سعاد نيسان ... معلمةٌ صنعت الأجيال وحملت رسالتها بين الوطن والغربة

 سعاد نيسان ... معلمةٌ صنعت الأجيال وحملت رسالتها بين الوطن والغربة


​إعداد : Milad Korkis 

مشرف مشروع : Memora 360 - Arabic


​ولدت المعلمة الفاضلة سعاد نيسان في مدينة ديريك (المالكية)، ونشأت في بيئةٍ اتسمت بالمحبة والألفة والبساطة، حيث كانت العلاقات الإنسانية الصادقة تشكل أساس الحياة اليومية. وقد تركت تلك البيئة أثرًا عميقًا في تكوين شخصيتها، فكبرت وهي تحمل قيم الاحترام، والعمل، والإيمان بأهمية العلم، وهي القيم التي رافقتها طوال حياتها.


​بدأت رحلتها التعليمية في مدرسة السريان بمدينة ديريك، حيث تابعت دراستها حتى الصف الخامس الابتدائي، قبل أن تُغلق المدرسة أبوابها، فتنتقل إلى مدرسة سكينة بنت الحسين، وهناك أكملت دراستها الابتدائية والإعدادية والثانوية.


​وفي مرحلةٍ كان الحصول فيها على شهادة جامعية، ولا سيما لأبناء وبنات مدينة ديريك، يُعد إنجازًا استثنائيًا، قررت أن تتابع طريقها العلمي بإصرار. فالتحقت بجامعة دمشق، واختارت دراسة التاريخ، إيمانًا منها بأن معرفة تاريخ الشعوب والحضارات تساعد الإنسان على فهم الحاضر وبناء المستقبل. وقد حققت هذا الإنجاز بعد سنوات من المثابرة والاجتهاد، لتصبح واحدة من أبناء جيل آمن بأن العلم هو السبيل الحقيقي للتقدم.


​وتتحدث سعاد نيسان عن تلك المرحلة بكل امتنان، مؤكدة أن الفضل بعد الله يعود إلى أهلها الذين كانوا سندها الحقيقي. فقد كان دعمهم لها معنويًا وعمليًا، وشجعوها على متابعة تعليمها في وقت كانت الإمكانات التعليمية محدودة، وكان نقص المدرسين المختصين يجبر الطلاب على الاعتماد على أنفسهم وعلى دعم أسرهم في متابعة الدروس.


​وتؤكد أن هذا الدعم الأسري لم يقتصر على سنوات الدراسة فحسب، بل رافقها في مختلف مراحل حياتها، وأسهم في تعزيز ثقتها بنفسها وفي قدرتها على تجاوز الصعوبات التي واجهتها لاحقًا.


​وتستعيد ذكريات طفولتها وشبابها باعتبارها مرحلة جميلة اتسمت بالبساطة، حيث لم تكن الحياة معقدة كما هي اليوم. وكانت لقاءاتها مع الصديقات والأصدقاء تدور حول الأحاديث الودية، والأسئلة الثقافية، والمسابقات الفكرية، والنكات البسيطة التي كانت تنشر الفرح وتصنع ذكريات لا تزال راسخة في وجدانها.


​بعد تخرجها من جامعة دمشق، بدأت رسالتها في ميدان التربية والتعليم، وهي المهنة التي لم تعتبرها يومًا مجرد وظيفة، بل رسالة إنسانية وأخلاقية مقدسة. عملت معلمة لمدة خمس سنوات في ثانوية الطليعة، وهناك بدأت رحلتها مع بناء الأجيال، تنقل إليهم المعرفة، وتغرس فيهم حب العلم والانضباط.


​ومن المواقف التي بقيت محفورة في ذاكرتها، كما بقيت حاضرة في ذاكرة كثير من طلابها حتى اليوم، حادثة وقعت بعد شهرين فقط من تخرجها. فقد زار ثانوية الطليعة وفد تربوي رفيع ضم الموجه التربوي الأول لمادة التاريخ من جامعة دمشق، وأربعة معلمين من محافظات سورية مختلفة، إضافة إلى الموجه التربوي الأول في محافظة الحسكة، بهدف حضور درس نموذجي ومتابعة العملية التعليمية.


​ورغم حداثة عهدها بالتدريس، وقع الاختيار عليها لتقديم ذلك الدرس. وتتذكر تلك اللحظة بفخر، لأنها شعرت بثقة زملائها بها، كما لمست دعم طلابها وتشجيعهم. وقد نجحت في تقديم الدرس بصورة متميزة، حتى إن عددًا من طلاب الصف الأدبي الذين حضروا تلك الحصة ما زالوا يتذكرونها بعد مرور سنوات طويلة.


​ومع مرور الزمن، وبفضل كفاءتها وإخلاصها في عملها، تمت ترقيتها لتتولى إدارة ثانوية الطليعة، ثم شغلت منصب معاون مدير في ثانوية يوسف العظمة، ثم معاون مدير في إعدادية سليم حمي، قبل أن تصبح مديرة مدرسة عبد المسيح إيشوع. كما كانت عضوًا في قيادة الشعبة، وأسهمت من خلال هذه المسؤوليات في خدمة العملية التعليمية والمجتمع المحلي.


​ولم يقتصر عطاؤها على إدارة المؤسسات التعليمية، بل تركت أثرًا واضحًا في مختلف المجالات التربوية والتعليمية، وأسهمت في تطوير العمل المدرسي، وتعزيز العلاقة بين المدرسة والأسرة، ومتابعة شؤون الطلاب والمعلمين، مما جعل حضورها يتجاوز حدود الصف الدراسي ليشمل المجتمع بأكمله.


​وكانت تؤمن بأن التعليم لا يمكن أن ينجح دون الانضباط والنظام، لذلك عُرفت بالحزم والجدية داخل المدرسة. لكنها كانت تؤكد دائمًا أن الشدة لا تعني القسوة، بل تعني الحرص الحقيقي على مصلحة الطالب ومستقبله.


​ورغم ما عُرفت به من حزم، فإن كثيرًا من طلابها وأولياء أمورهم ما زالوا يتذكرونها بمحبة واحترام، لأنهم أدركوا مع مرور الزمن أن تلك الشدة لم تكن إلا تعبيرًا عن إخلاصها للمهنة وحرصها على نجاحهم. وقد بقيت مواقفها التربوية حاضرة في ذاكرة الكثيرين باعتبارها جزءًا من مرحلة تعليمية تركت أثرًا عميقًا في حياتهم.


​كما تتذكر تلك المرحلة باعتبارها زمنًا كان فيه احترام المعلم قيمة راسخة لدى معظم الطلاب والأهالي، وكانت العلاقة بين المدرسة والأسرة تقوم على التعاون والاحترام المتبادل، رغم وجود بعض الاستثناءات الطبيعية.


​وفي أسلوبها التدريسي اعتمدت على الشرح المبسط والواضح، وكانت تؤمن بأن نجاح المعلم لا يقاس بكمية المعلومات التي يقدمها، بل بقدرته على إيصالها بطريقة يفهمها الطالب بسهولة.


​ولهذا كانت تحرص على تبسيط المادة الدراسية وربطها بالحياة اليومية، حتى إن عددًا كبيرًا من الطالبات كن يستوعبن الدرس ويحفظنه من خلال الشرح داخل الصف، دون الحاجة إلى الاعتماد الكامل على الحفظ التقليدي. وكانت ترى أن الفهم العميق هو أساس التعلم الحقيقي، وأن المعرفة المبنية على الإدراك تبقى أثرًا دائمًا في عقل الإنسان.


​وكانت تعتبر التعليم رسالة مقدسة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ولم تنظر إليه يومًا باعتباره وسيلة لكسب الرزق فقط، بل مسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع. وكانت تؤمن بأن المعلم هو حجر الأساس في بناء الأجيال، لأنه من يُعد الطبيب، والمحامي، والمهندس، والقاضي، وسائر أصحاب المهن، وأن نهضة المجتمع تبدأ من المدرسة.


​لكن الحياة لم تكن دائمًا سهلة. فبعد وفاة زوجها، وجدت نفسها أمام مسؤولية كبيرة في تربية أبنائها ومتابعة مستقبلهم وسط ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة أثقلت كاهلها. وكانت تنظر إلى هذه المسؤولية باعتبارها واجبًا مقدسًا، تحملته بصبر وإيمان، وقدمت من خلاله مثالًا في الأمومة والتضحية والإخلاص.


​كما تحدثت عن معاناتها في تلك المرحلة، وعن شعورها بغياب الدعم الذي كانت تتمنى أن تجده من بعض أفراد عائلة زوجها، إضافة إلى مشكلات وخلافات عائلية تركت أثرًا مؤلمًا في حياتها وحياة أبنائها. لكنها فضلت أن تواجه تلك الصعوبات بالصبر، وأن تكرس حياتها لبناء مستقبل أبنائها بدل الاستسلام لليأس.


​ومن أجل تأمين مستقبل أفضل لهما، اتخذت قرار الهجرة إلى ألمانيا برفقة ولديها شيبلا وتغلات. ولم يكن القرار سهلًا، لكنه جاء انطلاقًا من إيمانها بأن التعليم هو أعظم إرث يمكن أن تقدمه الأم لأبنائها، وأن رعايتهم العلمية والإنسانية واجب مقدس.


​وقد جاءت هذه المرحلة في وقت كان فيه ابناها لا يحملان إلا ذكريات قليلة عن والدهما بسبب صغر سنهما عند وفاته، فأصبحت بالنسبة لهما الأم والأب والسند في آنٍ واحد.


​وفي ألمانيا بدأت رحلة جديدة مليئة بالتحديات، حيث واجهت صعوبات اللغة، واختلاف المجتمع، والظروف المعيشية، شأنها شأن كثير من المهاجرين. لكنها لم تستسلم، بل اجتهدت في دراسة اللغة الألمانية، وحققت نتائج جيدة جدًا، الأمر الذي ساعدها على الاندماج في المجتمع الجديد.


​ورغم اندماجها، حافظت على هويتها السريانية وتراثها الثقافي، وآمنت بأن الاندماج الحقيقي لا يعني التخلي عن الجذور. لذلك واصلت خدمتها داخل الكنيسة، وأسهمت في تعليم الأجيال الصاعدة ضمن الكورال الكنسي، لتستمر رسالتها التربوية خارج أسوار المدرسة أيضًا.


​ومع مرور السنوات بدأت ثمار التعب تظهر بوضوح، فقد أظهر ابناها شيبلا وتغلات كفاءة واجتهادًا كبيرين، وتمكنا من إكمال دراستهما الجامعية وتحقيق نجاحات علمية وعملية. وكانت ترى في نجاحهما أعظم ثمرة لسنوات الصبر والتضحية، ودليلًا على أن الإيمان بالعلم لا يضيع أبدًا.


​وترى سعاد نيسان أن الدراسة في ألمانيا تختلف عن الدراسة التي عرفتها خلال سنوات عملها في سوريا، وهي تعتبر أن النظام التعليمي الألماني أكثر سهولة من حيث الواجبات والمهام المدرسية مقارنة بما كان مطلوبًا من الطلاب في المدارس السورية، ولا سيما في المرحلة الثانوية؛ وترى أن ذلك يعود إلى اختلاف طبيعة المناهج والواجبات المدرسية، التي كانت أكثر كثافة في المدارس السورية.


​ورغم مرور السنوات، بقي حب التعليم يسكن قلبها. فهي لا تزال تعشق هذه المهنة، حتى وإن جعلت الهجرة، وتقدم العمر، وصعوبة اللغة العودة إلى ميدان التعليم أكثر تعقيدًا.


​وعندما تتحدث إلى طلاب اليوم، فإنها تؤكد أن الوقت كالسيف، وأن من يحسن استثماره يبني مستقبله بيده. كما تدعوهم إلى احترام العلم والمعلم والاجتهاد في طلب المعرفة، لأن بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان.


​وتختتم حديثها بالصلاة إلى الرب، سائلةً أن يمنح الجميع الصحة، والتوفيق، والنجاح، والسلام، وأن يبارك جهود الطلاب، والمعلمين، وكل من يسعى إلى نشر العلم وخدمة الإنسان.


​تبقى سيرة سعاد نيسان شاهدًا على مرحلة تربوية كان فيها المعلم يحمل رسالة تتجاوز حدود الصفوف الدراسية، فكان يبني الإنسان قبل أن يلقنه المعرفة. وقد تركت بصمتها في المدارس التي عملت فيها، وفي نفوس طلابها، وفي أسرتها، لتبقى نموذجًا لمعلمة آمنت بأن العلم هو أعظم ميراث يمكن أن يتركه الإنسان للأجيال القادمة.


__________________________________________________


​رسالة شخصية

​إلى المعلمة الفاضلة سعاد نيسان...


​وأنا أعمل على توثيق هذه الصفحات من حياتك ضمن مشروع Memora 360، لم أجد أمامي مجرد سيرة معلمة، بل وجدت قصة إنسانية ملهمة، جمعت بين الإيمان بالعلم، والتضحية، والصبر، والمسؤولية، وحب الإنسان.


​لقد تركتِ أثرًا في مدارس ديريك، وفي نفوس طلابك، وفي كل من عرفك، واستطعتِ أن تحملي رسالتك من الوطن إلى الغربة دون أن تتخلي عن مبادئك أو هويتك. كما قدمتِ نموذجًا للأم المكافحة التي وضعت مستقبل أبنائها فوق كل اعتبار، فكان نجاحهما امتدادًا طبيعيًا لمسيرتك الطويلة في العطاء.


​كما أتوجه بخالص التقدير إلى عائلتك الكريمة، وإلى ابنيك شيبلا وتغلات، اللذين يشكل نجاحهما شهادة حية على ما بذلته من جهد وتضحية.


​أتمنى أن تبقى هذه السيرة وثيقة تحفظ للأجيال القادمة ذكرى معلمة كرست حياتها لخدمة التعليم والإنسان، وأن تبقى جزءًا من ذاكرة وطن يستحق أن تُوثق قصص أبنائه المخلصين.


Comments

Popular posts from this blog

Fahad Mousa : Das Leben eines Mannes, der das Gedächtnis einer Stadt schuf

سِيرَة حَيَاة الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو

سيرة حياة الموجّه التربوي ومربي الأجيال الأستاذ كابي أفرام