سيمفونية الذاكرة والنغم : سيرة حياة الفنان الأزخي السيد إيليا إيليا
بشهادة إبنه : الأستاذ كبرائيل إيليا
إعداد : الكاتب ميلاد كوركيس
صاحب مشروع : Memora 360 - Arabic
قبل البدء بالسيرة العطرة للفنان، لا بدّ من الإشارة إلى أن الموسيقى لم تكن يومًا ابنة الصدفة، ولا وليدة عصرٍ حديث، بل كانت منذ فجر الإنسان حاجةً داخلية تشبه التنفّس، وملاذًا روحيًا يسبق اللغة المكتوبة. في الشرق القديم، حيث تشكّلت أولى الحضارات، وُلدت النغمة الأولى مع اختراع القيثارة السومرية في بلاد الرافدين قرابة عام 3000 قبل الميلاد، لتكون صوت الإنسان وهو يجرّب أن يفهم ذاته والعالم من حوله. هناك، في تلك الجغرافيا التي عرفت الحروب كما عرفت الصلاة، خرج الصوت بوصفه ذاكرة حيّة، وحين انتقل من جيل إلى جيل لم ينتقل كنغمة فقط، بل كأثر، وكهوية، وكجسرٍ خفيّ يربط الماضي بالحاضر. من هذا الشرق تحديدًا، ومن هذا الامتداد الحضاري، تسرّبت الموسيقى إلى تفاصيل الحياة اليومية، وصارت لغة ثانية للأرواح التي تعجز الكلمات عن احتوائها.
ضمن هذا السياق الواسع، يمكن قراءة سيرة الفنان الأزخي السيد إيليا إيليا بوصفها امتدادًا طبيعيًا لذاكرةٍ أقدم من الفرد ذاته. فهو لم يكن حالةً منفصلة عن محيطه، ولا موهبة طارئة، بل ابن بيئة روحية وثقافية تشكّلت فيها الموسيقى كجزء من الإيمان، والعمل، والفرح، والحزن، والانتظار الطويل. تعود جذور العائلة إلى بلدة أزخ السريانية، تلك البلدة التي عُرفت بعمقها الروحي وتقاليدها الكنسية، ومن بين رجالها برز السيد الأسقف حنّا إيليا، الذي تعود أصوله إلى أزخ، وكان يرنّم بصوته الحنون في كنيسة قرية هسانا ضمن جبال طوروس، في إطار إحدى الإرساليات. لم يكن صوته مجرد ترنيم طقسي، بل كان حالة وجدانية تركت أثرها في من سمعه، وجعلت الموسيقى مرتبطة منذ البدايات الأولى بالإيمان والسكينة والوقار.
في هذا المناخ، نشأ السيد إيليا إيليا، حاملاً في داخله تلك البذرة الصامتة التي لا تعلن نفسها باكرًا، لكنها تنمو بهدوء. أُرسل في شبابه إلى مدينة ماردين السريانية لتعلّم مهنة حرفية، وهناك، بين الأسواق القديمة والأديرة والبيوت الحجرية، انفتح وعيه على عالم أوسع. لم تكن ماردين مجرد محطة عمل، بل كانت فضاءً ثقافيًا وروحيًا، وهناك تعلّم العزف على آلة الكمجة، وبدأ يختبر للمرة الأولى معنى أن يتحوّل الصوت إلى رفيق يومي. في تلك المرحلة، تعرّف إلى السيد كوركيس أنطي، الذي أتقن العزف على آلة الدربكة أو الطبلة، ونشأت بينهما صداقة موسيقية صامتة، قوامها الإيقاع المشترك أكثر من الكلام، وكان ذلك تقريبًا عام 1930.
مع التحوّلات السياسية والاجتماعية التي عصفت بالمنطقة، نزحت العائلة عام 1940 تقريبًا إلى الجزيرة السورية، واستقرت في مدينة ديريك (المالكية). هناك، وجد السيد إيليا إيليا نفسه في بيئة جديدة، مختلفة في ملامحها، لكنها لا تقل غنىً إنسانيًا. تطوّع في الجيش الفرنسي خلال تلك المرحلة، وخلال خدمته رأى للمرة الأولى آلة الكمان. لم يكن اللقاء صاخبًا، ولم يرافقه إعلان أو دهشة خارجية، بل كان أشبه بلحظة اعتراف داخلي. الكمان لم يكن مجرد آلة، بل صورة عن صوتٍ كان يسكنه منذ زمن، ولم يجد طريقه إلى الخروج بعد. منذ تلك اللحظة، بدأت علاقة عميقة بين الرجل والوتر، علاقة لم تُبنَ على الاستعراض، بل على التأمل الطويل والصبر.
بعد انتهاء خدمته العسكرية، بدأت العائلة صفحة جديدة من حياتها في ديريك. اقتنى السيد إيليا إيليا الكمان بهدوء يشبه القناعة، وراح يعزف في أمسيات المدينة الطويلة، لا ليُسمع الجميع، بل ليصغي هو إلى نفسه. شيئًا فشيئًا، صار العزف جزءًا من يومه، ومن طقسه الشخصي، ومن طريقته في فهم العالم. وفي عام 1956، أسّس فرقة موسيقية ضمّت إلى جانبه السيد كوركيس أنطي على الإيقاع، والسيد موسى إيليا على آلة الجمبش. كانت الفرقة تعزف في المركز الثقافي القديم القريب من منزل الأب الخوري أفرام كورية جلو، وتحيي حفلات الأعراس والمناسبات الاجتماعية، دون ادّعاء أو تصنّع. الموسيقى هنا لم تكن مهنة، بل خدمة اجتماعية، وجسرًا بين الناس، ووسيلة لتخفيف ثقل الأيام.
برز السيد موسى إيليا بوصفه أول عازف جمبش في مدينة ديريك، وكان فنانًا موهوبًا لعب دورًا مهمًا في إحياء التراث المردلي، لا سيما أغنية صبيحة، كما كان أول من عزف الأغنية السريانية المعروفة شامومه عام 1968 مع الفنان السرياني الكبير السيد حبيب موسى. لم يكن انقطاعه عن الموسيقى واردًا، لأن الموسيقى بالنسبة إليه لم تكن خيارًا، بل هوية.
مع بداية الستينيات، اتسعت الدائرة الموسيقية في المدينة، وانضم السيد يوسف سنونو عازف الدف أو الخشخاش، ثم السيد دنحو أبو سهيل، والسيد لبيب كوركيس على الدربكة، فيما انتقل السيد موسى إيليا إلى العزف على الأكورديون بعد إدخال الآلة إلى المدينة بواسطة المهندس السيد آكوب سقاتيل. في الوقت ذاته، كان السيد أديب معجون يتقن العزف على الجمبش، واستمر السيد عبد الأحد إيليا في العزف على البيانو في الكنيسة الإنجيلية منذ حوالي عام 1945، في دلالة واضحة على تداخل الموسيقى الكنسية مع الحياة اليومية.
توالت الأسماء والوجوه، وبرز السيد جميل إيليا الذي درس في أزخ وماردين وحلب وبيروت، ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليصبح عازف كمان بتكتيك غربي أصيل. كما ظهر السيد سالم إيليا ضمن فرقة الرميلان العمالية عام 1972، والسيد حنّا إيليا أبو مايكل الذي أحب الكمان وأتقنه، والسيد فريد إيليا المخرج المسرحي وعازف العود والكمان، الذي شارك مع فرقة الدكتور السرياني أبراهام في ألمانيا. أما السيد جوزيف إيليا، فكان يعزف على الجمبش والغيتار منذ الصف السابع، وقدم معزوفة الربيع لفريد الأطرش، ثم شارك مع أسماء معروفة في العالم العربي وأوروبا. وبرز السيد أندراوس إيليا بصوته الجميل وعزفه على العود، إلى جانب السيدة ابتسام إيليا التي تميّز صوتها بالهدوء والعذوبة.
شهدت ديريك خلال تلك السنوات زيارات موسيقية لافتة، كان من بينها زيارة الفنان اليهودي موشي إيلياهو عام 1966، وزيارة الفنان الكردي محمد عارف الجزراوي عام 1968، ثم المطرب الأرمني أرام ديكران عام 1969، وعازف الكمان إلياس من القامشلي عام 1971. وفي عام 1972، تم تسجيل شريط كاسيت لعازف البزق الكردي السيد نواف من قرية تل زيارات، ولا تزال هذه التسجيلات محفوظة لدى الأستاذ كبرائيل إيليا، بوصفها وثائق حيّة لذاكرة مدينة كاملة.
حمل الأستاذ كبرائيل إيليا هذه المسيرة بهدوء ومسؤولية، فدرس في المعهد الموسيقي عام 1976، وتعلّم العزف على الأكورديون، ثم أسّس أول فرقة نحاسية في ديريك عام 1986، واستمرت حتى عام 2000 حين تم تسليم آلاتها إلى الكنيسة السريانية الأرثوذكسية. ظلّ التدريب الموسيقي جزءًا من حياته اليومية حتى عام 2011، زمن الهجرة، دون ضجيج أو ادّعاء. لم يكن الهدف صناعة محترفين، بل الحفاظ على استمرارية الصوت، وعلى حضور الموسيقى كجزء من الذاكرة الجماعية.
إلى الأستاذ كبرائيل إيليا، إن هذه الشهادة التي وضعتها بين أيدينا ليست مجرد سرد عائلي، بل فعل أمانة تجاه الذاكرة. لقد منحت مشروع Memora 360 فرصة نادرة لتوثيق سيرة فنية وإنسانية كما هي، بلا تزييف ولا مبالغة. إننا نؤمن أن الذاكرة الحقيقية تُصان حين تُروى بصدق، وحين تُترك التفاصيل لتتكلم بلغتها الطبيعية. شكرًا لثقتك، ولصبرك، ولإيمانك بأن ما عاش بهدوء يستحق أن يُكتب بهدوء.
وهكذا، تبقى سيرة السيد إيليا إيليا سيرة رجلٍ لم يطلب الأضواء، لكنه ترك أثرًا لا يبهت. بقي حاضرًا في النغمة، وفي الوتر، وفي الصمت الذي يلي العزف. حياته الموسيقية لم تكن مسارًا مهنيًا، بل رحلة وجود، بدأت من أزخ، ومرّت بماردين، واستقرّت في ديريك، لتصبح جزءًا من ذاكرة المكان والناس. هذه السيرة ليست خاتمة، بل بداية فهم أعمق لدور الموسيقى في حفظ الهوية، وفي منح الذاكرة شكلها الإنساني الأصدق.
#Memora360 #إيليا_إيليا #كبرائيل_إيليا #أزخ #ديريك #المالكية #الجزيرة_السورية #التراث_الموسيقي #الذاكرة_الإنسانية #شخصيات_صنعت_الذاكرة


No comments:
Post a Comment