مترجم - Übersetzer

Friday, October 31, 2025

أفرام لحدو ... المعلّم الذي غاب جسده وبقي نوره رثاء و تكريم مربي الأجيال

 أفرام لحدو ... المعلّم الذي غاب جسده وبقي نوره

رثاء و تكريم مربي الأجيال


إعداد : ميلاد كوركيس 

صاحب مشروع : شخصيات صنعت ذاكرة الوطن

 

 


في ذاكرة المدن ثمة وجوه لا تغيب، بل تبقى عالقة في تفاصيل الأزمنة كأنها نُقشت على جدار الذاكرة بأيدٍ من ضوء.

وفي كل مدينة تحب أبناءها وتفتخر بعلمائها، يُولد بين أهلها من يصنع من العطاء ميراثًا خالدًا، ومن التعليم رسالة لا تنتهي بانتهاء العمر.


وفي مدينة ديريك، التي كانت وما زالت حاضنةً للعلم والأصالة، لمع اسمٌ صار رمزًا في التربية والعلم، اسمٌ تتناقله الأجيال بمحبة وإجلال: الأستاذ الراحل أفرام لحدو.


كان أفرام لحدو المعلم الذي لا ينساه أحد، لأنه لم يكن مجرد ناقلٍ للمعرفة أو ملقّنٍ للدروس، بل كان رائدًا تربويًا، ومربيًا فاضلًا، وإنسانًا حمل في قلبه نور العلم ودفء الإنسانية.

علّم طلابه معنى الاجتهاد، وربّى فيهم ضمير المعرفة، وأشعل في أرواحهم جذوة الفضول والاكتشاف.

كان صبورًا مع كل تلميذ، يعرف هواياتهم، مشاكلهم، ويشجعهم على التطور الشخصي والمهني، فلا يغلق صفه دون أن يشعر كل طالب بأنه مسموع ومقدر.


كان كل من عرفه يشعر أنه أمام رجل آمن بأن رسالته في الحياة أكبر من حدود الصف والكتاب، وأن التعليم ليس حرفة، بل قداسة ومسؤولية وموقف أخلاقي.

لقد أصبح الكثير من طلابه فيما بعد معلمين وأطباء وناشطين، حاملين قيمه ومبادئه إلى المجتمع، ناشرين رسالته في كل زاوية من ديريك وخارجها، مؤكدين أن أثر المعلم يمتد إلى أبعد من الصف الدراسي.


منذ بداياته الأولى في سلك التعليم، كان شعاره “التربية قبل التعليم”، فجمع بين الصرامة التي تفرض احترام الكلمة، والحنان الذي يغرس في النفوس الثقة.

كان يحترم الوقت كما يحترم الفكرة، ويؤمن بأن المعلم الذي لا يحترم تلاميذه لا يستحق أن يُسمى مربيًا.

لذلك أحبّه الجميع: زملاؤه الذين عرفوا صدقه وتفانيه، وطلابه الذين لم يروا فيه أستاذًا فحسب، بل أبًا وموجّهًا ومصدر أمانٍ علميٍّ وإنسانيٍّ في آنٍ واحد.


وفي حصص التاريخ، لم يكن يُلقي الدروس بأسلوبٍ جامد، بل كان يُعيد إحياء الماضي بنبض الحياة، كأن الشخصيات التي يحدّث عنها تنبعث من بين كلماته.

كان يعلّم أبناء ديريك أن التاريخ ليس مجرد سردٍ للأحداث، بل هو مرآة القيم، ودليل الأمم إلى المستقبل.

ومن خلاله، جعل من دروسه منابر للوطنية، يزرع فيها حب الأرض، والإيمان بالحق، والاعتزاز بالهوية، وحثّ الطلاب على أن يكونوا صالحين في العلم والأخلاق والنية الطيبة.


لم يكن يُساوم على المبدأ أو يطلب مقابلًا لعطائه؛ كان يرى في نجاح طلابه المكافأة الأعظم.

وكم من طالبٍ صار لاحقًا طبيبًا، أو معلمًا، أو أكاديميًا، وما زال حين يذكر بداياته يقول:

“كان أفرام لحدو أول من أضاء فيّ حبّ المعرفة.”


وحين عصفت به سنون الغربة، وغادر وطنه، بقيت ديريك تسكن قلبه، يسأل عنها، ويحكي عنها، ويتنفس حنينها.

كانت الأحاديث عن الوطن لا تفارقه، وكانت ذكريات الطلاب والزملاء وقاعات الدرس رفيقة غربته.

ورغم بعده الجغرافي، لم يغب اسمه عن مجالس الناس، فظلّ ذكره حاضرًا في قلوب كل من عرفه أو سمع عنه، كأن صدى صوته ما زال يتردّد في أروقة المدارس القديمة.


لقد أحببت أن أستضيفه ضمن مشروعي “شخصيات صنعت ذاكرة الوطن”، ليكون بيني وبينه حديث الذكريات والعطاء،

لكن وقت الرحيل كان أسرع من أمنيتي، فغادر قبل اللقاء، تاركًا لي واجبًا لا بد أن أفي به اليوم واجب التكريم، ولو بعد الغياب.


إن الحديث عن الأستاذ أفرام لحدو ليس مجرد رثاءٍ لمعلّم رحل، بل وقفةُ تقديرٍ أمام قامةٍ تربويةٍ وإنسانيةٍ نادرةٍ، حملت على عاتقها همّ العلم والمعرفة جيلاً بعد جيل.

كان يعلّم دون أن يتعب، ويعطي دون أن ينتظر جزاءً أو شكرًا.

كان يعرف أن ما يُبنى بالعلم لا يهدمه الزمان، وما يُغرس بالإخلاص لا تمحوه الأعمار.


وحين غيّبه الموت بعيدًا عن ديريك، لم يكن رحيله فقدًا عادياً، بل كان فصلًا مؤلمًا في ذاكرة مدينةٍ كاملةٍ.

رحل المعلم، لكن بقي صدى كلماته في كل بيتٍ من بيوت طلابه.

بقيت نصائحه ترنّ في الأذهان، وصورته الباسمة تضيء في الذاكرة.

لقد رحل جسدًا، لكن نوره ما زال يملأ القلوب والعقول.


ولم يكن الأستاذ أفرام وحده في رحلته تلك؛ فإلى جانبه كانت دائمًا شريكة حياته، الراحلة الطيبة بسنة موسى كوركيس( دلالي) ، المعلمة التي خصّت الأطفال بعلمها واهتمامها في صفوف التعليم الخاص،

وكانت تكمل رسالته التربوية، تدعمه في البيت والمدرسة، مثالًا حيًا لتكامل التعليم مع بناء الأسرة.

جمعتهما مهنة التعليم ورسالة التربية، وكانا معًا خير مثالٍ عن بيتٍ قام على العلم والمعرفة والإيمان بالإنسان.

ومن بيتهما خرجت أسرة جسّدت أسمى قيم العلم والأخلاق، فامتزجت التربية بالعلم، وتكاملت الرسالة في بناء الأجيال.


فها هم أبناؤهما الأبرار: الدكتور أيهم، والمعلمات أوفيليا، وإبتهال، و أولغا الذين واصلوا حمل رسالة والديهم بشرفٍ واقتدار، وساروا على دربٍ رسمه بالعلم والخلق والتفاني.

كلٌّ منهم اليوم مرآة لصورته، وصدى لصوته، وامتدادٌ لمسيرته التي لم تنتهِ برحيله، بل امتدت فيهم كنبضٍ لا ينطفئ.

ولأحفادهم الذين يواصلون السير على نفس القيم، يحملون إرث الجدّين الصبر والمحبة والعلم، ليظلّ اسم الجدين نورًا يضيء الأجيال.


وها أنا اليوم، بكل تقدير وإجلال، أكرّم روحهما الطيبة بما يليق بعطائهما العظيم:

وسام الوفاء الأبدي والعطاء المبارك للأستاذ أفرام لحدو،

وسام المحبة الصافية والاحترام الراسخ للسيدة بسنة موسى كوركيس،

تقديرًا لمسيرةٍ غنية بالعطاء والتفاني، واحتفاءً بإرثهما الذي سيظل خالدًا في وجدان مدينة ديريك وكل من عرفهما وأحبهما.


نم قرير العين أيها المعلّم الكبير،

فأبناؤك الأوفياء يرفعون اسمك في ميادين العلم، وأهلك وأصدقاؤك وطلابك يذكرونك بكل احترامٍ وحنين.

نم بسلام، فقد أديت الأمانة كما يجب، وكتبت لنفسك صفحةً ناصعة في تاريخ ديريك، وفي ذاكرة الوطن الذي أحببته.


نعم، رحلت عن مدينتك جسدًا، لكنك باقٍ في روحها، في صوت جرس المدرسة، وفي دفاتر طلابك، وفي ذاكرة من أحبّوك.

فمن علّم الناس الخير، صار ذاكرة للوطن بأسره، وها نحن اليوم نكتب اسمك بحروفٍ من وفاء،

ونعلّق على صدريكما معًا أوسمة الخلود: وسام الوفاء والعطاء، ووسام المحبة والاحترام.


☦️____________________________________________☦️


أهدي هذه القصيدة إلى أرواحهم الجميلة الغالية، كتكريم بسيط لسيرة حياة ثنائي من ثنائيات بلادي ومدينتي ديريك بشكل خاص.


رفيف الخلود 


يا من غدوتَ ضياءَ العلمِ يا عَلَما

أفرامُ ذكراكَ في الأرواحِ منسكِما


ما غابَ وجهُكَ بل ما زالَ يملؤنا

عزًّا ويوقِدُ في الأجيالِ مُلتزمًا


علّمتَ أنّ طريقَ المجدِ مدرسةٌ

تُبنى على الصبرِ والإخلاصِ والعزَما


وكنتَ للتاريخِ نبراسًا ومنهجهُ

صدقُ الروايةِ إذْ أنعمتَ مُخلِصًا


يا من غرستَ بديريكٍ مجدَ مدرَسَةٍ

ما زالَ طيبُك في أركانِها نَسَما


كمْ من تلميذٍ على كفّيكَ قد حَلُما

وصارَ مجدًا وعلماً بعدَ أنْ رسَما


ما كنتَ تنطقُ إلّا بالهدى حكمًا

ولا خضعتَ لغيرِ الصدقِ أمينًا


أفرامُ إنْ رحلتْ عنّا خطاكَ فكمْ

تبقى خطاكَ سبيلاً يُقتفى قِدَما


ما ماتَ مَن غرسَ الأجيالَ في فكرٍ

وسارَ يُهدي العُلا إخلاصَهُ قيَما


نمْ في رضى الربِّ، فالإيمانُ يحرسُكَ

والنورُ يكلؤُ أرواحَ الورى حُلُما


ودّعتَ دنياكَ لكنْ كنتَ مُبتسِمًا

كأنَّ علمَكَ في أرواحِنا نَغَما


في الغربةِ اشتاقَ قلبُك ديركَ الحُلُمَ الـ

محبوبَ إذْ كانَ فيها الصبحُ مُبتَسِما


وبسنةُ الزهرُ في دربِ الوفاءِ سرتْ

تروي الصغارَ حنانًا طيّبًا عَطِما


علّمتَ والطفلةُ الغضّى تراها يدًا

كالأمِّ تمسحُ دمعًا في المدى حُلُما


فكانتِ الزوجُ، كانتْ في رسالتِها

نبعَ الحنانِ وفي الإيمانِ راسِخًا


جمعْتُما العلمَ والتربيةَ في شرفٍ

فازدهرَ البيتُ إيمانًا وتنعِيما


أنجبتُما نُخَبًا بالعزمِ ما عرفوا

إلا الصلاحَ طريقًا طيّبًا وسَما


أيهمٌ ابنُكُمُ، والأخواتُ لهُ

أوفيليا وابتِهالٌ، أولغا القِيَما


ساروا على نهجِكمْ نُورًا ومكرُمَةً

يزرعونَ علمَكمْ حبًّا وتكريما


والأحفادُ اليومَ في رَكبِ السموِّ مضَوْا

يحيونَ ذِكرَكما عِزًّا وتنعِيما


يا سيّدي، في قلوبِ الناسِ منزلُكُمْ

يسمو، وتبقى على الأيامِ مُحتَرَما


وللسّنيْنِ على الذكرى وإنْ عبَرَتْ

يبقى خُلودُكما في الناسِ مُلهِما


هذا وسامُكَ “وفاءٌ” في العُلا سكنَتْ

روحي تُقدّمهُ للدربِ وَفِيًّا


وذاكِ بسنةُ “محبّةٌ واحترامُ” هدىً

يُهدى لروحِكِ بالإخلاصِ والكرَما


فلتنعما في رياضِ الربِّ ما بقِيَتْ

ديريكُ تذكُرُكُمُ عِطرًا ومُلتَحَما


☦️____________________________________________☦️


رسالة وداع من محبيهما إلى روحهما:


“يا روح أفرام وبسنة، سلامكم الأبدي معنا،

نوركم يضيء كل دروبنا، وعطاؤكم باقي في قلوبنا،

ستظل ذكراكم منارةً لكل من عرفكم وأحبكم،

ذكرياتكم الطيبة تلهمنا كل يوم لنكون أفضل،

ونحمل رسالة العطاء والمحبة التي زرعتموها،

ونعدكم بأننا سنظل نذكر قصتكم في كل خطوة،

سنرويها للأجيال القادمة، ليعرفوا كيف يكون الإنسان مربيًا ومعلمًا وصانع خير،

سنستمد منكم القوة لنواجه تحديات الحياة كما واجهتموها بالعزم والإيمان،

سنستحضر معكم ذكريات الصفوف والدروس والبيت، كيف كنتم أنتم مثالًا حيًا للتربية والتعليم والحب،

نموا في رحمة الربّ، إلى أن نلقاكم في جنات النعيم، حيث لا حزن ولا وداع، فقط نور وسلام دائم.


محبيكم


#أفرام_لحدو #بسنة_كوركيس #رثاء_وتكريم #مربي_الأجيال #ديريك_العطاء #شخصيات_صنعت_ذاكرة_الوطن #ميلاد_كوركيس #وسام_الوفاء_والعطاء #وسام_المحبة_والاحترام #ذكرى_خالدة #التعليم_رسالة #وفاء_للمعلمين #أبناء_أفرام_وبسنة #ذاكرة_الوطن

Saturday, October 11, 2025

من مراد إلى آندريه … حكاية المسرح الديريكي في بيت إيليا

 من مراد إلى آندريه … حكاية المسرح الديريكي في بيت إيليا


إعداد : ميلاد كوركيس

صاحب مشروع : شخصيات صنعت ذاكرة الوطن


في مدينة ديريك المالكية، حيث تتنفس الحقول رائحة القمح وتُشعل الشمس على الحجارة القديمة لونها الذهبي، كانت الحكاية تولد ببطء من رحم الصمت. لم تكن المدينة تملك قاعات ضخمة ولا معاهد للفنون ولا أجهزة صوتية متطورة، لكنها كانت تملك الإنسان، ذلك الكائن الحالم الذي يصنع من صوته خشبةً ومن خياله مسرحًا. هناك، في قلب المدينة التي جمعت البساطة والعمق، ولدت شرارة الفن الأولى حين وقف عبد الأحد إيليا عام 1947 ليقدّم مع رفاقه أول عملٍ مسرحي في تاريخ المالكية بعنوان «عودة الابن الضال». لم تكن المسرحية مجرد عرضٍ بسيط، بل كانت حدثًا ثقافيًا أحدث في الوجدان انقلابًا. كان القس يوسف القس يؤدي دوره بإيمانٍ يشبه الصلاة، وجورج رزقو يجسّد على الخشبة وجه المواطن المرهق من الزمن، ومراد إيليا يحمل نظرة المعلّم الذي يؤمن أن الفن امتدادٌ للتعليم، وأن المسرح ليس وسيلة تسلية بل مدرسة للأخلاق والجمال. في تلك اللحظة لم يكن أحد يدرك أن هذا العرض سيصبح الحجر الأساس لذاكرة المدينة المسرحية، وأن بيت إيليا سيُعرف لاحقًا بأنه بيت الخشبة الأولى.



من هناك انطلقت الموجة الأولى، إذ تبنّت مدرسة السريان الخاصة الفكرة فاحتضنت المسرح كما يُحتضن طفلٌ يولد على أمل. بإشراف مراد إيليا بدأت المدرسة تحوّل حصص اللغة والتربية إلى مشاهد تمثيلية صغيرة تجمع الطلاب على فكرة العطاء والعمل الجماعي. لم يكن المسرح ترفًا بل جزءًا من المنهج التربوي يُزرع فيه معنى الانتماء إلى المدينة والإنسان. كان مراد إيليا يرى في كل طفلٍ ممثلًا محتملًا وفي كل فتاةٍ نجمةً قادمة، وكان إيمانه بالفن امتدادًا لإيمانه بالتعليم. هكذا بدأت البذرة تنمو، وهكذا أصبحت مدرسة السريان الخاصة حاضنة أولى للمواهب في زمنٍ كان الناس فيه يتهامسون بأن الوقوف على المسرح مغامرة، فإذا بها تتحول إلى فعلٍ من أفعال الإيمان بالذات.



ثم جاءت النهضة الأولى في أواخر الخمسينيات حين تأسست «فرقة الشباب المسرحية» عام 1957. كانت الفرقة أشبه بجماعةٍ ثائرة تبحث عن صوتٍ جديد، فاختارت نصوصًا تعكس القيم البطولية مثل «في سبيل التاج» و«صلاح الدين الأيوبي» و«سمير أميس». لم يكن التمويل موجودًا، ولكن الإصرار كان أكبر من الفقر، والناس تبرعوا بقطع القماش والشموع ليضيئوا المسرح الصغير الذي بنوه بأيديهم. في عام 1958 ظهر اسمٌ جديد: لحدو إسحق، المؤلف والمخرج الذي سيصبح لاحقًا واحدًا من ركائز المسرح الديريكي. كتب وأخرج مسرحية «مدينة السماء» بمشاركة شكري حنا، حنا شيعا، شمعون إسحق، ببو الخياط، منصور سليمان، ولحدو إسحق، وكان العرض حدثًا استثنائيًا لأنه قدّم لأول مرة مسرحًا رمزيًا يتحدث عن العدالة والحلم والضمير.

كما شارك في تلك الفترة أيضًا أفرام عبد النور، الذي ساهم في عددٍ من المشاهد التمثيلية الأولى داخل مدرسة السريان، واعتُبر من الجيل الذي مهّد لظهور الوعي الفني المبكر في المدينة، فكان وجهًا من وجوه البدايات الهادئة التي صاغت ملامح المسرح الديريكي.

وقف الجمهور مذهولًا أمام فكرة أن الفن يمكن أن يقول ما لا يقال، وأن الكلمة قد تكون أحيانًا أشجع من السلاح.



ومع عام 1963 تنفّست المدينة فجرًا جديدًا حين تأسس المركز الثقافي العربي في المالكية. أدرك المثقفون أن المسرح بحاجة إلى مؤسسةٍ ترعاه، وأن الفن لا يعيش على الهواية فقط. قاد لحدو إسحق هذه المرحلة مع مجموعة من الشباب المؤمنين بالثقافة، فأنشأوا فرقة «أصدقاء المركز» التي أصبحت أيقونة العمل الثقافي في المدينة. كانت تلك السنوات مليئة بالحيوية، إذ عُرضت مسرحيات كثيرة تجاوزت العشر خلال ثلاث سنوات فقط، وكانت مسرحية «الخطلة» عام 1964 علامة فارقة بمشاركة الفنان الكوميدي محمود عمر إلى جانب أفرام يعقوب وحبش سليمان ولطيف ملكي وشكري صومي وأفرام كوركيس وشكري رزقو وإكرام كوركيس. في تلك الفترة، أصبحت ديريك أشبه بورشة ثقافية مفتوحة، يجتمع فيها الناس بعد العمل ليشاهدوا المسرح كما يشاهدون ولادة حلمٍ جماعي.


في نهاية الستينيات، وتحديدًا عام 1969، قاد فريد إيليا مرحلة جديدة يمكن تسميتها بالعصر الذهبي للمسرح الديريكي. كان يؤمن أن المسرح ليس مجرد عرض، بل وسيلة تفكير. من تحت يده خرجت أعمال مثل «الكلبش» و«تاجر البندقية» و«بروتار» و«مطعم البيركاوات» و«دماء على الدرب» و«لا تقتلوا الموتى» و«إلى متى نصل؟» و«حفلة على الخازوق» و«الدراويش يبحثون عن الحقيقة» و«لدي وظيفة». لقد استطاع فريد إيليا أن ينقل المسرح من المحلية إلى العالمية، وأن يزرع في المدينة فكرًا جديدًا يرى في الفن موقفًا.



وفي تلك المرحلة التي امتدت ما بين عامي 1971 و1974، لمع على خشبة ديريك جيلٌ كامل من المبدعين الذين حملوا الخشبة بأكتافهم وجعلوا منها منبرًا للوعي والفرح معًا. من بينهم: محمود عمر، حبيب منصور، أفرام يعقوب، شكري صومي، سميح صليبا، سمير عيدو، حقي توما، شمعون صليبا، جان يونان ممثلاً ومخرجًا، سليم يونان، إسحق كوركيس، ومحمد خليل، الذين مثّلوا الوجوه الصادقة للمسرح في زمنه الأجمل.


وقد تميّز كلٌّ منهم بطابعه الخاص، فكان سمير عيدو وجهًا قريبًا من الناس بقدرته على المزج بين العمق والبساطة، بينما جسّد محمود عمر روح الفكاهة الذكية، وكان جان يونان جسرًا بين الإخراج والتمثيل، وحمل أفرام يعقوب دفء الشخصية الديريكية الأصيلة التي تُضحك وتبكي في آنٍ واحد.


إلى جانبهم، برزت مجموعة من النساء الرائدات اللواتي كسرن الصمت الاجتماعي ووقفن على الخشبة لأول مرة بأصواتٍ مليئة بالشجاعة، فكنّ وجهًا آخر للجمال والثورة. منهنّ سميرة عيسى، أديبة أفرام، سعاد يعقوب، مارين نور الدين، فكتوريا مرقص، ولاحقًا سيلفا سيروب، نورا حكيم، مادلين بوغوص، هيام عيدو، وسلوى شمعون. كنّ الأمهات اللاتي صنعن ذاكرة المسرح الأنثوية الأولى في ديريك، وفتحْن الأبواب لغيرهنّ من الفتيات ليصعدن الخشبة ويقلن للعالم إن المرأة قادرة على أن تكون شريكة في الضوء لا ظلاً في الظل.


ومع منتصف السبعينيات تولى أديب إيليا زمام المرحلة التالية، فدخل المسرح عهد النضج. جمع بين الإخراج والكتابة والتمثيل والبحث، وكان يعتقد أن المسرح مرآة الأخلاق الإنسانية، وأن الضحك يمكن أن يكون أداة نقدٍ لا هروب. كتب وأخرج مسرحيات أصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنية مثل «إلى متى يا رفيق» و«جولو» و«المخرج الكبير» و«الهجرة» و«اللجان» و«رحلة محفوفة من الغفلة إلى اليقظة». لكن من بين أعماله التي بقيت محفورة في وجدان الجمهور تأتي مسرحية «طبخة ببلاش» التي وُصفت بأنها من أفضل الأعمال المسرحية المأجورة في تاريخ ديريك، إذ كانت تُعرض ثلاث مرات في اليوم الواحد نظرًا للإقبال الجماهيري الكبير عليها. عُرضت المسرحية على مسرح سينما دجلة والمركز الثقافي في المالكية، وكانت من تأليف وإخراج أديب إيليا، وبطولة الشيخ آندريه إيليا وجاك إيليا والراحل وديع عمسيح، إلى جانب عددٍ من الممثلين الذين أدّوا أدوارًا ثانوية تركت أثرها الجميل. كانت «طبخة ببلاش» أكثر من مجرد مسرحية؛ كانت حدثًا فنيًا يعكس نبض الناس، فالسخرية فيها كانت تضحك وتوجع في آنٍ واحد، وكان النص يحمل عمقًا فلسفيًا يعرّي الواقع من زيفه بلغةٍ محببة للجمهور.


وجه تلك المرحلة: أديب كوركيس (1974 – 1982)

في تلك السنوات التي كانت فيها ديريك تضحك رغم تعب الأيام، برز على خشبتها وجهٌ صار عنوانًا للبهجة والذكاء الفني معًا، هو الفنان الكوميدي أديب كوركيس. كان أديب نجم الجمهور بلا منازع، يجمع بين العفوية والعمق، ويعرف كيف يجعل الضحك رسالةً لا سخرية. أدّى أدواره بروحٍ محلية قريبة من الناس، فكان يلتقط تفاصيل الحياة اليومية ويحوّلها إلى مشاهد تمثيلية تنبض بالصدق والمرح. مثّل جيلًا آمن بأن المسرح ليس فقط منصة للنقد بل أيضًا مساحة للتنفس، وكان صوته الشعبي يحمل دفء المدينة وبساطتها. في زمنٍ كانت فيه الخشبة تحاول أن توازن بين الجدية والمرح، جاء أديب كوركيس ليجعل الكوميديا مرآةً للمجتمع لا مهربًا منه، فصار وجه المرحلة بين 1974 و1982، وترك خلفه إرثًا من الضحك النبيل الذي لا يبهت مع مرور الزمن.


ولم تكن الجوائز غريبة عن هذا البيت الذي أحب المسرح حتى آخر رمق. فقد حصل أديب إيليا على جائزة أفضل مخرج عن مسرحيته الفلسفية «اللحاد» للكاتب المسرحي عبد الفتاح قلعجي في المهرجان الفرعي بمدينة رميلان، ونال الشيخ آندريه إيليا جائزة أفضل ممثل، فيما حاز زهير إيليا جائزة أفضل ديكور عن نفس العمل، ليؤكدوا جميعًا أن بيت إيليا ما زال بيت الريادة والإبداع. كانت تلك المرحلة ذروة النضج الفني في ديريك، حيث تماهى الفكر مع الجمال، والعائلة مع الخشبة، والحياة مع النص.


وفي التسعينيات، عاد جاك إيليا ليبعث الحياة في المسرح من جديد. كان قد تمرّس في المسرح الجامعي والشبيبي، وتعاون مع ممثلين كبار مثل غسان مسعود، ماهر صليبي، وحسن دكاك، ليقدّم أعمالًا حديثة امتزجت فيها الفكرة بالأسلوب الفني الحديث. من أبرزها «فوق هذا المستطيل وقع حادث»، «أوديب الوحش»، «لعبة السلطان والوزير»، و«ثلاثة أحزان». شارك في هذه العروض مجموعة من الوجوه المسرحية الشابة: حنا عبد الأحد، كابي عبد الأحد، شربل بيطار، نضال حنا شيعا، كبرييل حنا، متى سارة، موريس داوود، لويس نعيم، باسل وديع، وأمل نعيم، الذين شكّلوا الجيل الجديد الممتد من جذور الأجيال السابقة، وحملوا الشعلة بروحٍ جديدة بين سنوات التسعينيات وبدايات الألفية.


أما سمير إيليا، فقد كان الوجه التشكيليّ للعائلة، إذ جمع بين الفن البصري والمسرح، فزيّن المشاهد بخياله وألوانه، وترك بصمةً جماليةً في ديكورات العروض وفي تصميم المشاهد التي جمعت بين الفن التشكيلي والحركة المسرحية في انسجامٍ قلّ نظيره.


أما القسيس جوزيف موسى إيليا، فكان الروح الموازي للمسرح، رجل الدين الذي أحبّ الفن ورآه وجهًا من وجوه الحقيقة، إذ كتب وألّف نصوصًا أدبية ودينية تحمل فلسفةً عميقة عن الإنسان والخلق والإيمان، ليبرهن أن بيت إيليا لم يكن بيت خشبةٍ فحسب، بل بيت فكرٍ ومعرفةٍ وروح. ومنه استمدّت الأجيال الشابة وعيها بأهمية أن يلتقي الدين بالفن في حبّ الإنسان.


أما الشيخ آندريه إيليا، فكان رمز التوازن بين الخشبة والحياة، الممثل الذي جمع بين الحسّ الشعبي والوعي الديني، فأحبّه الناس كمؤدٍّ على المسرح وكشيخٍ في المجتمع، وكان صوته يحمل مزيجًا من الوقار والإبداع، ليكون شاهدًا على أنّ الفن لا يناقض الإيمان بل يكمّله.


ولأن الذاكرة لا تعرف حدودًا، حمل أبناء ديريك تراثهم المسرحي معهم إلى المهجر، فصارت الخشبة تهاجر معهم من مدينةٍ إلى أخرى ومن قارةٍ إلى أخرى. من بين هؤلاء الذين حملوا اسم ديريك بفخرٍ وكرامة: وديع عمسيح، جوزيف زيتون، توما بيطار، فؤاد أفرام، بهنان إسطيفو، زهير كبرو، أفرام دنحو، جرجيس حنا، شوكت توما، إبراهيم كوركيس، يعقوب ببي، حنا عامو صليبا، سيروب ماتيروس، كابي لحدو، نبيل شمعون، كميل نعنو، وبسام كبرو. هؤلاء زرعوا في مدن الاغتراب روحًا سوريةً أصيلة، وبقي المسرح بالنسبة لهم حنينًا وبيتًا أول.


إن حكاية المسرح في المالكية ديريك ليست مجرد سردٍ لتاريخٍ فني، بل هي شهادة على أن الشعوب الصغيرة تصنع ثقافةً كبيرة حين تؤمن بالإنسان. من عبد الأحد إيليا إلى فريد إيليا، ومن مراد إلى أديب، ومن زهير إلى جاك وآندريه، ومن سمير إلى القسيس جوزيف، تسلسل عائلي يشبه شجرة تتجدد أوراقها في كل فصل لكنها تبقى من جذرٍ واحد. كانت عائلة إيليا وما زالت رمزًا للعطاء، مدرسةً في الصدق والإخلاص، ومثالًا على أن الفن يمكن أن يكون ميراثًا ينتقل بالحب لا بالدم. إن ديريك التي عاشت على وقع المسرح لسنواتٍ طويلة ما زالت مدينةً تعرف أسماء أبطالها وتحفظ وجوههم كما تحفظ الأم وجوه أبنائها.


وإنني اليوم، وأنا أكتب هذه السطور، لا أكتب عن عائلةٍ فنيةٍ فحسب، بل عن روحٍ جمعيّةٍ جعلت من الفن صلاةً ومن المسرح إيمانًا. إلى جميع أفراد عائلة إيليا، بكل فروعها وجذورها، إلى كل من حمل هذا الاسم بصدقٍ وإبداع، أوجّه رسالتي هذه من القلب: أنتم عائلة راقية، من معدنٍ مختلف، ثقافتكم عميقة وقلوبكم عطشى دومًا للمعرفة، أجيالٌ تتعاقب ومواهب تتوارث، وأنتم النبض الذي جعل من ديريك مرآةً للوعي والذوق والجمال. محبّتي الكبيرة لكم جميعًا، ولكل من كان وما زال جزءًا من هذا البيت العظيم الذي علّم الخشبة النطق. تحياتي أيضًا إلى جميع عوائل ديريك الجميلة التي صنعت من هذه المدينة ساحةً للضوء رغم كل العتمة. أنتم الفخر، وأنتم الامتداد، وأنتم السبب في أن تبقى ديريك اسمًا يلمع كلما ذُكر الفن.


مع خالص محبّتي وتقديري … ديركاوي الفخر بكم


#mxr #milad_korkis #ميلاد_كوركيس #شخصيات_صنعت_ذاكرة_الوطن



Sunday, October 5, 2025

الهوية السريانية بين الاعتراف والإنصاف – نداء إلى الدولة السورية

 الهوية السريانية بين الاعتراف والإنصاف – نداء إلى الدولة السورية


إعداد : ميلاد كوركيس 

صاحب مشروع : شخصيات صنعت ذاكرة الوطن 



إلى السادة في الحكومة السورية، وإلى كل من يضع مستقبل الوطن فوق المصالح الضيقة،

نوجّه هذا النداء من قلبٍ سريانيٍّ آراميٍّ مؤمنٍ بأن العدالة الثقافية هي أساس العدالة الوطنية، وبأنّ الاعتراف بالوجود السرياني في سوريا ليس منّةً من أحد، بل تصحيحٌ لمسار التاريخ وإنصافٌ لشعبٍ أصيلٍ ساهم في بناء هوية هذا الوطن منذ فجر الحضارات.


لقد قدّم الشعب السرياني الآرامي لسوريا إرثًا حضاريًا خالدًا، أسّس الأبجدية الأولى، وعلّم الإنسانية اللغة والكتابة، وكان صانع الفكر واللاهوت والطب والفلسفة في الشرق.

فمن حران إلى تدمر، ومن الرها إلى معلولا، ومن نصيبين إلى دمشق، ظلّ السريان نبض العلم والدين والإبداع، حراسًا للهوية السورية في وجه كل محاولات الطمس والتشويه.


لكن رغم كل هذا التاريخ المشرّف، ظلّ الحضور السرياني في مؤسسات الدولة رمزيًا محدودًا، لا يليق بمكانته ولا بتاريخه.

فلا مناهج التعليم تُنصف حضارته، ولا الإعلام الرسمي يُبرز هويته، ولا القوانين تُكرّس حقوقه الثقافية كما يجب.

لقد آن الأوان لإنهاء هذا التهميش التاريخي عبر اعترافٍ رسميٍّ شاملٍ بالوجود السرياني وحقوقه الوطنية.


🔹 نطالب، باسم الانتماء لا الانقسام، وباسم التاريخ لا المصالح،

بأن تُقرّ الحكومة السورية رسميًا عيد الأكيتو – رأس السنة السريانية السورية، الذي يصادف الأول من نيسان من كل عام، عطلةً وطنيةً رسمية،

تُضاف إلى قائمة الأعياد المعترف بها في الجمهورية العربية السورية،

باعتبارها رمزًا للهوية الوطنية الجامعة، واعترافًا صريحًا بوجود الشعب السرياني الأصيل في أرضه التاريخية.


إنّ اعتبار الأكيتو عطلةً رسميةً ليس مجرّد احتفال، بل هو إعلان هويةٍ وتكريس حقٍّ.

هو اعترافٌ بحقّ الشعب السرياني في الوجود، في التعليم بلغته، في إحياء تراثه، في تدريس تاريخه ضمن مناهج الدولة،

وفي تأسيس مراكز ثقافية سريانية رسمية ترعى اللغة والتراث والموسيقى والآداب الآرامية، كما تفعل باقي المكونات السورية.


لقد حان الوقت لأن تعلن الدولة صراحةً أنّ السريان الآراميين جزءٌ لا يُفصل عن الهوية السورية،

وأنّ سوريا الحقيقية لا تقوم إلا بجميع أبنائها: عربًا، سريانًا، آشوريين، أرمنًا، كردًا، شركسًا وغيرهم.

هذا الاعتراف لا يُضعف أحدًا، بل يقوّي الوطن ويُعيد له توازنه ووجهه الحقيقي المشرق بالحضارات.


 كنيستنا سريانية، قوميتنا آرامية، وهويتنا سورية.

نحن أبناء الأرض التي خُلقت منها الأبجدية، وحُفرت فيها أولى الصلوات، وتجلّى فيها النور الإلهي منذ فجر التاريخ.


فلنُعد الاعتبار لكل من صان هذه الهوية بإيمانٍ وصدق،

ولنفتح صفحةً جديدة من الإنصاف والمواطنة الحقيقية،

يُذكر فيها الأكيتو لا كعيد طائفة، بل كعيد وطن،

يُذكّر السوريين بأنّ الحضارة لا تُبنى إلا بالاعتراف المتبادل وبالمساواة في الكرامة والحق.


 عاشت سوريا حرةً بأبنائها جميعًا،

وعاش الشعب السرياني رمز النور والحضارة،

وليبقَ الأول من نيسان عيدًا رسميًا للحياة والهوية والإنصاف الوطني.


#الأكيتو #رأس_السنة_السريانية #الهوية_السريانية #الآراميون #الاعتراف_بالحقوق_السريانية #سوريا_الوحدة #ميلاد_كوركيس #mxr #milad_korkis #أكيتو #Akitu

سوريا … حين صلّى الوادي وبكى الحجر

سوريا … حين صلّى الوادي وبكى الحجر

كتابة : ميلاد كوركيس



سوريا يا موطنَ الإيمانِ كم شهدتْ

صلبَ الحقيقةِ فوقَ الصخرِ إذ وُلدَا


أرضُ الرسالاتِ كم في حضنِها ازدهرتْ

آياتُ مجدٍ على الأحقابِ ما خمدَا


فيكِ المسيحيُّ ما زالتْ مآذنُهُ

تُسبي العقولَ وتهدي القلبَ ما سجدَا


يا قبلةَ الروحِ يا وجدانَ ماضينا

فيكِ الرجاءُ وإن جارَ الزمانُ بدا


وادي المسيحيينَ إن أنصتَّ تسمعُهُ

نغمًا يذوبُ به التاريخُ إذ شهِدَا


كم مرَّ في دربِهِ قديسُ مكرمةٍ

يبكي على الأرضِ إن جفَّتْ وإن جحدَا


مارُ جرجسٍ في الأعماقِ يذكرُنا

بأنَّ للإيمانِ أجنحةً إذا امتدَّا


كم ديرُهُ شعَّ كالأقمارِ منبثقًا

نورًا تُحيّيه أرواحٌ إذا ابتعدَا


في كلِّ صومعةٍ لحنٌ نُصلّيهِ

يحكي عن الحبِّ للأوطانِ إن فُقِدَا


يا واديَ القدسِ كم في صمتِك احتُرِقَتْ

شموعُ أحبابِنا والدمعُ قد وردَا


تاريخُك المجدُ في الأديارِ مكتملٌ

وسطرُكَ الحلمُ في الأناجيلِ ما انفردَا


يا موطنَ المجدِ كم في وجهِك ارتسمتْ

ملامحُ العزِّ رغمَ الحزنِ والكمَدَا


فيك الكنائسُ ما زالتْ تُناجيهُمُ

صوتًا من اللهِ لم يُمحَ ولم خفُتَا


كم حارسٍ في الليالي ظلَّ منتظرًا

أنْ يُشرقَ الفجرُ من أحجارِ ما ابتعدَا


سوريا ما كنتِ إلا حلمَ قديسٍ

من وادي الروحِ للعلياءِ قد صعدَا


يا واديَ النورِ كم في دربِك اختبأتْ

أغصانُ حبٍّ وفيها العطرُ قد وُجِدَا


تاريخُ شعبٍ على الإيمانِ ما وهَنَا

ولو تكسَّرَ مجدُ العُمرِ أو نُهِدَا


من نبعِ عيسى سلامُ اللهِ قد نزلتْ

أنهارُهُ في ربى الوادي وقد سردَا


تبقى مسيحِيُّةَ الأرواحِ شامخةً

رغمَ الزمانِ ورغمَ الموتِ إن وردَا


سوريا تبقى لهم دارًا ومأثرةً

ما دامَ في الصخرِ من آثارِهمْ خلَدَا


#سوريا #المسيحيون #وادي_المسيحيين #تاريخ_عريق #سلام_وإيمان #أرض_الرسل #ميلاد_كوركيس #هوية_الشرق

#mxr #milad_korkis #ميلاد_كوركيس

كوني أرمنية الآرامي … أكون آراميّ الأرمنية

 كوني أرمنية الآرامي … أكون آراميّ الأرمنية


كتابة : ميلاد كوركيس 


يا موطنَ الروحِ والإيمانِ يا عَلَمًا

فيهِ التآخي تسامى فوقَ أحلامِ


يا منْ على الصّلبِ صلّى الحبُّ وانهمرَتْ

دمعُ المسيحِ على الأرواحِ كالعامِ


كمْ أنبتَ الصّلبُ في صدرِ البريّةِ ما

يُحيي القلوبَ كزرعٍ في الأنامِ


منذُ الفداءِ تلاقَتْ في قلوبِهمُ

أنغامُ حمدٍ تُناجي صَوتَ إلهامِ


دينٌ توحّدَ فيهِ النورُ متّقدًا

تُهدي الصّليبَ وتُحيي مجدَ أقوامِ


يا أمَّ آرامَ، يا أُمَّ الكنائسِ يا

بيتَ السلامِ، ويا مهدَ الإنجيلِ السّامي


كمْ شاركَتنا مذابحُنا بصلواتِها

في كلِّ فجرٍ يزفُّ روحَ إلهامِ


يا أرمنَ النورِ، يا نبعَ القداسةِ في

صوتِ الأجراسِ، يا إشراقَ أيّامِ


يا إخوةَ الصّلبِ والإيمانِ يا أممًا

تُضيءُ دربَ الهدى في وجهِ ظُلامِ


من بيتِ نهرينَ قامتْ أرضُ معجزتي

ومنْ أراراتَ قامتْ جمرُ أنغامِ


في طورِ عبدينَ أصواتُ المصلّينَ قدْ

صارتْ نشيدًا يُنادي خالقَ الأنامِ


في أرضِ آرامَ خطّ الروحُ آيتَهُ

وفي أرمينيا قامتْ قبّةُ السّلامِ


كمْ ذابَتِ اللغةُ العظمى بمجدِهمُ

لكنْ بَقِيَتْ على الألسُنْ كأنغامِ


يا منْ كتبتمْ على الجدرانِ صَلواتِكمُ

حبرًا منَ الدّمِ في إنجيلِ إقدامِ


ما بينَ أرمنٍ وآراميِّ وحدةُ مَنْ

صَلّى المسيحُ لأجلِ الجمعِ والأرحامِ


في كلِّ كنيسةٍ وجهُ المخلّصِ ما

زالَ المنارَ، ووجهَ الحبِّ والأعلامِ


في الرُّها، في أنطاكيةٍ، في قدسِنا

تبقى الصّلاةُ حنينَ الروحِ والنامِ


لسنا شعوبًا تفرّقنا المذاهبُ لا

بلْ شعبَ صلبٍ لهُ ربٌّ بإلهامِ


في كلِّ ديرٍ تَرنَّتْ توبةٌ ويدٌ

ترنو إلى الصّلبِ في صمتٍ وإقدامِ


والناقوسُ العالي في صباحِهمُ

كالحلمِ يجمعُ أرواحًا وأقوامِ


منْ صوتِ إنجيلِهمْ فاضَتْ محبّتُهمْ

تُسقي العروقَ بنورِ العهدِ والسّلامِ


يا منْ حملتُم على الأكفانِ أرواحَكمْ

كي لا يموتَ المدى في ظلمةِ الآثامِ


كمْ أمٍّ أرمنيةٍ في الفجرِ قد ركعتْ

تُهدي الخلاصَ لدمعِ الطفلِ والأيتامِ


وكمْ أبٍ آراميٍّ في تبتّلِهِ

قدّسَ دجى الليلِ بالتسبيحِ والسّلامِ


منْ رُها لأراراتٍ قصّةٌ كتبتْ

بالصّلبِ والحبِّ، بالإيمانِ والإقدامِ


يا إخوةَ الصّلبِ، يا أبناءَ قدّيسٍ

قدّمتُمُ المجدَ للأوطانِ والأحلامِ


كمْ خضّبتْ أرضُ آرامٍ بقدّيسِها

حينَ ارتقى مُتهلِّلًا نحوَ الأعلامِ


وكمْ تلاقتْ صلواتٌ في قِبابِهمُ

تعنو للربِّ في سِرٍّ وإلهامِ


في كلِّ عينٍ تجلّتْ نارُ معموديٍّ

تُحيي الجراحَ بنورِ الحبِّ والسّلامِ


في كلِّ جرحٍ مسيحٌ قامَ من ألمٍ

وفي القيامةِ إيمانٌ بأحلامِ


يا إخوتي في الصّليبِ الثابتينَ لنا

دربُ القداسةِ نحوَ المجدِ والإقدامِ


منْ طورِ عبدينَ نادتْنا أجراسُها

كونوا رعاةَ رجاءٍ دونَ أوهامِ


ومنْ أراراتَ جاءَ النورُ يرفعُنا

كأنَّهُ الربُّ في فجرِ القيَامِ


في كلِّ طفلٍ أرمنيٍّ ترى صورًا

منْ وجهِ آرامَ في ألحانِ أنغامِ


وفي الآراميِّ ظلٌّ منْ قداسةِ منْ

ساروا إلى الصّلبِ دونَ الخوفِ والآلامِ


يا موطني، يا صلاةَ المجدِ يا وطنًا

يبقى لنا رغمَ أحزانٍ وأحكامِ


كوني أرمنيةَ الآراميِّ في وطنٍ

يعلو بصوتِ الصّليبِ ونورِ أنغامِ


وأكونُ آراميَّ الأرمنِ ارتجفتْ

في صَدرِنا لهجاتُ الحمدِ والسّلامِ


يا زهرةً من شتاءِ الشرقِ قد نبتتْ

في التُّربتينِ على أشلاءِ أعوامِ


نحيا، ونكتبُ عهدَ اللهِ في قلمٍ

وننسجُ المجدَ من روحٍ وإلهامِ


#المسيحية #الصليب #القيامة #الإنجيل #الإيمان #القداسة #الآراميون #الأرمن #أرارات #طور_عبدين #أرض_آرام #قِباب_الكنائس #بيث_نهرين #الكنيسة_الجامعة #المجد_المسيحي #الوحدة_الروحية #MXR #Aramean #Armenian #ChristianFaith #HolyCross #Resurrection #Ararat #TurAbdin #Aram_Land #Church_Domes #BethNahrin #Brotherhood #Eastern_Spirit #Milad_Korkis

كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين

 كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين إعداد : ميلاد كوركيس مشرف مشروع : Memora 360 - Arabic في دمشق، المدينة التي تتنفس التاريخ وتت...