مترجم - Übersetzer

Sunday, October 5, 2025

كوني أرمنية الآرامي … أكون آراميّ الأرمنية

 كوني أرمنية الآرامي … أكون آراميّ الأرمنية


كتابة : ميلاد كوركيس 


يا موطنَ الروحِ والإيمانِ يا عَلَمًا

فيهِ التآخي تسامى فوقَ أحلامِ


يا منْ على الصّلبِ صلّى الحبُّ وانهمرَتْ

دمعُ المسيحِ على الأرواحِ كالعامِ


كمْ أنبتَ الصّلبُ في صدرِ البريّةِ ما

يُحيي القلوبَ كزرعٍ في الأنامِ


منذُ الفداءِ تلاقَتْ في قلوبِهمُ

أنغامُ حمدٍ تُناجي صَوتَ إلهامِ


دينٌ توحّدَ فيهِ النورُ متّقدًا

تُهدي الصّليبَ وتُحيي مجدَ أقوامِ


يا أمَّ آرامَ، يا أُمَّ الكنائسِ يا

بيتَ السلامِ، ويا مهدَ الإنجيلِ السّامي


كمْ شاركَتنا مذابحُنا بصلواتِها

في كلِّ فجرٍ يزفُّ روحَ إلهامِ


يا أرمنَ النورِ، يا نبعَ القداسةِ في

صوتِ الأجراسِ، يا إشراقَ أيّامِ


يا إخوةَ الصّلبِ والإيمانِ يا أممًا

تُضيءُ دربَ الهدى في وجهِ ظُلامِ


من بيتِ نهرينَ قامتْ أرضُ معجزتي

ومنْ أراراتَ قامتْ جمرُ أنغامِ


في طورِ عبدينَ أصواتُ المصلّينَ قدْ

صارتْ نشيدًا يُنادي خالقَ الأنامِ


في أرضِ آرامَ خطّ الروحُ آيتَهُ

وفي أرمينيا قامتْ قبّةُ السّلامِ


كمْ ذابَتِ اللغةُ العظمى بمجدِهمُ

لكنْ بَقِيَتْ على الألسُنْ كأنغامِ


يا منْ كتبتمْ على الجدرانِ صَلواتِكمُ

حبرًا منَ الدّمِ في إنجيلِ إقدامِ


ما بينَ أرمنٍ وآراميِّ وحدةُ مَنْ

صَلّى المسيحُ لأجلِ الجمعِ والأرحامِ


في كلِّ كنيسةٍ وجهُ المخلّصِ ما

زالَ المنارَ، ووجهَ الحبِّ والأعلامِ


في الرُّها، في أنطاكيةٍ، في قدسِنا

تبقى الصّلاةُ حنينَ الروحِ والنامِ


لسنا شعوبًا تفرّقنا المذاهبُ لا

بلْ شعبَ صلبٍ لهُ ربٌّ بإلهامِ


في كلِّ ديرٍ تَرنَّتْ توبةٌ ويدٌ

ترنو إلى الصّلبِ في صمتٍ وإقدامِ


والناقوسُ العالي في صباحِهمُ

كالحلمِ يجمعُ أرواحًا وأقوامِ


منْ صوتِ إنجيلِهمْ فاضَتْ محبّتُهمْ

تُسقي العروقَ بنورِ العهدِ والسّلامِ


يا منْ حملتُم على الأكفانِ أرواحَكمْ

كي لا يموتَ المدى في ظلمةِ الآثامِ


كمْ أمٍّ أرمنيةٍ في الفجرِ قد ركعتْ

تُهدي الخلاصَ لدمعِ الطفلِ والأيتامِ


وكمْ أبٍ آراميٍّ في تبتّلِهِ

قدّسَ دجى الليلِ بالتسبيحِ والسّلامِ


منْ رُها لأراراتٍ قصّةٌ كتبتْ

بالصّلبِ والحبِّ، بالإيمانِ والإقدامِ


يا إخوةَ الصّلبِ، يا أبناءَ قدّيسٍ

قدّمتُمُ المجدَ للأوطانِ والأحلامِ


كمْ خضّبتْ أرضُ آرامٍ بقدّيسِها

حينَ ارتقى مُتهلِّلًا نحوَ الأعلامِ


وكمْ تلاقتْ صلواتٌ في قِبابِهمُ

تعنو للربِّ في سِرٍّ وإلهامِ


في كلِّ عينٍ تجلّتْ نارُ معموديٍّ

تُحيي الجراحَ بنورِ الحبِّ والسّلامِ


في كلِّ جرحٍ مسيحٌ قامَ من ألمٍ

وفي القيامةِ إيمانٌ بأحلامِ


يا إخوتي في الصّليبِ الثابتينَ لنا

دربُ القداسةِ نحوَ المجدِ والإقدامِ


منْ طورِ عبدينَ نادتْنا أجراسُها

كونوا رعاةَ رجاءٍ دونَ أوهامِ


ومنْ أراراتَ جاءَ النورُ يرفعُنا

كأنَّهُ الربُّ في فجرِ القيَامِ


في كلِّ طفلٍ أرمنيٍّ ترى صورًا

منْ وجهِ آرامَ في ألحانِ أنغامِ


وفي الآراميِّ ظلٌّ منْ قداسةِ منْ

ساروا إلى الصّلبِ دونَ الخوفِ والآلامِ


يا موطني، يا صلاةَ المجدِ يا وطنًا

يبقى لنا رغمَ أحزانٍ وأحكامِ


كوني أرمنيةَ الآراميِّ في وطنٍ

يعلو بصوتِ الصّليبِ ونورِ أنغامِ


وأكونُ آراميَّ الأرمنِ ارتجفتْ

في صَدرِنا لهجاتُ الحمدِ والسّلامِ


يا زهرةً من شتاءِ الشرقِ قد نبتتْ

في التُّربتينِ على أشلاءِ أعوامِ


نحيا، ونكتبُ عهدَ اللهِ في قلمٍ

وننسجُ المجدَ من روحٍ وإلهامِ


#المسيحية #الصليب #القيامة #الإنجيل #الإيمان #القداسة #الآراميون #الأرمن #أرارات #طور_عبدين #أرض_آرام #قِباب_الكنائس #بيث_نهرين #الكنيسة_الجامعة #المجد_المسيحي #الوحدة_الروحية #MXR #Aramean #Armenian #ChristianFaith #HolyCross #Resurrection #Ararat #TurAbdin #Aram_Land #Church_Domes #BethNahrin #Brotherhood #Eastern_Spirit #Milad_Korkis

Sunday, September 28, 2025

يوسف عبد الأحد : خياط الزمن وراوي ذكريات ديريك

 يوسف عبد الأحد : خياط الزمن وراوي ذكريات ديريك


إعداد : ميلاد كوركيس 

صاحب مشروع : شخصيات صنعت ذاكرة الوطن

 

يوسف حنا عبد الأحد، الرجل الذي قضى أكثر من ستين عامًا من عمره في خياطة ملابس سكان ديريك وحياكة قصص حياتهم اليومية، هو أكثر من مجرد خياط. محله المتواضع ما زال ينبض بالحياة ويشهد على ماضي المدينة وحاضرها، ويحافظ على ذكريات أزقتها وروح أهلها. لقد عاش يوسف حياة كاملة بين الإبرة والخيط والذكريات، بين الزبائن والجيران والروابط الإنسانية التي نسجها على مدى عقود. رغم تقدمه في العمر وتراجع عدد الزبائن، يظل يوسف رمزًا للتمسك بالأرض والوفاء للمكان والناس الذين ترعرع بينهم. هو شاهد حي على الزمن الذي مر، وعلى أجيال كاملة من أهالي ديريك الذين رحلوا، ولم يبقَ إلا صدى أسمائهم وأحاديثهم في ذاكرته.


ولد يوسف عبد الأحد في قلب مدينة ديريك، ونشأ بين أزقتها وأسواقها، حيث كان الدوار مركز الحياة النابض بالناس والتجار والخياطين. منذ صغره انجذب إلى ماكينة الخياطة القديمة التي ورثها عن والده، وكانت جزءًا من محله الصغير. هناك بدأ يوسف رحلته الطويلة مع الخياطة والزمن، متعلمًا كل تفاصيل الحرفة، من قص القماش إلى خياطة الأثواب الفاخرة ومتابعة كل خيط يمر بين يديه.


لم يكن يوسف مجرد خياط، بل كان راوي القصص! يسمع أحزان الناس وأفراحهم، ويشاركهم لحظاتهم الصغيرة والكبيرة. كل قطعة قماش تمر بين يديه تحمل جزءًا من حياة أهالي ديريك ومن حكاياتهم اليومية. كان يعرف كل زبون باسمه ويعرف قصته ويستذكر تفاصيلها كما لو كانت جزءًا من حياته الشخصية. ستون عامًا قضاها يوسف في تفصيل الملابس وتصليحها، وعاش حياة بسيطة مليئة بالوفاء لمهنته وأهله.


كان محله نقطة التقاء للسكان وملاذًا لكل من يحتاج إلى حرفة دقيقة، أو نصيحة صادقة، أو حتى لحظة هدوء وسط صخب الحياة اليومية. لقد شهد يوسف محله يتحول من السوق الصاخب المليء بالزبائن إلى الأزقة الأكثر هدوءًا بعد أن غادر معظم الجيل القديم المدينة. هاجر الكثيرون بحثًا عن حياة أفضل أو فرص عمل بعيدة، لكنه بقي راسخًا في مكانه.


كان يوسف يفتتح محله مع شروق الشمس، ويجلس على كرسيه العتيق بجانب الماكينة القديمة قبل أن يصل الزبائن. يحضر معه كوب الشاي الصباحي ويتفقد الأدوات والخيوط بعناية. كان يعرف كل خيط وما يناسب أي قطعة من الملابس. أحيانًا كان ينظر إلى الأزقة أمام محله ويسترجع في ذهنه أيام الماضي، حيث كان الدوار يعج بالصخب والباعة والزوار، وكان كل محل خياط يمثل قلبًا نابضًا للحياة!


يقول يوسف في حديثه : "منذ شهرين لم أستقبل سوى عدد قليل من الزبائن، لكنني هنا ولم أغادر ديريك مثل معظم أهلي. كيف أترك هذه المدينة؟ هذه هي ذاكرتي!"


لقد اعتاد أن يرى المحل مركزًا للقاءات الناس، حيث يتوقف السائقون والقرويون أمامه ليتبادلوا الأخبار والحكايات، ويجلسون على كرسيه العتيق بينما هو يعدل بعض الثياب أو يضحك معهم. أحيانًا يأتيه زائرون من القرى المجاورة مثل الزهيرية والسلمية، يجلبون له بعض الحليب أو البيض، ويجلسون لساعات يتحدثون عن الحياة والعمل والزراعة. وكان يوسف يسمع لهم ويجيب بنبرة دافئة ونصائح بسيطة.


في أوج نشاطه، كان الدوار يعج بالخياطين، وكل محل ينبض بالحياة. يوسف كان جزءًا من هذا النسيج، يعرف الجميع بأسمائهم ووجوههم، ويستذكر كل موقف وكأنه يحدث الآن. لقد رأى أجيالًا كاملة تكبر أمامه؛ أطفال اليوم يصبحون آباء الغد، وكلهم يأتون إلى محله بالحب والاحترام. كان يستمتع بالضحك معهم، ومتابعة أخبارهم، ويشاركهم بعض القصص الطريفة عن أهله وأصدقائه الذين رحلوا مع مرور السنوات.


تراجعت قوة يده وأصبحت تصليحاته محدودة، مثل تغيير سحاب أو تقصير بنطال، لكن روحه لم تتراجع. ظل يستقبل كل من يأتيه للحديث أو لطلب المساعدة بابتسامة ودودة، ويستمتع بكل لحظة يجلس فيها الزبائن أمام محله، يتبادلون الأحاديث عن قراهم وأعمالهم وحياتهم اليومية. يوسف دائمًا ما يطلب منهم شيئًا بسيطًا من قراهم، مثل الحليب أو البيض، وكأن هذه التفاصيل الصغيرة تربطه بالماضي وبأيام شبابه.


كان يوسف يحب مشاركة الذكريات مع زبائنه الصغار، يحكي لهم عن الأزقة القديمة، وعن الأسواق التي لم تعد موجودة، وعن الخياطين الذين رحلوا عن المدينة، وعن أصدقائه الذين تركوا أثرهم في كل مكان في ديريك. لقد أصبح محله أكثر من مجرد ورشة عمل، بل مكانًا لتاريخ حي للحياة اليومية للمدينة.


اليوم، بقي يوسف وأحد زملائه من الخياطين القدامى وحيدين، يحملان ذاكرة جيل انقضى. يستذكر أسماء أصدقائه وزملائه بصوت هادئ، وكأنهم ما زالوا هنا، يتبادلون الضحكات والأحاديث في الأزقة، ويسترجع كل موقف حدث في المحل أو في السوق أو في الدوار. وكل هذه التفاصيل تشكل تاريخًا حيًا للمدينة التي أحبها وعاش فيها.


يبقى يوسف رمزًا للمدينة وللأجيال الماضية، وعلامة على الزمن الذي مر وحفر ذكريات لا تُنسى. لقد أصبح محله أكثر من مجرد مكان للعمل، بل سجل حي لتاريخ ديريك وأهلها. يوسف عبد الأحد، خياط الزمن وراوي الذكريات، يبقى شاهد المدينة الحي، يحمل في قلبه أسماء أصدقائه وزملائه الذين رحلوا، ويحافظ على روحهم حية في كل حديث وضحكة.


يستمر يوسف في محله الصغير كجزء من تاريخ ديريك، وكحافظ لذاكرتها وروح أهلها. وهو المثال الحي للتمسك بالأرض والوفاء للذكريات. كل قطعة قماش يلمسها، وكل زبون يرحب به، يشكل جزءًا من هذه الذاكرة الحية التي لا تنتهي!


رسالة شخصية مني:

إلى يوسف عبد الأحد، وإلى أمثاله من ركائز مدينتنا العريقة، أنتم الحافظون على نبض الأزقة وروح الأحياء، أنتم من يُبقون تاريخ المدينة حيًا في قلوب الأجيال. كل ضحكة، وكل حكاية، وكل خيط تمر يديكم عبره، هو أثر خالد يروي لنا قصة المدينة ويمنحها رونق الحياة الذي لا يزول. أنتم المعلمون الذين نستلهم منهم الصبر، والإتقان، والحب للتراث. شكري وامتناني لكم لا يُقاس، وأدعو كل من يعرفكم أن يقدر هذه الجذور التي تبقي ديريك نابضة بالذكريات!


#يوسف_عبد_الأحد #ديريك #خياط_الزمن #ذكريات_المدينة #أزقة_ديريك #أهل_ديريك #قصص_الشباب_والقديم #خياطة_الذكريات #الجيل_القديم #MXR #milad_korkis #ميلاد_كوركيس

العم موسى كوركيس : رجل العطاء والإيمان والحكمة

 العم موسى كوركيس ( دلالي) أبو توماس : 

رجل العطاء والإيمان والحكمة


إعداد : ميلاد كوركيس 

صاحب مشروع : شخصيات صنعت ذاكرة الوطن



في بلادٍ تتشابك فيها صفحات التاريخ مع قصص الناس اليومية، هناك رجالٌ لا تُمحى آثارهم بمرور الزمن، رجالٌ تظل بصماتهم حاضرة في القلوب والبيوت والقرى، رجالٌ يخلّفون إرثًا خالدًا من العطاء، الصبر، والإيمان بالإنسانية. هؤلاء الرجال لا يُذكرون فقط في الكتب التاريخية، بل في تفاصيل الحياة اليومية لكل من عرفهم أو عاش في كنفهم، أو تأثر بتوجيههم وحكمتهم. ومن بين هؤلاء الرجال الذين تركوا بصمة لا تُنسى على مر الأجيال، يسطع اسم العم موسى كوركيس، الرجل الذي حمل على عاتقه مسؤولية عائلته، قرية الحكمية، ومجتمعه الأكبر، وصنع من حياته رسالة صادقة للعطاء، الحكمة، والإيمان.


وُلد العم موسى كوركيس في عام 1923 بإزخ في تركيا، في زمن صعب مليء بالقهر والفقر والاضطهاد، حيث كانت الحياة اليومية تحديًا كبيرًا للبقاء على قيد الحياة. منذ صغره، تعلم الصبر والمثابرة، وأصبح يتحمل مسؤوليات كبيرة تفوق عمره بكثير. فقد كان أكبر إخوته، وما إن بدأ وعيه بالحياة حتى فقد والده، توما سلطانة، تاركًا فراغًا كبيرًا في قلب الأسرة الصغير.


كانت والدته، دلالي، امرأة قوية وصبورة، تمثل نموذجًا للصبر والعطاء، وتحملت مسؤولية تربية أبنائها في ظل غياب الأب. وكان على العم موسى أن يكون الأخ الأكبر والأب البديل لأخوته، سليمان وصبري، فتعلم منذ صغره كيف يوازن بين العاطفة والمسؤولية، وكيف يكون سندًا لهم، وكيف يكون قدوة في الصبر والعمل. لقد قاد الأسرة الصغيرة في أصعب الظروف، وظهر على نحو ملهم حتى لأمه وأخوته، فكان رمزًا للقوة والإرادة، وقيمة الالتزام تجاه الأسرة.


الحياة في تركيا لم تكن سهلة، إذ طغى الفقر والاضطهاد على كل شيء، وكان الخوف من المستقبل يلاحق العائلات في كل لحظة. لم يكن أمامهم خيار سوى الرحيل، بحثًا عن الأمان والاستقرار، عن فرصة للعيش بكرامة، وهكذا جاء قرار الهجرة إلى سوريا. كانت رحلة صعبة مليئة بالمخاطر، مليئة بالانتقالات الطويلة والليالي الباردة، لكنها كانت بداية فصل جديد في حياة العم موسى كوركيس، فصل جمع بين ألم الغربة وأمل بناء حياة جديدة، حياة يستطيع فيها أن يؤمن مستقبلاً أفضل لعائلته ولمن حوله.


في نفس العام تقريبًا، تزوج العم موسى من السيدة لية ملكي بحكو، التي كانت شريكة حياته في رحلة طويلة من الكفاح والصبر. كانت لية دعمه الحقيقي في كل خطوة، شريكة في مواجهة التحديات اليومية، مشاركة له في كل تفاصيل الحياة. معًا شكّلوا أسرة صغيرة متينة، يجمعها الحب والصبر والوفاء، وكان زواجهما نموذجًا حقيقيًا للشراكة التي تعتمد على التضحية والتفاهم والعمل المشترك.

الوصول إلى سوريا لم يكن نهاية المعاناة، بل بداية لمرحلة جديدة من الصعوبات، فقد عاشوا في ظروف قاسية جدًا، متنقلين بين أماكن ضيقة، يسكنون في خيام أو بيوت بسيطة جدًا، ولم تكن لديهم أي ضمانات لمستقبل مستقر. ولتأمين لقمة العيش، التحق العم موسى بالجيش الفرنسي في لبنان، حيث عاش حياة عسكرية شاقة جدًا، تعلم خلالها الانضباط والتحمل، والاعتماد على النفس، والصبر على الصعاب. استمر في خدمته حتى جلاء الفرنسيين عن لبنان وسوريا عام 1946، وحين خُيّر بين الرحيل مع الفرنسيين أو البقاء في لبنان، رفض المغريات واختار العودة إلى سوريا، لأن جذوره وأهله ووطنه كانت أهم من أي شيء آخر، واختار البقاء حيث يستطيع أن يؤثر بحياة الناس حوله.


مع عودته إلى سوريا، استقر العم موسى كوركيس في قرية الحكمية، وهناك بدأت مرحلة جديدة من حياته، مرحلة البناء والعطاء الحقيقي. أخذ على عاتقه إعادة إعمار البيوت، ليس فقط لعائلته، بل لكل العائلات التركية التي لجأت إلى سوريا، فتح قلبه وبيته للجميع، واستقبل الهاربين كما لو كانوا إخوته، وكان دائمًا يقول لهم: "هنا بيتكم، وأنتُم جزء منا، لن يضيع أحد منا". شيئًا فشيئًا، بدأت القرية تنبض بالحياة، ومع ازدياد عدد العائلات، صار العم موسى ركيزة أساسية في المجتمع، وأصبح محور الثقة والتلاحم بين أهل الحكمية. ولأجل ذلك، عينه أهلها والدولة مختارًا للقرية، وهو منصب حمله بكل جدية وإخلاص، مسؤولية تتجاوز الإدارة اليومية لتصل إلى حماية قيم العدل والمساواة بين الجميع.


في عهده كمختار، لم يقتصر دوره على إدارة شؤون الناس اليومية، بل تجاوز ذلك إلى رؤى أوسع وأهداف أكبر. أشرف على بناء كنيسة مارت شوشان، التي أصبحت رمزًا للقرية ومركزًا لتجمع الناس، رغم معارضة بعض الجهات الرسمية في البداية. بإصراره وصبره، حول الحلم إلى واقع ملموس، لتصبح الكنيسة مركزًا للتلاقي الاجتماعي والتماسك، رمزًا للوحدة بين أهل القرية وأساسًا للثقافة والتعليم. لقد كان يرى أن الكنيسة ليست مجرد مكان للعبادة، بل صرحًا يجمع الجميع تحت قيم المحبة والتعاون.


التعليم كان شغف العم موسى الأكبر، وكان يؤمن أن نهضة القرية لا تتحقق إلا بالعلم، وأن مستقبل الأطفال مرتبط بالفرص التعليمية المتاحة لهم. في البداية، كان يرسل أبناء القرية سيرًا على الأقدام إلى قرية مجاورة لتلقي التعليم، وهو ما كان شاقًا جدًا على الأطفال، لكنه لم يرضَ بذلك، فواصل جهوده وأقنع المسؤولين بفتح مدرسة ابتدائية في الحكمية، ففتح بذلك باب العلم أمام الأجيال الجديدة، وسعى أن يكمل أبناؤه وأبناء إخوته تعليمهم، واشترى بيتًا كبيرًا في مدينة المالكية ليكون سكنًا للطلاب، من أبنائه وأبناء إخوته، لتنشئة جيل متعلم، ورافقهم والدته دلالي لتوفر الرعاية والدعم.


أما عائلته الخاصة، فقد كان محور اهتمامه الكبير. أنجب العم موسى كوركيس عدة أبناء وبنات: فهيمة، سعاد، صبرية، المرحومة بسنة والدة الدكتور ( أيهم) الغني عن التعريف ، نجاح، وصباح، بالإضافة إلى الأبناء الذكور توماس وغاندي. كانت حياته مكرسة لضمان مستقبل أبنائه بكل تفانٍ. فهيمة، سعاد، وصبرية تزوجن في سن مبكرة ولم يكملن تعليمهن، بينما أكملت المرحومة بسنة، نجاح، وصباح تعليمهن كل واحدة وفق اختصاصها: المرحومة بسنة أصبحت معلمة للصفوف الخاصة، نجاح التحقت بدار المعلمين وأصبحت معلمة، وصباح أصبحت مدرسة موسيقى، كل واحدة متخصصة في المجال الذي أحبت. أما الأبناء الذكور، فدرس توماس الصيدلة وأصبح صيدليًا ناجحًا، بينما درس غاندي الهندسة الكهربائية وأصبح مهندسًا متميزًا.


الأحفاد من بعدهم أكملوا مسيرة العلم والتزموا بوصية جدهم، حيث اختار كل واحد منهم مجاله المفضل وأبدع فيه، سواء الطب، الأدب، الهندسة، الموسيقى، أو العلوم، ليصبحوا رموزًا للتميز والإبداع في مجالاتهم، حاملين مشعل العلم والعطاء كما أراد الجد أن يكون إرثه مستمرًا، مواصلين تعزيز قيم التعليم والعمل والوفاء التي غرسها العم موسى كوركيس في أبنائه وبناته.


لم يكن العم موسى كوركيس مجرد أب ومختار، بل كان رجل مجتمع بمعنى الكلمة، رجلًا حقيقيًا يتوسط بين الناس عند حدوث خلافات أو شعور بالظلم. كان حكمه عادلًا، وكلمته مسموعة، واستطاع بحكمته أن يحل نزاعات كبيرة بين العائلات، فصارت قرية الحكمية أشبه بعائلة كبيرة واحدة متماسكة، حيث يعرف الجميع أن للعم موسى كلمة وعمل يثقون فيه.


عرفه الناس بكرمه وأعماله الإنسانية، فلم يتردد يومًا في تقديم الدعم للفقراء والمحتاجين، وكان ناشطًا في المجلس الملي للسريان في المالكية، يشارك في الوفود ويعمل على تأسيس مدارس للطوائف المسيحية، ويطلق المشاريع الخيرية لدعم العائلات المحتاجة، وهكذا أصبح العم موسى كوركيس من وجاهات مدينة المالكية، وصوته مسموعًا ومرجعًا موثوقًا للجميع.


لم تخلو حياته الطويلة من حكمة يختصرها في كلماته: "الإنسان الذي يريد أن يكون مصدرًا في مجتمعه عليه أن يكون أفضل من والده"، إشارة إلى أن كل جيل عليه تطوير ما ورثه، أن يحب أكثر، ويعطي أكثر، ويتجاوز الخلافات، ويعمل من أجل خير الآخرين قبل نفسه.


بعد حياة حافلة بالكفاح والعطاء والإنجازات، رحل العم موسى كوركيس عن الدنيا في الرابع من كانون الثاني عام 1998 عن عمر ناهز الخامسة والسبعين. رحل جسده، لكن أثره بقي، وبقيت سيرته علامة مضيئة في تاريخ العائلة، القرية، والمدينة، ورمزًا حيًا للعطاء والإيمان والحكمة.


حديثنا عن العم موسى لا ينتهي، فقد حمل هموم عائلته منذ صباه، وتحول إلى سند لأمه وإخوته وزوجته وأولاده، ثم إلى أب وقائد لكل القرية. جعل من الحكمية بيتًا كبيرًا، ومن المالكية حاضنة للعلم والخير، ومن حياته رسالة صادقة للعطاء، دون البحث عن منصب أو مجد دنيوي، لكنه كسب احترام الجميع وأصبح رمزًا للوفاء والكرم والمسؤولية، نموذجًا للرجل الذي يتجاوز حدود نفسه ليكون سندًا للآخرين، للفقير، للمظلوم، ولطالب العلم.


أما أنا، كفرد من هذه العائلة، فقد كنت أسمع عنه الكثير، رغم أنني لم أحظَ بلقائه، ومع ذلك أشعر بفخر واعتزاز كلما ذكر اسمه. ومع كل اكتشاف جديد لحجم ما قدمه، يزداد شعوري بالفخر والانتماء لهذه العائلة التي أنجبت رجلاً مثله، ولكوني وريثًا لإرث العم موسى كوركيس، الذي يزيدني قوة وعزيمة على السير على خطاه، ولو من بعيد. أشعر أنني مرتبط به ليس فقط من خلال الدم، بل من خلال القيم والمبادئ التي زرعها، وأطمح أن أكون على قدر هذه المسؤولية في حياتي اليومية، لننقل إرثه إلى الأجيال القادمة كما ورثناه نحن.


#تاريخ #شخصيات_تاريخية #سيرة_ذاتية #ثقافة #تعليم #معرفة #تراث #إلهام #معلومة #كتب #تاريخ_العالم #أدب #اقتباسات #مفكرين #حضارة

#ديريك #المالكية #الحسكة #MXR #milad_korkis #ميلاد_كوركيس

Saturday, September 27, 2025

لحدو حنا القس : ابن الملاك الذي وهب سمعه وحياته للفقراء

 لحدو حنا القس : ابن الملاك الذي وهب سمعه وحياته للفقراء


إعداد : Milad Korkis 

صاحب مشروع : شخصيات صنعت ذاكرة الوطن

 

وُلد العم لحدو حنا القس عام 1894 في قرية أزخ، الواقعة اليوم في جنوب تركيا، وكانت في تلك الحقبة جزءًا من مناطق الجزيرة السورية التاريخية. كانت أزخ قرية صغيرة لكنها عريقة، ذات تاريخ ممتد، تتميز بترابط مجتمعها، وعمق القيم الدينية والاجتماعية، وبالتقاليد العشائرية التي شكلت شبكة دعم متينة لسكانها. كانت الزراعة أساس حياة أهل القرية، وأيضًا الرعي وصناعة الأدوات البسيطة، مع اعتماد متبادل بين العائلات على الموارد المشتركة.


نشأ لحدو في هذا الوسط الغني بالثقافة الشعبية والدينية، في بيت متدين، هو ابن الشماس حنا القس، ابن القس يوسف. تربى على الاحترام، الإيمان، والعمل الجاد، وعلى تقدير القيم الإنسانية الأساسية، مثل العدالة، الكرم، وحماية الضعفاء.


كونه الابن الأكبر، حمل منذ صغره المسؤولية عن أشقائه وعائلته، وشارك في الأعمال اليومية للبيت والأرض، مما أكسبه صلابة شخصية مبكرة، وفهمًا عميقًا لمعاناة الآخرين، خصوصًا الفلاحين والعمال الذين كانوا يعيشون ظروفًا اقتصادية صعبة. هذه التجربة شكلت بدايات وعيه الاجتماعي والسياسي، وغرست فيه الإيمان بأن الإنسان يجب أن يقف دائمًا في صف الحق، وأن المساواة والعدالة ليست رفاهية، بل ضرورة للحياة الكريمة.


في أزخ، لم تكن الحياة سهلة، فالقرية على الرغم من روابطها المتينة، كانت تعيش في سياق صراعات محلية أحيانًا بين العائلات والعشائر المجاورة على الأرض والمياه، إضافة إلى الضغط الاقتصادي والاجتماعي من الأغوات والملاك الذين سيطروا على أراضي واسعة. منذ طفولته، كان لحدو يشارك في هذه الحياة المليئة بالتحديات، يحمل السلاح مع رفاقه، ويساهم في الدفاع عن القرية، ويتعلم فنون القيادة والتخطيط المبكر، كما لاحظ قدرة والده وأفراد أسرته على حل النزاعات وحماية مصالح أهل القرية بالحكمة والحنكة.


كان لحدو يراقب ويتعلم من محيطه كيفية إدارة العلاقات العائلية والعشائرية، وكيفية ربط القيم الدينية بالممارسات اليومية. وعندما جاءت جمعية "اتحاد الترقي" وقامت بالاعتقالات عام 1926، ألقي القبض عليه مع القافلة، وعاش تجربة الاعتقال الأولى، وهو ما أكسبه فهمًا مبكرًا لقسوة السلطة، وأهمية النضال السياسي والاجتماعي لحماية الناس البسطاء.


بعد إطلاق سراحه، هاجر لحدو إلى قرية كافل قرب الجزيرة السورية، وعمل في مطحنة عند أحد الأغوات. هذه الفترة كانت حاسمة في توسيع أفقه، إذ عايش حياة الكادحين، وفهم بشكل مباشر ظلم الفلاحين واحتياجاتهم، وأدرك أن مجرد العمل الخيري لا يكفي، بل يجب أن يكون هناك تنظيم سياسي وفكري يحقق العدالة للجميع.


في عام 1928، استقر في قرية كاني كركي، وعمل بالزراعة، ثم في عام 1931، قام مع والده بشراء قرية سويديكي، لتصبح مركزًا لعائلته ونقطة انطلاق لمساره الاجتماعي والسياسي.


تزوج لحدو أولاً من "خانه" ابنة لحدو مختار قرية غربان، وأنجب منها ولدين هما "كوريه" و"عبود". بعد وفاة زوجته الأولى، تزوج من "وردة" من قرية الحكيم، وأنجب منها عشرة أبناء: خمسة شبان وخمس شابات. كان يحرص على تربية أبنائه على الصبر، الشجاعة، والوفاء للمبادئ. وكان يجلس معهم يحكي عن تجاربه، ويغرس في نفوسهم قيم العدالة والكرامة، وكيفية مواجهة المصاعب والتحديات بروح ثابتة ومبادئ لا تتغير.


التحول الأكبر في حياته جاء عام 1941، حين انتسب إلى الحزب الشيوعي السوري، في فترة عصيبة من تاريخ سوريا، حيث كانت البلاد في مرحلة ما بعد الانتداب الفرنسي، وسط محاولات بناء الدولة المستقلة، وصراعات طبقية حادة بين الفلاحين والملاك. جذبه الفكر الشيوعي لأنه قدم وسيلة عملية للدفاع عن الفقراء والعمال، ورفض الاستغلال، وأعطى الفلاحين حقوقهم في الأرض والعيش الكريم. أصبح لحدو من أوائل المناضلين في الجزيرة السورية، ناشراً الوعي بين الفلاحين، جالسًا معهم في الحقول، يشرح لهم حقوقهم، ويربط مطالبهم اليومية بالمستقبل الوطني والعدالة الاجتماعية.


في خمسينيات القرن الماضي، ومع تصاعد القمع ضد الحزب، تم اعتقال لحدو عام 1958 بسبب استضافته المناضل الكردي جكرخوين ورفاقه، وسيق إلى سجن المزة في دمشق، حيث تعرض لتعذيب شديد على يد رجال عبد الحميد السراج، وفقد السمع في إحدى أذنيه. ورغم هذا، لم يضعف، بل خرج من السجن أكثر إصرارًا على متابعة طريقه في الدفاع عن حقوق العمال والفلاحين، ومعارضة الظلم، رغم أنه جاء من عائلة مالكة، ما أكسب موقفه رمزية إضافية.


مع صدور قانون الإصلاح الزراعي، انتقل لحدو إلى المالكية، حيث استمر في النضال الاجتماعي والسياسي، داعمًا الفلاحين والعمال، ومتمسكًا بالقيم التي آمن بها طوال حياته. ولم ينسَ عائلته، بل حرص على تربية أبنائه على الصبر والوفاء، وغرس فيهم روح المقاومة والمبادئ الأخلاقية.


وفي عام 1997، وافته المنية بعد حياة مليئة بالنضال والتضحيات. دُفن أولاً في مقبرة مار يعقوب بالمالكية، ثم نُقل رفاته لاحقًا إلى قرية سويديكي حيث بُني له مزار خاص، ليظل رمزًا حيًا في ذاكرة المجتمع والأجيال القادمة، شاهداً على رجل جمع بين النضال، والوفاء، وحب العائلة، والإيمان بالإنسان والعدالة.


إن سيرة لحدو حنا القس ليست مجرد قصة رجل عاش ومات، بل هي ملحمة عن تحدي الظلم، وعن التضحية، وعن الوفاء للمبادئ وللعائلة، وعن الإنسان الذي اختار أن يكون صوت الفقراء والمستضعفين. ومنذ نعومة أظفارنا ونحن نجلس معه، نستمع إلى قصصه عن ما عانى، عن السجون، والاعتقالات، وعن التضحيات التي جعلت من حياته درسًا للأجيال في الكرامة والعدالة.


رسالة شخصية


إلى روحك الطاهرة يا لحدو حنا القس، وإلى عائلتك الكريمة التي حملت معك عبء الطريق:

أقف اليوم أمام سيرتك بكل فخر واعتزاز. لم تكن حياتك مجرد مسار فردي، بل كانت درساً في التضحية والوفاء. علمتني أن الكرامة لا تُشترى بالمال، وأن العدالة تستحق أن تُدفع لها أغلى الأثمان. أنت مثال حيّ على أن الإنسان يمكن أن يخرج من دائرة طبقته، ويتخطى مصالحه الضيقة، ليصبح جزءاً من قضايا شعبه. إنني أكتب عنك الآن لا كحكاية من الماضي، بل كقدوة للمستقبل. لروحك السلام والخلود، ولعائلتك كل المحبة والاعتزاز. أنتم عنوان الشرف، وأنتم صفحة مشرقة في تاريخ هذه الأرض. إنك لم تغب، لأن سيرتك تعيش فينا، ولأن كل من يقرأ عنك يشعر أن دمك ما زال يسقي أرض سوريا، ويمنحها القوة لتنهض من جديد.


#لحدو_حنا_القس #أزخ #المالكية #ديريك #سوريا #التاريخ_السياسي #الحزب_الشيوعي #الفلاحين #النضال #الجزيرة_السورية #شهداء_الفكر #MXR #milad_korkis #ميلاد_كوركيس

Friday, September 26, 2025

حنا شيعا … المعلّم والرفيق الذي حمل ذاكرة جيل ووجع وطن

حنا شيعا … المعلّم والرفيق الذي حمل ذاكرة جيل ووجع وطن


في مدن الجزيرة السورية، وفي أزقتها الضيقة وبيوتها المتواضعة، كبرت قصص كثيرة لشخصيات حملت الوعي والكرامة على أكتافها، لكن قلّة منها تركت أثرًا يشبه الأثر الذي تركه الأستاذ حنا شيعا. وُلد في زمن صعب، وعاش في محيط مثقل بالحرمان، واختار أن يكون معلمًا، مربّيًا، مناضلًا، وصوتًا للحق في وجه الظلم، في وقتٍ كانت فيه كلمة الحق تساوي حياة صاحبها.


لم يكن مسيحيو سوريا في عهد نظام الأسد يعيشون حياة طبيعية. على العكس، فقد عانوا من سياسة ممنهجة هدفت إلى إضعاف حضورهم السياسي والثقافي، وحرمانهم من حقوقهم الوطنية، وتهميشهم تحت شعارات كاذبة عن "الوحدة الوطنية". كل من تجرأ على الانخراط في عمل سياسي مستقل أو انتقد ممارسات النظام كان عرضة للاعتقال والتعذيب، بغض النظر عن دينه أو قوميته، لكن المسيحيين كانوا يعانون مضاعفًا: فمن جهة هم متهمون دومًا بالولاء للخارج أو بالارتباط بالغرب، ومن جهة أخرى كانوا محرومين من التعبير الحر عن هويتهم القومية والثقافية.


في هذا الجو الخانق، نشأ حنا شيعا. لم يكن مجرد معلم لغة ونحو، بل كان حاملًا لرسالة أوسع: رسالة الوعي والحرية. على يديه انخرط الكثيرون في الحزب الشيوعي السوري، ومنهم الأديب فؤاد حنا زاديكيه وقريبه عيسى عوري أبو شربل، حيث أقسموا معًا أمام حائط بيعة مارت شموني على الوفاء للمبدأ. كان ذلك القسم فعل تحدٍ في وجه السلطة التي كانت تلاحق كل شيوعي، وتعتبره خائنًا أو عدوًا. واللافت أن العديد من المسيحيين الآخرين، ومن بينهم جدي الراحل، كانوا ضحايا لهذه المضايقات، فقد دفعهم انتماؤهم السياسي الثمن باهظًا، مثل كثيرين من رفاق حنا، في ظل زمن اختلطت فيه السياسة بالقمع والطائفية.


دفعت هذه الجرأة حنا شيعا إلى أقبية الأمن، حيث ذاق التعذيب الجسدي والنفسي. لم يكن وحده؛ كثير من شباب ديريك وسائر مدن الجزيرة مروا عبر زنازين المخابرات، لكن ما ميّزه هو صمته وصموده. بعد خروجه من المعتقل لم يروِ لأحد ما جرى معه، وكأنه أراد أن يدفن الألم في داخله ليحمي رفاقه. وكانت القصص حول هذا القمع تطول، ولا تنتهي، كل شخص يحمل رواية مختلفة عن التعذيب، عن الحرمان، عن التضييق اليومي على حريته.


ورغم ذلك، لم ينكفئ حنا إلى الظل. كان يؤمن أنّ بناء الإنسان أهم من أي معركة سياسية. بعد انتهاء دوامه في مدرسة الدجلة الخاصة للسريان، كان يدعو طلابه إلى الكنيسة ليتعلموا الترانيم والطقوس، ثم يجلس معهم ليعطيهم دروسًا إضافية في النحو والإعراب. لقد كان يعرف أنّ قوة شعبه تبدأ من التعليم والوعي، وأن مواجهة الاستبداد تبدأ من المدرسة قبل أي مكان آخر.


في المدارس الخاصة بالسريان، كان مثالًا للمعلم الصارم الحنون. كان يدفع تلاميذه للمطالبة برحلات "التنزّهة"، يتظاهر بالاعتراض أمام الإدارة، لكنه في الخفاء يشجعهم على الانطلاق في أحضان الطبيعة. وهناك، كان يعلمهم الأغاني القومية السريانية مثل أومتان بيت نهرين وأومتان سوريويتو، وكأنّه يقول لهم إن للهوية القومية والثقافية مكانًا لا يمكن للنظام أن يمحيه.


لكنّ النظام لم يتركه. مع اشتداد التضييق على الحزب الشيوعي، طُلب منه أن يتظاهر بالعداء للحزب ويعلن طرده منه، ليتمكن من كشف المؤامرات التي كانت تُحاك ضد قياداته. ففعل، وصار خصوم الحزب يظنونه تراجع، بينما كان يؤدي مهمة خطيرة أنقذت رفاقه من التصفية. حتى أقرب أصدقائه لم يعرفوا سر مهمته، فعاتبوه وظنوا أنه انقلب، قبل أن يدركوا لاحقًا حجم تضحيته. هذا المشهد يختصر طبيعة الحياة تحت حكم الأسد: عالم من الشكوك، المؤامرات، والعمل السري، حيث لا أحد آمن، حتى في بيته.


لم يكن التعليم وحده مجاله. كان رياضيًا موهوبًا، أسّس فريق نينوى أشبال الرافدين، وأشرف على تدريبه. جمع شباب ديريك حول كرة القدم، وغرس فيهم الانضباط والروح الجماعية. حتى أثناء خدمته العسكرية، أثبت موهبته حين هزم بطل سورية في الجري محمد عطيش، لكنه رفض أن يبيع روحه للنظام أو ينخرط في جيشه بشكل دائم، مفضّلًا العودة إلى أسرته ومدينته.


ومثل كثير من المعلمين المسيحيين، عانى من سياسة تهميش متعمدة. تقدّم لفحص الشهادة الإعدادية مرارًا ولم ينجح، ربما بفعل العراقيل البيروقراطية أو القصدية، لكن ذلك لم يمنعه من أن يكون مثقفًا واسع الاطلاع. كان تلاميذه يذهبون حفاة إلى الكنائس ليتضرعوا من أجل نجاحه، صورة مؤثرة عن العلاقة النادرة بين معلم وتلاميذه، وعن المحبة التي زرعها في قلوبهم.


حتى في تفاصيل حياته اليومية كان حاضرًا. كان يزور بيوت التلاميذ بلا استئذان ليتأكد أنهم يدرسون. الأهالي كانوا يثقون به، يعتبرونه مسؤولًا عن مستقبل أبنائهم أكثر من أنفسهم. كان يقسو حين يرى إهمالًا، ويشجع حين يلمح اجتهادًا. كثيرون منهم يذكرون كيف غيّر مسار حياتهم بتوبيخ أو نصيحة أو تشجيع في الوقت المناسب.


لكن، كما كل الأصوات الحرة، لم يعش طويلًا. رحل مبكرًا وهو في عز شبابه، تاركًا وراءه أسرة حملت اسمه وفكره. زوجته الخالة سارة كانت مثالًا للصبر، ربّت أبناءها بعده ليصبحوا أطباء وأساتذة وأصحاب شأن، حافظةً رسالة زوجها. وعاشت الأسرة في بيت والدها، كبران توما صليبا الحبيبكي، الذي لم يتركهم دون حنان واحتضان.


قصة حنا شيعا ليست مجرد سيرة فردية، بل هي جزء من سيرة مسيحيي سوريا الذين عانوا من الإقصاء، وواجهوا القمع، لكنهم ظلوا أوفياء للعلم والثقافة والنضال. هي شهادة على زمنٍ حُرم فيه الناس من أبسط حقوقهم، وزُجّ بالشباب في السجون لمجرد انتمائهم لفكر سياسي، وجرى استخدام الطائفية والتهميش كسلاح لكسر إرادة الأقليات. وقد انتهت تلك المرحلة القاسية، لكن السؤال الأهم يبقى: من سيعيد الحقوق لأولئك الذين رحلوا قبل أن يروا حلمهم يتحقق؟ من سيعيد الاعتبار لمن ضحوا بحياتهم وكرامتهم؟


لقد صدق الأديب فؤاد حنا زاديكيه حين قال إن حنا شيعا شخصية لن تتكرر. فهو ابن جيل عانى بصمت، وناضل بشجاعة، وعلّم بمحبة، ومضى قبل أن يرى حلمه يتحقق. لكنه ترك أثرًا أبقى من كل قمع: أثر المربي الصادق الذي لم يخضع ولم يتراجع، بل ظلّ حاضرًا في ذاكرة مدينته ووطنه، محفورًا في قلوب كل من عرفوه وتعلموا على يديه.


#MXR #milad_korkis #ميلاد_كوركيس 

Wednesday, September 24, 2025

تتلهف القلوب

 تتلهف القلوب

كتابة : Milad Korkis 

تتوقُ القلوبُ إلى مداها

كالأيلِ في الوُعورِ إلى مرعاها


تسمو على الآفاقِ نحوَ صفائها

والنفسُ تبتغي طُهرَ أسرارِها


تسقي المحبّةَ أرواحًا تهيمُ بها

نورًا من العطاءِ يجلوها ويهديها


فمن يلُذْ بالعُلا في مسعاها

يحظى بنورٍ يفيضُ في مغانيها


تمضي القلوبُ على دربِ أملها

تُبدي يقينًا وتُخفي ما يُعاديها


تسقي الدموعُ ثرى الأرواحِ باكيةً

كي يورقَ الحلمُ في وجدانِ راعيها


ما العمرُ إلا ظلالٌ في مسالكِها

يبقى الأثرُ إذا صدقنا مساعيها


فمن تمسّك بالحبِّ مخلصًا

أفضت عليه يدُ الأيامِ عطاياها


لهوُ الدُّنيا سرابٌ في مذاهبِها

ونورُ القلبِ يعلو في محياها


لا ترتجي نفسٌ إلا ضياءَها

ففيه سنَاها وفيه منتهى رجاها


والطيرُ يشدو بألحانٍ تباركها

والقلبُ يسقي بنبعِ الحبِّ مغناها


والجنةُ الحلمُ أبوابٌ مزيَّنةٌ

تدعو الطموحَ إلى الأفراحِ تسقيها


وتزهرُ الروحُ إن أحبّتْ صادقًا

فتُبنى بالودِّ أمجادًا تُحليها


كم من ضعيفٍ إذا نادى بأملهِ

ساقَتْ له الأقدارُ كبرى هداياها


يمحو الأسى بصفحٍ لا نهايةَ له

ويُلبس الحالمَ الأنوارَ من سناها


يسقي الظمآنَ كأسًا من معارفِه

فتزهرُ الروحُ في بستانِ دنياها


والعلمُ نورٌ إذا بالإلهامِ أوحى به

يزدانُ عقلٌ وينجلي خطاياها


كم من جريحٍ تداويه يدُ الأملِ

فتلتئمُ النفسُ من جرحٍ ويُبريها


والحلمُ أقربُ للإنسان من أملٍ

يجري بدمعٍ، فتُحيا فيه بقاياها


يسمو بإنسانٍ إذا في الليلِ ناجى ذاتهُ

فتشرقُ الروحُ في أنسامِ مسراها


يا من رضيتَ بنقاءٍ صافٍ في سريرتِه

أبشرْ بجنّةِ وجدانٍ حين تلقاها


#MXR #milad_korkis #ميلاد_كوركيس

نشيد الأرواح إلى العلياء

 نشيد الأرواح إلى العلياء

كتابة : Milad Korkis

تَشْدُو الأرواحُ في شَوقٍ إلى قِمَمٍ

  حتّى تُلَاقي نُجُوماً في سَماءِ سَنا


تَهفو القلوبُ، وأحلامٌ تُسَافِرُها

  متى تُلَامِسُ أبوابَ الأماني هنا؟


يا رُوحُ صَبرًا فإنَّ الدَّربَ مُعْتَرَكٌ

  والحُبُّ يَرفَعُكَ الفَوْزَ العظيمَ غَدا


لا تَخْشَ لَيْلاً طويلاً يَستبِدُّ بِنَا

  فَالصُّبحُ يَأتي ويُجلي الهَمَّ والضَّنا


تَسيرُ خُطوَتُنا في الدَّربِ واثِقَةً

  فالأملُ يَزرعُ في الأرواحِ ما سَكنا


في كُلِّ نَفْسٍ ندى الصفوِ يَسكُنُها

  فتُزهِرُ الرُّوحُ أنوارًا ومُقتضى


مَضَت قُرونٌ وحُلمُ العمرِ يحفَظُهُ

  صوتُ الزمانِ جَلا آياتِهِ قَمَرا


إنَّ الجِمانَ إذا ما النُّورُ صَاغَهُ حُبٌّ

  أضحى كحُسنِ الرؤى في الحُلمِ منتَظَرا


تَسقِي الوُرودَ أيادٍ نَبعُها نَقِيٌّ

  فترتقي في رُباها أنهُرًا غَدَرا


يا سائِرًا في طُرُوقِ الحُلمِ مُجتَهِدًا

  لا تَلتفِتْ، إنَّ فَوقَ الدَّربِ مُنحدَرا


مَن عَاشَ بِالحُبِّ لم يَخشَ الضَّنَى أبَدا

  مَهْما تجلَّت بُحورُ الوَهمِ مُضطَرِبا


والنَّفسُ تَرقَى إذا أخلصتَ نِيَّتَها

  فترتقي وكأنَّ الفجرَ مُقتَرِبا


متى نَصِل؟ ذاكَ وعدُ الروحِ يحفَظُنا

  في جَنّةِ الحُلمِ، لا بُؤسٌ ولا وَهَنا


#شعر #قصيدة #أمل #حب #خواطر #الأرواح #العلياء #الأحلام #القلوب #الروح #إلهام #إبداع #أدبيات #MXR #milad_korkis #ميلاد_كوركيس

كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين

 كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين إعداد : ميلاد كوركيس مشرف مشروع : Memora 360 - Arabic في دمشق، المدينة التي تتنفس التاريخ وتت...