُك المجدُ في الأديارِ مكتملٌ

وسطرُكَ الحلمُ في الأناجيلِ ما انفردَا


يا موطنَ المجدِ كم في وجهِك ارتسمتْ

ملامحُ العزِّ رغمَ الحزنِ والكمَدَا


فيك الكنائسُ ما زالتْ تُناجيهُمُ

صوتًا من اللهِ لم يُمحَ ولم خفُتَا


كم حارسٍ في الليالي ظلَّ منتظرًا

أنْ يُشرقَ الفجرُ من أحجارِ ما ابتعدَا


سوريا ما كنتِ إلا حلمَ قديسٍ

من وادي الروحِ للعلياءِ قد صعدَا


يا واديَ النورِ كم في دربِك اختبأتْ

أغصانُ حبٍّ وفيها العطرُ قد وُجِدَا


تاريخُ شعبٍ على الإيمانِ ما وهَنَا

ولو تكسَّرَ مجدُ العُمرِ أو نُهِدَا


من نبعِ عيسى سلامُ اللهِ قد نزلتْ

أنهارُهُ في ربى الوادي وقد سردَا


تبقى مسيحِيُّةَ الأرواحِ شامخةً

رغمَ الزمانِ ورغمَ الموتِ إن وردَا


سوريا تبقى لهم دارًا ومأثرةً

ما دامَ في الصخرِ من آثارِهمْ خلَدَا


#سوريا #المسيحيون #وادي_المسيحيين #تاريخ_عريق #سلام_وإيمان #أرض_الرسل #ميلاد_كوركيس #هوية_الشرق

#mxr #milad_korkis #ميلاد_كوركيس

كوني أرمنية الآرامي … أكون آراميّ الأرمنية

 كوني أرمنية الآرامي … أكون آراميّ الأرمنية


كتابة : ميلاد كوركيس 


يا موطنَ الروحِ والإيمانِ يا عَلَمًا

فيهِ التآخي تسامى فوقَ أحلامِ


يا منْ على الصّلبِ صلّى الحبُّ وانهمرَتْ

دمعُ المسيحِ على الأرواحِ كالعامِ


كمْ أنبتَ الصّلبُ في صدرِ البريّةِ ما

يُحيي القلوبَ كزرعٍ في الأنامِ


منذُ الفداءِ تلاقَتْ في قلوبِهمُ

أنغامُ حمدٍ تُناجي صَوتَ إلهامِ


دينٌ توحّدَ فيهِ النورُ متّقدًا

تُهدي الصّليبَ وتُحيي مجدَ أقوامِ


يا أمَّ آرامَ، يا أُمَّ الكنائسِ يا

بيتَ السلامِ، ويا مهدَ الإنجيلِ السّامي


كمْ شاركَتنا مذابحُنا بصلواتِها

في كلِّ فجرٍ يزفُّ روحَ إلهامِ


يا أرمنَ النورِ، يا نبعَ القداسةِ في

صوتِ الأجراسِ، يا إشراقَ أيّامِ


يا إخوةَ الصّلبِ والإيمانِ يا أممًا

تُضيءُ دربَ الهدى في وجهِ ظُلامِ


من بيتِ نهرينَ قامتْ أرضُ معجزتي

ومنْ أراراتَ قامتْ جمرُ أنغامِ


في طورِ عبدينَ أصواتُ المصلّينَ قدْ

صارتْ نشيدًا يُنادي خالقَ الأنامِ


في أرضِ آرامَ خطّ الروحُ آيتَهُ

وفي أرمينيا قامتْ قبّةُ السّلامِ


كمْ ذابَتِ اللغةُ العظمى بمجدِهمُ

لكنْ بَقِيَتْ على الألسُنْ كأنغامِ


يا منْ كتبتمْ على الجدرانِ صَلواتِكمُ

حبرًا منَ الدّمِ في إنجيلِ إقدامِ


ما بينَ أرمنٍ وآراميِّ وحدةُ مَنْ

صَلّى المسيحُ لأجلِ الجمعِ والأرحامِ


في كلِّ كنيسةٍ وجهُ المخلّصِ ما

زالَ المنارَ، ووجهَ الحبِّ والأعلامِ


في الرُّها، في أنطاكيةٍ، في قدسِنا

تبقى الصّلاةُ حنينَ الروحِ والنامِ


لسنا شعوبًا تفرّقنا المذاهبُ لا

بلْ شعبَ صلبٍ لهُ ربٌّ بإلهامِ


في كلِّ ديرٍ تَرنَّتْ توبةٌ ويدٌ

ترنو إلى الصّلبِ في صمتٍ وإقدامِ


والناقوسُ العالي في صباحِهمُ

كالحلمِ يجمعُ أرواحًا وأقوامِ


منْ صوتِ إنجيلِهمْ فاضَتْ محبّتُهمْ

تُسقي العروقَ بنورِ العهدِ والسّلامِ


يا منْ حملتُم على الأكفانِ أرواحَكمْ

كي لا يموتَ المدى في ظلمةِ الآثامِ


كمْ أمٍّ أرمنيةٍ في الفجرِ قد ركعتْ

تُهدي الخلاصَ لدمعِ الطفلِ والأيتامِ


وكمْ أبٍ آراميٍّ في تبتّلِهِ

قدّسَ دجى الليلِ بالتسبيحِ والسّلامِ


منْ رُها لأراراتٍ قصّةٌ كتبتْ

بالصّلبِ والحبِّ، بالإيمانِ والإقدامِ


يا إخوةَ الصّلبِ، يا أبناءَ قدّيسٍ

قدّمتُمُ المجدَ للأوطانِ والأحلامِ


كمْ خضّبتْ أرضُ آرامٍ بقدّيسِها

حينَ ارتقى مُتهلِّلًا نحوَ الأعلامِ


وكمْ تلاقتْ صلواتٌ في قِبابِهمُ

تعنو للربِّ في سِرٍّ وإلهامِ


في كلِّ عينٍ تجلّتْ نارُ معموديٍّ

تُحيي الجراحَ بنورِ الحبِّ والسّلامِ


في كلِّ جرحٍ مسيحٌ قامَ من ألمٍ

وفي القيامةِ إيمانٌ بأحلامِ


يا إخوتي في الصّليبِ الثابتينَ لنا

دربُ القداسةِ نحوَ المجدِ والإقدامِ


منْ طورِ عبدينَ نادتْنا أجراسُها

كونوا رعاةَ رجاءٍ دونَ أوهامِ


ومنْ أراراتَ جاءَ النورُ يرفعُنا

كأنَّهُ الربُّ في فجرِ القيَامِ


في كلِّ طفلٍ أرمنيٍّ ترى صورًا

منْ وجهِ آرامَ في ألحانِ أنغامِ


وفي الآراميِّ ظلٌّ منْ قداسةِ منْ

ساروا إلى الصّلبِ دونَ الخوفِ والآلامِ


يا موطني، يا صلاةَ المجدِ يا وطنًا

يبقى لنا رغمَ أحزانٍ وأحكامِ


كوني أرمنيةَ الآراميِّ في وطنٍ

يعلو بصوتِ الصّليبِ ونورِ أنغامِ


وأكونُ آراميَّ الأرمنِ ارتجفتْ

في صَدرِنا لهجاتُ الحمدِ والسّلامِ


يا زهرةً من شتاءِ الشرقِ قد نبتتْ

في التُّربتينِ على أشلاءِ أعوامِ


نحيا، ونكتبُ عهدَ اللهِ في قلمٍ

وننسجُ المجدَ من روحٍ وإلهامِ


#المسيحية #الصليب #القيامة #الإنجيل #الإيمان #القداسة #الآراميون #الأرمن #أرارات #طور_عبدين #أرض_آرام #قِباب_الكنائس #بيث_نهرين #الكنيسة_الجامعة #المجد_المسيحي #الوحدة_الروحية #MXR #Aramean #Armenian #ChristianFaith #HolyCross #Resurrection #Ararat #TurAbdin #Aram_Land #Church_Domes #BethNahrin #Brotherhood #Eastern_Spirit #Milad_Korkis

Sunday, September 28, 2025

يوسف عبد الأحد : خياط الزمن وراوي ذكريات ديريك

 يوسف عبد الأحد : خياط الزمن وراوي ذكريات ديريك


إعداد : ميلاد كوركيس 

صاحب مشروع : شخصيات صنعت ذاكرة الوطن

 

يوسف حنا عبد الأحد، الرجل الذي قضى أكثر من ستين عامًا من عمره في خياطة ملابس سكان ديريك وحياكة قصص حياتهم اليومية، هو أكثر من مجرد خياط. محله المتواضع ما زال ينبض بالحياة ويشهد على ماضي المدينة وحاضرها، ويحافظ على ذكريات أزقتها وروح أهلها. لقد عاش يوسف حياة كاملة بين الإبرة والخيط والذكريات، بين الزبائن والجيران والروابط الإنسانية التي نسجها على مدى عقود. رغم تقدمه في العمر وتراجع عدد الزبائن، يظل يوسف رمزًا للتمسك بالأرض والوفاء للمكان والناس الذين ترعرع بينهم. هو شاهد حي على الزمن الذي مر، وعلى أجيال كاملة من أهالي ديريك الذين رحلوا، ولم يبقَ إلا صدى أسمائهم وأحاديثهم في ذاكرته.


ولد يوسف عبد الأحد في قلب مدينة ديريك، ونشأ بين أزقتها وأسواقها، حيث كان الدوار مركز الحياة النابض بالناس والتجار والخياطين. منذ صغره انجذب إلى ماكينة الخياطة القديمة التي ورثها عن والده، وكانت جزءًا من محله الصغير. هناك بدأ يوسف رحلته الطويلة مع الخياطة والزمن، متعلمًا كل تفاصيل الحرفة، من قص القماش إلى خياطة الأثواب الفاخرة ومتابعة كل خيط يمر بين يديه.


لم يكن يوسف مجرد خياط، بل كان راوي القصص! يسمع أحزان الناس وأفراحهم، ويشاركهم لحظاتهم الصغيرة والكبيرة. كل قطعة قماش تمر بين يديه تحمل جزءًا من حياة أهالي ديريك ومن حكاياتهم اليومية. كان يعرف كل زبون باسمه ويعرف قصته ويستذكر تفاصيلها كما لو كانت جزءًا من حياته الشخصية. ستون عامًا قضاها يوسف في تفصيل الملابس وتصليحها، وعاش حياة بسيطة مليئة بالوفاء لمهنته وأهله.


كان محله نقطة التقاء للسكان وملاذًا لكل من يحتاج إلى حرفة دقيقة، أو نصيحة صادقة، أو حتى لحظة هدوء وسط صخب الحياة اليومية. لقد شهد يوسف محله يتحول من السوق الصاخب المليء بالزبائن إلى الأزقة الأكثر هدوءًا بعد أن غادر معظم الجيل القديم المدينة. هاجر الكثيرون بحثًا عن حياة أفضل أو فرص عمل بعيدة، لكنه بقي راسخًا في مكانه.


كان يوسف يفتتح محله مع شروق الشمس، ويجلس على كرسيه العتيق بجانب الماكينة القديمة قبل أن يصل الزبائن. يحضر معه كوب الشاي الصباحي ويتفقد الأدوات والخيوط بعناية. كان يعرف كل خيط وما يناسب أي قطعة من الملابس. أحيانًا كان ينظر إلى الأزقة أمام محله ويسترجع في ذهنه أيام الماضي، حيث كان الدوار يعج بالصخب والباعة والزوار، وكان كل محل خياط يمثل قلبًا نابضًا للحياة!


يقول يوسف في حديثه : "منذ شهرين لم أستقبل سوى عدد قليل من الزبائن، لكنني هنا ولم أغادر ديريك مثل معظم أهلي. كيف أترك هذه المدينة؟ هذه هي ذاكرتي!"


لقد اعتاد أن يرى المحل مركزًا للقاءات الناس، حيث يتوقف السائقون والقرويون أمامه ليتبادلوا الأخبار والحكايات، ويجلسون على كرسيه العتيق بينما هو يعدل بعض الثياب أو يضحك معهم. أحيانًا يأتيه زائرون من القرى المجاورة مثل الزهيرية والسلمية، يجلبون له بعض الحليب أو البيض، ويجلسون لساعات يتحدثون عن الحياة والعمل والزراعة. وكان يوسف يسمع لهم ويجيب بنبرة دافئة ونصائح بسيطة.


في أوج نشاطه، كان الدوار يعج بالخياطين، وكل محل ينبض بالحياة. يوسف كان جزءًا من هذا النسيج، يعرف الجميع بأسمائهم ووجوههم، ويستذكر كل موقف وكأنه يحدث الآن. لقد رأى أجيالًا كاملة تكبر أمامه؛ أطفال اليوم يصبحون آباء الغد، وكلهم يأتون إلى محله بالحب والاحترام. كان يستمتع بالضحك معهم، ومتابعة أخبارهم، ويشاركهم بعض القصص الطريفة عن أهله وأصدقائه الذين رحلوا مع مرور السنوات.


تراجعت قوة يده وأصبحت تصليحاته محدودة، مثل تغيير سحاب أو تقصير بنطال، لكن روحه لم تتراجع. ظل يستقبل كل من يأتيه للحديث أو لطلب المساعدة بابتسامة ودودة، ويستمتع بكل لحظة يجلس فيها الزبائن أمام محله، يتبادلون الأحاديث عن قراهم وأعمالهم وحياتهم اليومية. يوسف دائمًا ما يطلب منهم شيئًا بسيطًا من قراهم، مثل الحليب أو البيض، وكأن هذه التفاصيل الصغيرة تربطه بالماضي وبأيام شبابه.


كان يوسف يحب مشاركة الذكريات مع زبائنه الصغار، يحكي لهم عن الأزقة القديمة، وعن الأسواق التي لم تعد موجودة، وعن الخياطين الذين رحلوا عن المدينة، وعن أصدقائه الذين تركوا أثرهم في كل مكان في ديريك. لقد أصبح محله أكثر من مجرد ورشة عمل، بل مكانًا لتاريخ حي للحياة اليومية للمدينة.


اليوم، بقي يوسف وأحد زملائه من الخياطين القدامى وحيدين، يحملان ذاكرة جيل انقضى. يستذكر أسماء أصدقائه وزملائه بصوت هادئ، وكأنهم ما زالوا هنا، يتبادلون الضحكات والأحاديث في الأزقة، ويسترجع كل موقف حدث في المحل أو في السوق أو في الدوار. وكل هذه التفاصيل تشكل تاريخًا حيًا للمدينة التي أحبها وعاش فيها.


يبقى يوسف رمزًا للمدينة وللأجيال الماضية، وعلامة على الزمن الذي مر وحفر ذكريات لا تُنسى. لقد أصبح محله أكثر من مجرد مكان للعمل، بل سجل حي لتاريخ ديريك وأهلها. يوسف عبد الأحد، خياط الزمن وراوي الذكريات، يبقى شاهد المدينة الحي، يحمل في قلبه أسماء أصدقائه وزملائه الذين رحلوا، ويحافظ على روحهم حية في كل حديث وضحكة.


يستمر يوسف في محله الصغير كجزء من تاريخ ديريك، وكحافظ لذاكرتها وروح أهلها. وهو المثال الحي للتمسك بالأرض والوفاء للذكريات. كل قطعة قماش يلمسها، وكل زبون يرحب به، يشكل جزءًا من هذه الذاكرة الحية التي لا تنتهي!


رسالة شخصية مني:

إلى يوسف عبد الأحد، وإلى أمثاله من ركائز مدينتنا العريقة، أنتم الحافظون على نبض الأزقة وروح الأحياء، أنتم من يُبقون تاريخ المدينة حيًا في قلوب الأجيال. كل ضحكة، وكل حكاية، وكل خيط تمر يديكم عبره، هو أثر خالد يروي لنا قصة المدينة ويمنحها رونق الحياة الذي لا يزول. أنتم المعلمون الذين نستلهم منهم الصبر، والإتقان، والحب للتراث. شكري وامتناني لكم لا يُقاس، وأدعو كل من يعرفكم أن يقدر هذه الجذور التي تبقي ديريك نابضة بالذكريات!


#يوسف_عبد_الأحد #ديريك #خياط_الزمن #ذكريات_المدينة #أزقة_ديريك #أهل_ديريك #قصص_الشباب_والقديم #خياطة_الذكريات #الجيل_القديم #MXR #milad_korkis #ميلاد_كوركيس

العم موسى كوركيس : رجل العطاء والإيمان والحكمة

 العم موسى كوركيس ( دلالي) أبو توماس : 

رجل العطاء والإيمان والحكمة


إعداد : ميلاد كوركيس 

صاحب مشروع : شخصيات صنعت ذاكرة الوطن



في بلادٍ تتشابك فيها صفحات التاريخ مع قصص الناس اليومية، هناك رجالٌ لا تُمحى آثارهم بمرور الزمن، رجالٌ تظل بصماتهم حاضرة في القلوب والبيوت والقرى، رجالٌ يخلّفون إرثًا خالدًا من العطاء، الصبر، والإيمان بالإنسانية. هؤلاء الرجال لا يُذكرون فقط في الكتب التاريخية، بل في تفاصيل الحياة اليومية لكل من عرفهم أو عاش في كنفهم، أو تأثر بتوجيههم وحكمتهم. ومن بين هؤلاء الرجال الذين تركوا بصمة لا تُنسى على مر الأجيال، يسطع اسم العم موسى كوركيس، الرجل الذي حمل على عاتقه مسؤولية عائلته، قرية الحكمية، ومجتمعه الأكبر، وصنع من حياته رسالة صادقة للعطاء، الحكمة، والإيمان.


وُلد العم موسى كوركيس في عام 1923 بإزخ في تركيا، في زمن صعب مليء بالقهر والفقر والاضطهاد، حيث كانت الحياة اليومية تحديًا كبيرًا للبقاء على قيد الحياة. منذ صغره، تعلم الصبر والمثابرة، وأصبح يتحمل مسؤوليات كبيرة تفوق عمره بكثير. فقد كان أكبر إخوته، وما إن بدأ وعيه بالحياة حتى فقد والده، توما سلطانة، تاركًا فراغًا كبيرًا في قلب الأسرة الصغير.


كانت والدته، دلالي، امرأة قوية وصبورة، تمثل نموذجًا للصبر والعطاء، وتحملت مسؤولية تربية أبنائها في ظل غياب الأب. وكان على العم موسى أن يكون الأخ الأكبر والأب البديل لأخوته، سليمان وصبري، فتعلم منذ صغره كيف يوازن بين العاطفة والمسؤولية، وكيف يكون سندًا لهم، وكيف يكون قدوة في الصبر والعمل. لقد قاد الأسرة الصغيرة في أصعب الظروف، وظهر على نحو ملهم حتى لأمه وأخوته، فكان رمزًا للقوة والإرادة، وقيمة الالتزام تجاه الأسرة.


الحياة في تركيا لم تكن سهلة، إذ طغى الفقر والاضطهاد على كل شيء، وكان الخوف من المستقبل يلاحق العائلات في كل لحظة. لم يكن أمامهم خيار سوى الرحيل، بحثًا عن الأمان والاستقرار، عن فرصة للعيش بكرامة، وهكذا جاء قرار الهجرة إلى سوريا. كانت رحلة صعبة مليئة بالمخاطر، مليئة بالانتقالات الطويلة والليالي الباردة، لكنها كانت بداية فصل جديد في حياة العم موسى كوركيس، فصل جمع بين ألم الغربة وأمل بناء حياة جديدة، حياة يستطيع فيها أن يؤمن مستقبلاً أفضل لعائلته ولمن حوله.


في نفس العام تقريبًا، تزوج العم موسى من السيدة لية ملكي بحكو، التي كانت شريكة حياته في رحلة طويلة من الكفاح والصبر. كانت لية دعمه الحقيقي في كل خطوة، شريكة في مواجهة التحديات اليومية، مشاركة له في كل تفاصيل الحياة. معًا شكّلوا أسرة صغيرة متينة، يجمعها الحب والصبر والوفاء، وكان زواجهما نموذجًا حقيقيًا للشراكة التي تعتمد على التضحية والتفاهم والعمل المشترك.

الوصول إلى سوريا لم يكن نهاية المعاناة، بل بداية لمرحلة جديدة من الصعوبات، فقد عاشوا في ظروف قاسية جدًا، متنقلين بين أماكن ضيقة، يسكنون في خيام أو بيوت بسيطة جدًا، ولم تكن لديهم أي ضمانات لمستقبل مستقر. ولتأمين لقمة العيش، التحق العم موسى بالجيش الفرنسي في لبنان، حيث عاش حياة عسكرية شاقة جدًا، تعلم خلالها الانضباط والتحمل، والاعتماد على النفس، والصبر على الصعاب. استمر في خدمته حتى جلاء الفرنسيين عن لبنان وسوريا عام 1946، وحين خُيّر بين الرحيل مع الفرنسيين أو البقاء في لبنان، رفض المغريات واختار العودة إلى سوريا، لأن جذوره وأهله ووطنه كانت أهم من أي شيء آخر، واختار البقاء حيث يستطيع أن يؤثر بحياة الناس حوله.


مع عودته إلى سوريا، استقر العم موسى كوركيس في قرية الحكمية، وهناك بدأت مرحلة جديدة من حياته، مرحلة البناء والعطاء الحقيقي. أخذ على عاتقه إعادة إعمار البيوت، ليس فقط لعائلته، بل لكل العائلات التركية التي لجأت إلى سوريا، فتح قلبه وبيته للجميع، واستقبل الهاربين كما لو كانوا إخوته، وكان دائمًا يقول لهم: "هنا بيتكم، وأنتُم جزء منا، لن يضيع أحد منا". شيئًا فشيئًا، بدأت القرية تنبض بالحياة، ومع ازدياد عدد العائلات، صار العم موسى ركيزة أساسية في المجتمع، وأصبح محور الثقة والتلاحم بين أهل الحكمية. ولأجل ذلك، عينه أهلها والدولة مختارًا للقرية، وهو منصب حمله بكل جدية وإخلاص، مسؤولية تتجاوز الإدارة اليومية لتصل إلى حماية قيم العدل والمساواة بين الجميع.


في عهده كمختار، لم يقتصر دوره على إدارة شؤون الناس اليومية، بل تجاوز ذلك إلى رؤى أوسع وأهداف أكبر. أشرف على بناء كنيسة مارت شوشان، التي أصبحت رمزًا للقرية ومركزًا لتجمع الناس، رغم معارضة بعض الجهات الرسمية في البداية. بإصراره وصبره، حول الحلم إلى واقع ملموس، لتصبح الكنيسة مركزًا للتلاقي الاجتماعي والتماسك، رمزًا للوحدة بين أهل القرية وأساسًا للثقافة والتعليم. لقد كان يرى أن الكنيسة ليست مجرد مكان للعبادة، بل صرحًا يجمع الجميع تحت قيم المحبة والتعاون.


التعليم كان شغف العم موسى الأكبر، وكان يؤمن أن نهضة القرية لا تتحقق إلا بالعلم، وأن مستقبل الأطفال مرتبط بالفرص التعليمية المتاحة لهم. في البداية، كان يرسل أبناء القرية سيرًا على الأقدام إلى قرية مجاورة لتلقي التعليم، وهو ما كان شاقًا جدًا على الأطفال، لكنه لم يرضَ بذلك، فواصل جهوده وأقنع المسؤولين بفتح مدرسة ابتدائية في الحكمية، ففتح بذلك باب العلم أمام الأجيال الجديدة، وسعى أن يكمل أبناؤه وأبناء إخوته تعليمهم، واشترى بيتًا كبيرًا في مدينة المالكية ليكون سكنًا للطلاب، من أبنائه وأبناء إخوته، لتنشئة جيل متعلم، ورافقهم والدته دلالي لتوفر الرعاية والدعم.


أما عائلته الخاصة، فقد كان محور اهتمامه الكبير. أنجب العم موسى كوركيس عدة أبناء وبنات: فهيمة، سعاد، صبرية، المرحومة بسنة والدة الدكتور ( أيهم) الغني عن التعريف ، نجاح، وصباح، بالإضافة إلى الأبناء الذكور توماس وغاندي. كانت حياته مكرسة لضمان مستقبل أبنائه بكل تفانٍ. فهيمة، سعاد، وصبرية تزوجن في سن مبكرة ولم يكملن تعليمهن، بينما أكملت المرحومة بسنة، نجاح، وصباح تعليمهن كل واحدة وفق اختصاصها: المرحومة بسنة أصبحت معلمة للصفوف الخاصة، نجاح التحقت بدار المعلمين وأصبحت معلمة، وصباح أصبحت مدرسة موسيقى، كل واحدة متخصصة في المجال الذي أحبت. أما الأبناء الذكور، فدرس توماس الصيدلة وأصبح صيدليًا ناجحًا، بينما درس غاندي الهندسة الكهربائية وأصبح مهندسًا متميزًا.


الأحفاد من بعدهم أكملوا مسيرة العلم والتزموا بوصية جدهم، حيث اختار كل واحد منهم مجاله المفضل وأبدع فيه، سواء الطب، الأدب، الهندسة، الموسيقى، أو العلوم، ليصبحوا رموزًا للتميز والإبداع في مجالاتهم، حاملين مشعل العلم والعطاء كما أراد الجد أن يكون إرثه مستمرًا، مواصلين تعزيز قيم التعليم والعمل والوفاء التي غرسها العم موسى كوركيس في أبنائه وبناته.


لم يكن العم موسى كوركيس مجرد أب ومختار، بل كان رجل مجتمع بمعنى الكلمة، رجلًا حقيقيًا يتوسط بين الناس عند حدوث خلافات أو شعور بالظلم. كان حكمه عادلًا، وكلمته مسموعة، واستطاع بحكمته أن يحل نزاعات كبيرة بين العائلات، فصارت قرية الحكمية أشبه بعائلة كبيرة واحدة متماسكة، حيث يعرف الجميع أن للعم موسى كلمة وعمل يثقون فيه.


عرفه الناس بكرمه وأعماله الإنسانية، فلم يتردد يومًا في تقديم الدعم للفقراء والمحتاجين، وكان ناشطًا في المجلس الملي للسريان في المالكية، يشارك في الوفود ويعمل على تأسيس مدارس للطوائف المسيحية، ويطلق المشاريع الخيرية لدعم العائلات المحتاجة، وهكذا أصبح العم موسى كوركيس من وجاهات مدينة المالكية، وصوته مسموعًا ومرجعًا موثوقًا للجميع.


لم تخلو حياته الطويلة من حكمة يختصرها في كلماته: "الإنسان الذي يريد أن يكون مصدرًا في مجتمعه عليه أن يكون أفضل من والده"، إشارة إلى أن كل جيل عليه تطوير ما ورثه، أن يحب أكثر، ويعطي أكثر، ويتجاوز الخلافات، ويعمل من أجل خير الآخرين قبل نفسه.


بعد حياة حافلة بالكفاح والعطاء والإنجازات، رحل العم موسى كوركيس عن الدنيا في الرابع من كانون الثاني عام 1998 عن عمر ناهز الخامسة والسبعين. رحل جسده، لكن أثره بقي، وبقيت سيرته علامة مضيئة في تاريخ العائلة، القرية، والمدينة، ورمزًا حيًا للعطاء والإيمان والحكمة.


حديثنا عن العم موسى لا ينتهي، فقد حمل هموم عائلته منذ صباه، وتحول إلى سند لأمه وإخوته وزوجته وأولاده، ثم إلى أب وقائد لكل القرية. جعل من الحكمية بيتًا كبيرًا، ومن المالكية حاضنة للعلم والخير، ومن حياته رسالة صادقة للعطاء، دون البحث عن منصب أو مجد دنيوي، لكنه كسب احترام الجميع وأصبح رمزًا للوفاء والكرم والمسؤولية، نموذجًا للرجل الذي يتجاوز حدود نفسه ليكون سندًا للآخرين، للفقير، للمظلوم، ولطالب العلم.


أما أنا، كفرد من هذه العائلة، فقد كنت أسمع عنه الكثير، رغم أنني لم أحظَ بلقائه، ومع ذلك أشعر بفخر واعتزاز كلما ذكر اسمه. ومع كل اكتشاف جديد لحجم ما قدمه، يزداد شعوري بالفخر والانتماء لهذه العائلة التي أنجبت رجلاً مثله، ولكوني وريثًا لإرث العم موسى كوركيس، الذي يزيدني قوة وعزيمة على السير على خطاه، ولو من بعيد. أشعر أنني مرتبط به ليس فقط من خلال الدم، بل من خلال القيم والمبادئ التي زرعها، وأطمح أن أكون على قدر هذه المسؤولية في حياتي اليومية، لننقل إرثه إلى الأجيال القادمة كما ورثناه نحن.


#تاريخ #شخصيات_تاريخية #سيرة_ذاتية #ثقافة #تعليم #معرفة #تراث #إلهام #معلومة #كتب #تاريخ_العالم #أدب #اقتباسات #مفكرين #حضارة

#ديريك #المالكية #الحسكة #MXR #milad_korkis #ميلاد_كوركيس

Saturday, September 27, 2025

لحدو حنا القس : ابن الملاك الذي وهب سمعه وحياته للفقراء

 لحدو حنا القس : ابن الملاك الذي وهب سمعه وحياته للفقراء


إعداد : Milad Korkis 

صاحب مشروع : شخصيات صنعت ذاكرة الوطن

 

وُلد العم لحدو حنا القس عام 1894 في قرية أزخ، الواقعة اليوم في جنوب تركيا، وكانت في تلك الحقبة جزءًا من مناطق الجزيرة السورية التاريخية. كانت أزخ قرية صغيرة لكنها عريقة، ذات تاريخ ممتد، تتميز بترابط مجتمعها، وعمق القيم الدينية والاجتماعية، وبالتقاليد العشائرية التي شكلت شبكة دعم متينة لسكانها. كانت الزراعة أساس حياة أهل القرية، وأيضًا الرعي وصناعة الأدوات البسيطة، مع اعتماد متبادل بين العائلات على الموارد المشتركة.


نشأ لحدو في هذا الوسط الغني بالثقافة الشعبية والدينية، في بيت متدين، هو ابن الشماس حنا القس، ابن القس يوسف. تربى على الاحترام، الإيمان، والعمل الجاد، وعلى تقدير القيم الإنسانية الأساسية، مثل العدالة، الكرم، وحماية الضعفاء.


كونه الابن الأكبر، حمل منذ صغره المسؤولية عن أشقائه وعائلته، وشارك في الأعمال اليومية للبيت والأرض، مما أكسبه صلابة شخصية مبكرة، وفهمًا عميقًا لمعاناة الآخرين، خصوصًا الفلاحين والعمال الذين كانوا يعيشون ظروفًا اقتصادية صعبة. هذه التجربة شكلت بدايات وعيه الاجتماعي والسياسي، وغرست فيه الإيمان بأن الإنسان يجب أن يقف دائمًا في صف الحق، وأن المساواة والعدالة ليست رفاهية، بل ضرورة للحياة الكريمة.


في أزخ، لم تكن الحياة سهلة، فالقرية على الرغم من روابطها المتينة، كانت تعيش في سياق صراعات محلية أحيانًا بين العائلات والعشائر المجاورة على الأرض والمياه، إضافة إلى الضغط الاقتصادي والاجتماعي من الأغوات والملاك الذين سيطروا على أراضي واسعة. منذ طفولته، كان لحدو يشارك في هذه الحياة المليئة بالتحديات، يحمل السلاح مع رفاقه، ويساهم في الدفاع عن القرية، ويتعلم فنون القيادة والتخطيط المبكر، كما لاحظ قدرة والده وأفراد أسرته على حل النزاعات وحماية مصالح أهل القرية بالحكمة والحنكة.


كان لحدو يراقب ويتعلم من محيطه كيفية إدارة العلاقات العائلية والعشائرية، وكيفية ربط القيم الدينية بالممارسات اليومية. وعندما جاءت جمعية "اتحاد الترقي" وقامت بالاعتقالات عام 1926، ألقي القبض عليه مع القافلة، وعاش تجربة الاعتقال الأولى، وهو ما أكسبه فهمًا مبكرًا لقسوة السلطة، وأهمية النضال السياسي والاجتماعي لحماية الناس البسطاء.


بعد إطلاق سراحه، هاجر لحدو إلى قرية كافل قرب الجزيرة السورية، وعمل في مطحنة عند أحد الأغوات. هذه الفترة كانت حاسمة في توسيع أفقه، إذ عايش حياة الكادحين، وفهم بشكل مباشر ظلم الفلاحين واحتياجاتهم، وأدرك أن مجرد العمل الخيري لا يكفي، بل يجب أن يكون هناك تنظيم سياسي وفكري يحقق العدالة للجميع.


في عام 1928، استقر في قرية كاني كركي، وعمل بالزراعة، ثم في عام 1931، قام مع والده بشراء قرية سويديكي، لتصبح مركزًا لعائلته ونقطة انطلاق لمساره الاجتماعي والسياسي.


تزوج لحدو أولاً من "خانه" ابنة لحدو مختار قرية غربان، وأنجب منها ولدين هما "كوريه" و"عبود". بعد وفاة زوجته الأولى، تزوج من "وردة" من قرية الحكيم، وأنجب منها عشرة أبناء: خمسة شبان وخمس شابات. كان يحرص على تربية أبنائه على الصبر، الشجاعة، والوفاء للمبادئ. وكان يجلس معهم يحكي عن تجاربه، ويغرس في نفوسهم قيم العدالة والكرامة، وكيفية مواجهة المصاعب والتحديات بروح ثابتة ومبادئ لا تتغير.


التحول الأكبر في حياته جاء عام 1941، حين انتسب إلى الحزب الشيوعي السوري، في فترة عصيبة من تاريخ سوريا، حيث كانت البلاد في مرحلة ما بعد الانتداب الفرنسي، وسط محاولات بناء الدولة المستقلة، وصراعات طبقية حادة بين الفلاحين والملاك. جذبه الفكر الشيوعي لأنه قدم وسيلة عملية للدفاع عن الفقراء والعمال، ورفض الاستغلال، وأعطى الفلاحين حقوقهم في الأرض والعيش الكريم. أصبح لحدو من أوائل المناضلين في الجزيرة السورية، ناشراً الوعي بين الفلاحين، جالسًا معهم في الحقول، يشرح لهم حقوقهم، ويربط مطالبهم اليومية بالمستقبل الوطني والعدالة الاجتماعية.


في خمسينيات القرن الماضي، ومع تصاعد القمع ضد الحزب، تم اعتقال لحدو عام 1958 بسبب استضافته المناضل الكردي جكرخوين ورفاقه، وسيق إلى سجن المزة في دمشق، حيث تعرض لتعذيب شديد على يد رجال عبد الحميد السراج، وفقد السمع في إحدى أذنيه. ورغم هذا، لم يضعف، بل خرج من السجن أكثر إصرارًا على متابعة طريقه في الدفاع عن حقوق العمال والفلاحين، ومعارضة الظلم، رغم أنه جاء من عائلة مالكة، ما أكسب موقفه رمزية إضافية.


مع صدور قانون الإصلاح الزراعي، انتقل لحدو إلى المالكية، حيث استمر في النضال الاجتماعي والسياسي، داعمًا الفلاحين والعمال، ومتمسكًا بالقيم التي آمن بها طوال حياته. ولم ينسَ عائلته، بل حرص على تربية أبنائه على الصبر والوفاء، وغرس فيهم روح المقاومة والمبادئ الأخلاقية.


وفي عام 1997، وافته المنية بعد حياة مليئة بالنضال والتضحيات. دُفن أولاً في مقبرة مار يعقوب بالمالكية، ثم نُقل رفاته لاحقًا إلى قرية سويديكي حيث بُني له مزار خاص، ليظل رمزًا حيًا في ذاكرة المجتمع والأجيال القادمة، شاهداً على رجل جمع بين النضال، والوفاء، وحب العائلة، والإيمان بالإنسان والعدالة.


إن سيرة لحدو حنا القس ليست مجرد قصة رجل عاش ومات، بل هي ملحمة عن تحدي الظلم، وعن التضحية، وعن الوفاء للمبادئ وللعائلة، وعن الإنسان الذي اختار أن يكون صوت الفقراء والمستضعفين. ومنذ نعومة أظفارنا ونحن نجلس معه، نستمع إلى قصصه عن ما عانى، عن السجون، والاعتقالات، وعن التضحيات التي جعلت من حياته درسًا للأجيال في الكرامة والعدالة.


رسالة شخصية


إلى روحك الطاهرة يا لحدو حنا القس، وإلى عائلتك الكريمة التي حملت معك عبء الطريق:

أقف اليوم أمام سيرتك بكل فخر واعتزاز. لم تكن حياتك مجرد مسار فردي، بل كانت درساً في التضحية والوفاء. علمتني أن الكرامة لا تُشترى بالمال، وأن العدالة تستحق أن تُدفع لها أغلى الأثمان. أنت مثال حيّ على أن الإنسان يمكن أن يخرج من دائرة طبقته، ويتخطى مصالحه الضيقة، ليصبح جزءاً من قضايا شعبه. إنني أكتب عنك الآن لا كحكاية من الماضي، بل كقدوة للمستقبل. لروحك السلام والخلود، ولعائلتك كل المحبة والاعتزاز. أنتم عنوان الشرف، وأنتم صفحة مشرقة في تاريخ هذه الأرض. إنك لم تغب، لأن سيرتك تعيش فينا، ولأن كل من يقرأ عنك يشعر أن دمك ما زال يسقي أرض سوريا، ويمنحها القوة لتنهض من جديد.


#لحدو_حنا_القس #أزخ #المالكية #ديريك #سوريا #التاريخ_السياسي #الحزب_الشيوعي #الفلاحين #النضال #الجزيرة_السورية #شهداء_الفكر #MXR #milad_korkis #ميلاد_كوركيس

كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين

 كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين إعداد : ميلاد كوركيس مشرف مشروع : Memora 360 - Arabic في دمشق، المدينة التي تتنفس التاريخ وتت...