مترجم - Übersetzer

Thursday, November 13, 2025

سِيرَة حَيَاة الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو

 سِيرَة حَيَاة الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو

​بِشَهَادَةٍ زَوْجَتِهِ الخُورِيَّة مَارِين صَامُوئِيل


​إِعْدَاد : Milad Korkis 

صَاحِب مَشْرُوع : Memora 360 - Arabic



​فِي حَيَاة كُلِّ إِنْسَانٍ مُؤْمِنٍ، هُنَاكَ لَحْظَةٌ يَتَجَلَّى فِيهَا النُّور الْإِلَهِي فِي هَيْئَة بَشَرٍ. هَكَذَا كَانَ الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو، رَجُلُ اللهِ الْهَادِئُ الَّذِي عَاشَ الْإِيمَانَ سُلُوكًا وَتَوَاضُعًا وَخِدْمَةً، وَإِلَى جَانِبِهِ سَارَتْ الْخُورِيَّة مَارِين صَامُوئِيل، رَفِيقَةُ دَرْبِهِ الَّتِي لَمْ تَتْرُكْهُ يَوْمًا، تَشُدُّ أَزْرَهُ وَتُكْمِلُ رِسَالَتَهُ بِالْحُبِّ وَالصَّبْرِ وَالرَّجَاءِ. هِيَ حِكَايَةُ اثْنَيْنِ صَاغَا الْعُمْرَ صَلَاةً، وَتَوَّجَا الْحَيَاةَ بِالْعَطَاءِ.


​وُلِدَ الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو فِي مَدِينَة الْحَسَكَة بِتَارِيخِ 21/08/1949، وَنَشَأَ فِي كَنَفِ عَائِلَةٍ مُؤْمِنَةٍ مُتَوَاضِعَةٍ انْتَقَلَتْ لَاحِقًا إِلَى مَدِينَةِ الْمَالِكِيَّة طَلَبًا لِلرِّزْقِ وَالْعَمَلِ فِي الزِّرَاعَة. كَانَ أَحَدَ أَفْرَادِ عَائِلَةٍ كَبِيرَةٍ مُكَوَّنَةٍ مِنْ أَرْبَعَة صِبْيَانٍ وَثَلَاث فَتَيَاتٍ، وَتَرَبَّى وَسْطَ جَوٍّ عَائِلِيٍّ مَلِيءٍ بِالْمَحَبَّةِ وَالْإِيمَانِ، حَيْثُ رُسِّخَتْ فِيهِ الْقِيَمُ الرُّوحِيَّةُ مُنْذُ الصِّغَرِ، وَنَشَأَ عَلَى الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْمَحَبَّةِ لِلْآخَرِينَ. تَلَقَّى تَعْلِيمَهُ فِي مَدَارِس السِّرْيَانِ، فَأَتْقَنَ اللُّغَة السِّرْيَانِيَّة، وَأَظْهَرَ اهْتِمَامًا بَالِغًا بِالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ.


​بَعْدَ تَخَرُّجِهِ، بَدَأَ بِالتَّعْلِيمِ فِي مَدَارِس الْمَالِكِيَّة، حَيْثُ أَحَبَّهُ طُلَّابُهُ لِطِيبَتِهِ وَصَبْرِهِ، لَكِنَّ نِدَاءَ الْوَطَنِ اسْتَدْعَاهُ إِلَى الْخِدْمَة الْعَسْكَرِيَّة. الْتَحَقَ بِالْقُوَّاتِ الْمُسَلَّحَةِ وَخَدَمَ خَمْسَ سَنَوَاتٍ وَشَهْرَيْنِ وَنِصْفًا، مُشَارِكًا فِي حَرْبِ تَشْرِينَ التَّحْرِيرِيَّة عَامَ 1973. وَجَدَ نَفْسَهُ عَلَى جَبْهَة الْقِتَالِ، بِرُتْبَةِ رَقِيبٍ أَوَّلٍ، حَيْثُ اخْتَبَرَ الْإِيمَانَ بِأَشَدِّ صُوَرِهِ فِي قَلْبِ الْمَعْرَكَة ضِدَّ إِسْرَائِيلَ. كَانَ الرَّصَاصُ يَنْهَمِرُ كَالْمَطَرِ، وَالْأَرْضُ تَهْتَزُّ تَحْتَ وَقْعِ الْقَذَائِفِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِالْخَوْفِ، مُحْتَفِظًا بِسَلَامٍ دَاخِلِيٍّ لَا يَهُزُّهُ شَيْءٌ.


​خِلَالَ الْمَعَارِكِ، نَجَا مِنْ سُقُوطِ صَارُوخٍ بِجَانِبِ الْخَنْدَقِ الَّذِي كَانَ فِيهِ، لَكِنَّهُ أُصِيبَ بِأَضْرَارٍ فِي أُذُنِهِ الْيُسْرَى، كَمَا فَقَدَ إِصْبَعًا مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى الَّذِي كَانَ يُوضَعُ فِيهِ الْخَاتَمُ، وَهُوَ حَادِثٌ تَرَكَ أَثَرًا نَفْسِيًّا وَجَسَدِيًّا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَثْنِهِ عَنِ الْإِيمَانِ أَوِ الشَّجَاعَةِ. وَكَانَ يَحْمِلُ مَعَهُ الْإِنْجِيلَ وَالْمَزْمُورَ 91، مُسْتَمِدًّا مِنْهُمَا الْقُوَّةَ وَالسَّلَامَ الدَّاخِلِيَّ، وَقَرَأَهُمَا هَمْسًا وَهُوَ يَعْبُرُ حَقْلَ الْأَلْغَامِ مَعَ فِرْقَتِهِ، حَتَّى اجْتَازَتْهُ بِأَمَانٍ وَاعْتَبَرَ ذَلِكَ حِمَايَةً إِلَهِيَّةً رَافَقَتْهُ طَوَالَ حَيَاتِهِ. بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَرْبِ، عَادَ إِلَى التَّعْلِيمِ أَكْثَرَ عُمْقًا وَإِيمَانًا بِالْحَيَاةِ، لِيُصْبِحَ مُوَجِّهًا تَرْبَوِيًّا ثُمَّ أَمِينَ سِرٍّ، ثُمَّ أُسْتَاذَ دِيَانَةٍ مَسِيحِيَّةٍ فِي الثَّانَوِيَّةِ، وَكَانَ لِطُلَّابِهِ أَبًا وَصَدِيقًا وَمُعَلِّمًا رُوحِيًّا، حَيْثُ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ حِصَصَهُ بِشَغَفٍ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ دُرُوسٍ، بَلْ لِقَاءَاتٍ مَعَ الْفِكْرِ وَالضَّمِيرِ.


​أَمَّا الْخُورِيَّة مَارِين صَامُوئِيل، فَقَدْ وُلِدَتْ أَيْضًا فِي مَدِينَة الْحَسَكَة، وَسْطَ عَائِلَةٍ كَبِيرَةٍ تَضُمُّ أَرْبَعَة صِبْيَانٍ وَثَلَاث فَتَيَاتٍ، فِي بَيْتٍ مَلِيءٍ بِالْمَحَبَّةِ وَالْإِيمَانِ. كَانَ وَالِدُهَا رَجُلًا عَطُوفًا، وَوَالِدَتُهَا مِثَالًا فِي الْحِكْمَةِ وَالْحَنَانِ. مُنْذُ طُفُولَتِهَا، كَانَتْ تَتَوَجَّهُ كُلَّ يَوْمِ أَحَدٍ إِلَى الْكَنِيسَة بِرِفْقَةِ عَائِلَتِهَا، تَتَعَلَّمُ الصَّلَاةَ وَالتَّرَاتِيلَ، وَتَعِيشُ حَيَاةً بَسِيطَةً هَادِئَةً يَغْمُرُهَا الْإِيمَانُ.


​دَرَسَتْ فِي مَدَارِس الرَّاهِبَاتِ، فَتَمَيَّزَتْ بِالْجِدِّ وَالْالْتِزَامِ، ثُمَّ الْتَحَقَتْ بـ مَعْهَدِ إِعْدَادِ الْمُعَلِّمِينَ فِي الْقَامِشْلِي وَتَخَرَّجَتْ عَامَ 1976. بَدَأَتْ مَسِيرَتُهَا الْعَمَلِيَّةُ فِي مَدْرَسَة الشَّهِيدِ خِضْر دَاوُود، ثُمَّ انْتَقَلَتْ إِلَى مَدْرَسَة الشَّهِيدِ نَاظِم الطَّبَقْجَلِي، وَبَعْدَهَا أَصْبَحَتْ مُعَاوِنَةَ أَمِينَةِ مَكْتَبَةٍ فِي ثَانَوِيَّة الطَّلِيعَة. ثُمَّ عُيِّنَتْ فِي مَدِينَة الْحَسَكَة لِتُدَرِّسَ مَادَّة الدِّيَانَةِ الْمَسِيحِيَّة فِي إِعْدَادِيَّة لِلْبَنَاتِ، حَيْثُ عُرِفَتْ بِإِخْلَاصِهَا وَأُسْلُوبِهَا التَّرْبَوِيِّ الْهَادِئِ. لَاحِقًا، وَبَعْدَ أَنْ رُسِمَ زَوْجُهَا كَاهِنًا، عَادَتْ إِلَى الْمَالِكِيَّة وَعَمِلَتْ أَمِينَةَ مَكْتَبَةٍ فِي ثَانَوِيَّة الْفُنُونِ حَتَّى تَقَاعُدِهَا. كَانَتْ تُحِبُّ مِهْنَتَهَا بِصِدْقٍ، وَتَقُولُ دَائِمًا: "بَيْنَ رُفُوفِ الْكُتُبِ كَانَتْ حَيَاتِي، أَقْرَأُ وَأَتَعَلَّمُ وَأَرَى فِي كُلِّ تِلْمِيذٍ صُورَةً مِنْ أَبْنَاءِ الرَّعِيَّة الَّذِينَ أَحَبَّهُمُ اللهُ."


​فِي عَامِ 1977، تَزَوَّجَتْ مِنَ ابْنِ عَمِّهَا أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو، بَعْدَ عِلَاقَةِ خُطُوبَةٍ امْتَدَّتْ سَنَةً وَنِصْفًا. تَقُولُ: "لَمْ يَجْذُبْنِي الْمَالُ وَلَا الْمَظَاهِرُ، بَلْ هُدُوؤُهُ وَثِقَتُهُ وَحُضُورُهُ النَّبِيلُ." وَبَعْدَ الزَّوَاجِ، رَزَقَهُمَا اللهُ بِثَلَاثَةِ أَبْنَاءٍ: رَابِي، تُودِي، وَأَكَادَ، وَكَانُوا زِينَتَهُمْ وَفَرَحَهُمُ الْأَكْبَرَ. انْتَقَلُوا لِلْعَيْشِ فِي الْحَسَكَة فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ، حَيْثُ عَمِلَ الْأَب أَفْرَام إِلَى جَانِبِ التَّعْلِيمِ كَمُحَاسِبٍ فِي مَكْتَبَةٍ، ثُمَّ افْتَتَحَ مَحَلًّا خَاصًّا بِهِ. هُنَاكَ، نَضَجَتْ فِي دَاخِلِهِ دَعْوَةُ الْكَهَنُوتِ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ، حَتَّى جَاءَهُ النِّدَاءُ رَسْمِيًّا مِنَ الْمَجْلِسِ الْمِلِّيِّ لِمَدِينَةِ الْمَالِكِيَّة، وَبِبَرَكَةِ صَاحِبِ النِّيَافَةِ مَار أُوسْتَاثِيُوس مَتَّى رُوهُم، لِيُرْسَمَ كَاهِنًا.


​تَرْوِي الْخُورِيَّة مَارِين أَنَّهَا فِي الْبِدَايَةِ رَفَضَتْ، لَكِنَّهَا رَضَخَتْ لَاحِقًا لِإِصْرَارِهِ، وَعَادُوا إِلَى مَدِينَةِ الْمَالِكِيَّة لِمُتَابَعَةِ حَيَاتِهِ الْكَهَنُوتِيَّةِ. سَاعَدَهُ اطِّلَاعُهُ وَمَعْرِفَتُهُ بِاللُّغَة السِّرْيَانِيَّة، إِضَافَةً إِلَى تَعْلِيمِ صَاحِبِ النِّيَافَةِ لَهُ الْأَلْحَانَ السِّرْيَانِيَّة حَتَّى أَتْقَنَهَا، وَقَدَّمَتْ الْخُورِيَّة شُكْرَهَا الدَّائِمَ لِصَاحِبِ النِّيَافَةِ عَلَى دَوْرِهِ الْأَبَوِيِّ فِي إِعْدَادِ زَوْجِهَا لِلْخِدْمَةِ الْكَهَنُوتِيَّةِ.


​كَانَ يَوْمُ رِسَامَتِهِ الْكَهَنُوتِيَّةِ مُنَاسَبَةً احْتِفَالِيَّةً كُبْرَى، حَضَرَهَا الْكَثِيرُونَ مِنَ الْحَسَكَة وَالْقَامِشْلِي وَالْمَالِكِيَّة. بَدَأَ الْأَب أَفْرَام جَوْلَتَهُ الرَّسُولِيَّةَ بِزِيَارَةِ جَمِيعِ أَبْنَاءِ الْمَدِينَةِ مِنْ مُخْتَلِفِ الطَّوَائِفِ، وَحَتَّى الَّذِينَ رَفَضُوا زِيَارَتَهُ، فَبِمَحَبَّتِهِ وَتَوَاضُعِهِ كَسَبَ قُلُوبَهُمْ. خَدَمَهُمْ مِنْ قَلْبِهِ، عَلَّمَهُمْ، سَاعَدَهُمْ، وَنَظَّمَ السَّهَرَاتِ الرُّوحِيَّة، مُرَدِّدًا دَوْمًا آيَةَ الْمَزْمُورِ الَّتِي أَحَبَّهَا:


​"لِأَنَّ غَيْرَةَ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي، وَتَعْيِيرَاتِ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ."

(مَز 69 : 9)


​تَمَيَّزَ الْأَب أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو بِخِدْمَتِهِ الْحَيَّةِ وَالدَّافِئَةِ، إِذْ كَانَ يُؤْمِنُ بِأَنَّ الْكَنِيسَةَ هِيَ بَيْتُ الْفَرَحِ وَالْإِيمَانِ، وَمَكَانُ اللِّقَاءِ بَيْنَ الْأَجْيَالِ. لِذَلِكَ أَطْلَقَ مُبَادَرَاتٍ عَدِيدَةً لِإِحْيَاءِ الرِّيسِيتَالَاتِ وَالسَّهَرَاتِ الرُّوحِيَّةِ الَّتِي جَمَعَتْ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالتَّرْتِيلِ وَالْمَسْرَحِ الرُّوحِيِّ، لِتَكُونَ وَسِيلَةً فَعَّالَةً فِي جَذْبِ الشَّبَابِ وَتَشْجِيعِهِمْ عَلَى الْمُشَارَكَةِ فِي حَيَاةِ الْكَنِيسَةِ.


​كَانَ يَخْتَارُ الْمَوَاضِيعَ بِعِنَايَةٍ لِتُلَامِسَ وَاقِعَ النَّاسِ وَتَغْرِسَ فِيهِمُ الرَّجَاءَ، وَيَمْنَحُ الشَّبَابَ مِسَاحَةً لِلتَّعْبِيرِ عَنْ إِيمَانِهِمْ بِطُرُقٍ فَنِّيَّةٍ رَاقِيَةٍ تُعَبِّرُ عَنْ عُمْقِ الرُّوحِ السِّرْيَانِيَّةِ وَجَمَالِهَا. وَمِنْ خِلَالِ هَذِهِ النَّشَاطَاتِ، بَرَزَتْ أَصْوَاتٌ شَبَابِيَّةٌ جَمِيلَةٌ مِثْلُ الْفَنَّانِ سَرْكُون كُورُو وَالْفَنَّانِ عَزِيز آدَمَ، اللَّذَيْنِ قَدَّمَا تَرَاتِيلَ مُمَيَّزَةً تَرَكَتْ أَثَرًا عَمِيقًا فِي نُفُوسِ الْحَاضِرِينَ.


​كَانَتْ تِلْكَ الْأُمْسِيَّاتُ تُقَامُ فِي أَجْوَاءٍ مَفْعَمَةٍ بِالْمَحَبَّةِ وَالْوَحْدَةِ، وَغَالِبًا مَا تُخْتَتَمُ بِالصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِهَا، فَتَحَوَّلَتْ مَعَ مُرُورِ الْوَقْتِ إِلَى رَابِطٍ رُوحِيٍّ وَاجْتِمَاعِيٍّ قَوِيٍّ بَيْنَ أَبْنَاءِ الرَّعِيَّة مِنْ مُخْتَلِفِ الْأَعْمَارِ، يَجْمَعُهُمُ الْفَرَحُ بِالْإِيمَانِ وَحُبِّ الْكَنِيسَةِ.

​وَبِفَضْلِ نَشَاطِهِ وَحِكْمَتِهِ وَطِيبِ مَحَبَّتِهِ، تَمَكَّنَ الْأَب أَفْرَام مِنْ إِعَادَةِ الْعَدِيدِ مِنَ الشَّبَابِ الَّذِينَ كَانُوا قَدِ ابْتَعَدُوا أَوْ تَوَجَّهُوا إِلَى الْكَنِيسَةِ الْإِنْجِيلِيَّةِ (كَنِيسَة الْإِخْوَة)، فَعَادُوا إِلَى أَحْضَانِ كَنِيسَتِهِمْ الْأُمِّ مِنْ خِلَالِ بَرَامِجِهِ الرُّوحِيَّةِ وَالْفَنِّيَّةِ الَّتِي أَعَادَتْ إِلَيْهِمُ الِانْتِمَاءَ وَالْفَرَحَ بِالْإِيمَانِ، فَكَانَتْ خِدْمَتُهُ جِسْرًا بَيْنَ الْأَجْيَالِ وَمَصْدَرَ وَحْدَةٍ رُوحِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ فِي مَدِينَةِ الْمَالِكِيَّة.


​كَمَا تَحَدَّثَتْ الْخُورِيَّة مَارِين عَنْ مَوَاقِفِهِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْعَمِيقَةِ، مُسْتَذْكِرَةً حَادِثَةً وَقَعَتْ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، حَوَالَيْ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ صَبَاحًا، حِينَ طَرَقَ بَابَهُمْ شَخْصَانِ جَاءَا مِنَ لُبْنَانَ طَلَبًا لِمُسَاعَدَةٍ عَاجِلَةٍ لِإِجْرَاءِ عَمَلِيَّةٍ جِرَاحِيَّةٍ حَرِجَةٍ. رَغْمَ خَشْيَتِهِمَا وَطَبِيعَةِ الْوَقْتِ الْمُتَأَخِّرِ، لَمْ يَتَرَدَّدْ الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو فِي تَقْدِيمِ مَبْلَغِ ثَلَاثِينَ أَلْفَ لِيرَةٍ لِمُسَاعَدَتِهِمَا، بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ لَهُمَا الشَّايَ أَوَّلًا. وَقَدْ أَعْرَبَتْ الْخُورِيَّة مَارِين عَنْ خَوْفِهَا وَسَأَلَتْ زَوْجَهَا كَيْفَ يُمْكِنُهُ مَنْحُ هَذَا الْمَبْلَغِ لِشَخْصَيْنِ لَا يَعْرِفُهُمَا، فَأَجَابَهَا بِبَسَاطَةٍ وَعُمْقٍ:

​"لَوْ لَمْ يَكُونُوا بِحَاجَةٍ لَمَا أَتَوْا إِلَيَّ بِهَذِهِ السَّاعَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ."


​خِلَالَ فَتْرَةِ إِقَامَتِهَا فِي مَدِينَةِ الْمَالِكِيَّة، انْضَمَّتْ إِلَى لَجْنَةِ السَّيِّدَاتِ لِدَعْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمُحْتَاجِينَ، وَعَمِلَتْ مَعَهُنَّ مُدَّةَ 11 سَنَةً مُتَوَاصِلَةً. كَانَتْ تِلْكَ مِنْ أَجْمَلِ وَأَعْمَقِ مَرَاحِلِ حَيَاتِهَا، كَمَا تَقُولُ: "تَعَلَّمْتُ مِنَ الْفَقْرِ أَكْثَرَ مِمَّا تَعَلَّمْتُ مِنَ الْكُتُبِ." كُنَّا نَزُورُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ عَائِلَةً فِي الْأَعْيَادِ، نَحْمِلُ لَهُمُ الْمُسَاعَدَاتِ الْمَالِيَّةَ وَالْمَلَابِسَ، وَنَطْمَئِنُّ عَلَى الْمَرْضَى، وَنَسْعَى لِتَأْمِينِ بِطَاقَاتِ مُعَايَنَةٍ مَجَّانِيَّةٍ مِنْ أَطِبَّاءَ مُحِبِّينَ لِلْخَيْرِ، مِثْلِ الدُّكْتُورِ آشُور وَالدُّكْتُورِ مَلْكِي وَغَيْرِهِمْ.


​وَكَانَ رَيْعُ نَشَاطَاتِ اللَّجْنَةِ يَأْتِي مِنَ الرِّحْلَاتِ وَالْحَفَلَاتِ الْخَيْرِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تُقِيمُهَا سَيِّدَاتُ الطَّائِفَةِ. كَانَتْ مَارِين تَرَى فِي كُلِّ عَمَلٍ خَيْرٍ رِسَالَةً رُوحِيَّةً أَكْثَرَ مِنْ وَاجِبٍ اجْتِمَاعِيٍّ، فَالْمَحَبَّةُ عِنْدَهَا فِعْلُ حَيَاةٍ لَا قَوْلٌ.


​فِي عَامِ 2011، سَافَرَتْ مَعَهُ إِلَى السُّوَيْدِ لِحُضُورِ زِفَافِ ابْنِهِمَا رَابِي. وَبَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُنَاسَبَةِ بَقِيَتْ هِيَ هُنَاكَ مَعَ أَوْلَادِهِمَا، بَيْنَمَا عَادَ هُوَ إِلَى كَنِيسَتِهِ فِي الْمَالِكِيَّة لِيُكْمِلَ خِدْمَتَهُ. خِلَالَ وُجُودِهِمَا فِي السُّوَيْدِ، وَاصَلَ التَّوَاصُلَ الْيَوْمِيَّ، وَكَانَتْ كَلِمَاتُهُ دَائِمًا مَلِيئَةً بِالْحَنِينِ لِلرَّعِيَّةِ وَالنَّاسِ وَالْكَنِيسَةِ الَّتِي أَحَبَّهَا أَكْثَرَ مِنْ نَفْسِهِ. وَخِلَالَ خِدْمَتِهِ هُنَاكَ، طَلَبَهُ الْمُؤْمِنُونَ فِي مَدِينَةِ فِيِسْتِرُوس السُّوَيْدِيَّة، حَيْثُ أَحَبَّ النَّاسُ وَعْظَهُ وَامْتَلَأَتْ الْكَنِيسَةُ بِالْمُصَلِّينَ. لَاحَظَ الْمُطْرَانُ عَبْدُ الْأَحَدِ شَابُو، مُطْرَانُ السُّوَيْدِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَثَرَ خِدْمَتِهِ، فَتَمَّتْ رِسَامَتُهُ بِدَرَجَةٍ كَهَنُوتِيَّةٍ جَدِيدَةٍ "أَب خُورِي"، فِي تِذْكَار الْقِدِّيسِ مَار أَفْرَام السِّرْيَانِيِّ الَّذِي صَادَفَ الذِّكْرَى 25 لِرِسَامَتِهِ كَاهِنًا. كَانَ يَخْدُمُ أَيْضًا فِي يُنْشُوبِينْك وَ أُورِبْرُو وَ إِسْكِلِسْتُونَا، يُقِيمُ الْقَدَادِيسَ مَتَى مَا احْتَاجَتْ الرَّعِيَّة، وَيَقُولُ دَائِمًا: "الْكَاهِنُ لَا يَخْتَارُ مَكَانَهُ، بَلْ يَخْدُمُ حَيْثُ يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ."


​لَكِنَّ الْحَيَاةَ، رَغْمَ جَمَالِهَا، لَا تَخْلُو مِنْ صَلِيبِهَا. أُصِيبَتْ الْخُورِيَّة مَارِين بِمَرَضِ الْعُضَالِ. حِينَ عَلِمَ بِذَلِكَ، تَرَكَ كُلَّ شَيْءٍ لِيَقِفَ بِجَانِبِهَا. كَانَتْ تَرَى فِيهِ صُورَةَ الْمَسِيحِ الْحَنُونِ الَّذِي يُوَاسِي الْمَرْضَى. خَفَّفَ عَنْهَا الْأَلَمَ، صَلَّى لِأَجْلِهَا، وَكَانَ يُرَدِّدُ: "كُلُّ أَلَمٍ يُشْفَى بِالْمَحَبَّةِ." وُجُودُ أَبْنَائِهِمَا حَوْلَهُمَا خَفَّفَ عَلَيْهِمَا وَطْأَة الْغُرْبَة قَلِيلًا، لَكِنَّهُ كَانَ دَائِمَ الْحُزْنِ لِابْتِعَادِهِ عَنْ كَنِيسَتِهِ. كَانَ يَقُولُ: "أَصْعَبُ شَيْءٍ عَلَيَّ أَنْ لَا أَكُونَ بَيْنَ شَعْبِي."


​وَبَعْدَ فَتْرَةٍ، ابْتَلَاهُ اللهُ هُوَ الْآخَرُ بِمَرَضٍ عُضَالٍ. أُدْخِلَ الْمَشْفَى لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَتْ تِلْكَ أَصْعَبَ أَيَّامِ حَيَاتِهِمْ. وَمَعَ ذَلِكَ، لَمْ يَتَأَفَّفْ، لَمْ يَشْتَكِ، بَلْ ظَلَّ قَوِيًّا، مُبْتَسِمًا، يَقُولُ دَائِمًا:


​"اتِّكَالِي عَلَى اللهِ."


​حَتَّى الطَّبِيبُ الْمُشْرِفُ سَأَلَهُ بِدَهْشَةٍ: "كَيْفَ لَازِلْتَ حَيًّا يَا أَبُونَا؟" فَأَجَابَ بِابْتِسَامَةٍ رَقِيقَةٍ: "لِأَنَّ اللهَ مَا زَالَ يُرِيدُنِي هُنَا."


​قَبْلَ رُقَادِهِ، زَارَهُ صَاحِبُ النِّيَافَةِ مَار يُوحَنَّا لَحْدُو بِصُحْبَةِ الْخُورِيِّ جُورْج، وَصَلَّوْا صَلَاةَ شِفَاءِ الْمَرْضَى، وَمَسَحَهُ بِالزَّيْتِ الْمُقَدَّسِ، وَقَالَ لَهُ الْمُطْرَانُ مُمَازِحًا: "عَرَفْتَنِي يَا أَبُونَا؟" فَضَحِكَ الْأَب أَفْرَام كَعَادَتِهِ، بِرُوحِهِ الطَّيِّبَةِ حَتَّى اللَّحْظَةِ الْأَخِيرَةِ. سَأَلَهُ الطَّبِيبُ عَنْ وَصِيَّتِهِ وَمَكَانِ دَفْنِهِ، فَقَالَ بِكُلِّ تَوَاضُعٍ:


​"أُرِيدُ أَنْ أُدْفَنَ فِي مَقْبَرَةِ الْغُرَبَاءِ، لَا فِي مَقْبَرَةِ الْكَهَنَةِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي النِّهَايَةِ تَحْتَ التُّرَابِ، مِثْلَ مُعَلِّمِي مَار أَفْرَام السِّرْيَانِيِّ."


​ثُمَّ أَوْصَى أَبْنَاءَهُ قَائِلًا:


​"افْعَلُوا مَا تَشَاءُونَ، لَكِنْ قَبْلَ أَيِّ شَيْءٍ، تَذَكَّرُوا أَنَّكُمْ أَبْنَاءُ عَائِلَةٍ طَيِّبَةٍ وَعَرِيقَةٍ. أَحِبُّوا بَعْضَكُمْ بَعْضًا، وَلَوْ تَخَاصَمْتُمْ لَا بَأْسَ، الْمُهِمُّ أَنْ تَبْقَى الْمَحَبَّةُ. وَلَا تَتْرُكُوا وَالِدَتَكُمْ، فَهِيَ أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِكُمْ."


​بَعْدَ رُقَادِهِ، غَصَّتْ الْكَنِيسَةُ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَاسْتَمَرَّتْ التَّعَازِي 3 أَيَّامٍ مُتَوَاصِلَةً. لَمْ تَبْكِهِ الرَّعِيَّةُ حُزْنًا فَقَطْ، بَلْ امْتِنَانًا، لِأَنَّهُمْ فَقَدُوا أَبًا رُوحِيًّا نَذَرَ نَفْسَهُ لِخِدْمَتِهِمْ. شَكَرَتْ الْخُورِيَّةُ صَاحِبَ النِّيَافَةِ مَار يُوحَنَّا لَحْدُو وَمَجْلِسَ كَنِيسَةِ إِسْكِلِسْتُونَا عَلَى رِعَايَتِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ، وَاحْتَضَنَ الْجَمِيعُ الْعَائِلَةَ بِحَنَانٍ يَلِيقُ بِخَادِمٍ رَحَلَ عَنْهُمْ جَسَدًا وَبَقِيَ رُوحًا.


​الْيَوْمَ، تَقُولُ الْخُورِيَّة مَارِين بِصَوْتٍ مَمْلُوءٍ حَنِينًا: "فَقَدْتُهُ زَوْجًا وَأَبًا وَرَفِيقًا، لَكِنِّي لَمْ أَفْقِدِ الْإِيمَانَ. أَعِيشُ بِالذِّكْرَى وَالصَّلَاةِ. كُلَّ يَوْمِ أَحَدٍ أَذْهَبُ إِلَى الْكَنِيسَةِ، أَجْلِسُ فِي الْمَقَاعِدِ الْخَلْفِيَّةِ، وَأَشْعُرُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ هُنَاكَ، يَبْتَسِمُ لِي مِنَ الْمَذْبَحِ." تَخْتِمُ حَدِيثَهَا قَائِلَةً: "عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ أَنْ تَحْتَضِنَ زَوْجَهَا وَتَمْنَحَهُ الِاسْتِقْرَارَ وَالْهُدُوءَ، فَالْعَائِلَةُ لَا تُبْنَى إِلَّا بِالْمَحَبَّةِ وَالتَّفَاهُمِ. وَمَا أَجْمَلَ أَنْ تَكُونَ الْمَحَبَّةُ صَلَاةً تُعَاشُ لَا تُقَالُ."


​وَهَكَذَا، تَبْقَى سِيرَةُ الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو نُورًا لَا يَنْطَفِئُ، وَذِكْرَى تَعْبَقُ بِالْإِيمَانِ وَالْعَطَاءِ، وَرَفِيقَةُ دَرْبِهِ الْخُورِيَّة مَارِين صَامُوئِيل شَاهِدَةً عَلَى حَيَاةٍ عَاشَاهَا فِي خِدْمَةِ اللهِ وَالْإِنْسَانِ، لِيَبْقَى اسْمَاهُمَا مَحْفُورَيْنِ فِي ذَاكِرَةِ الْكَنِيسَةِ وَالْقُلُوبِ.


​✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️


​رَسَائِلُ مَحَبَّةٍ وَوَفَاءٍ فِي ذِكْرَى الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو

​فِي حَيَاةِ الْكَنِيسَةِ، تَبْقَى الذِّكْرَيَاتُ أَكْثَرَ مِنْ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، فَهِيَ صَلَوَاتٌ تُكْتَبُ بِالْحَنِينِ وَوَفَاءٌ يُرْوَى عَلَى صَفَحَاتِ الْقَلْبِ.

هَكَذَا تَجَمَّعَتْ هَذِهِ الرَّسَائِلُ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ عَرَفُوا الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو عَنْ قُرْبٍ، رُفَقَاءِ الْمَذْبَحِ وَالْكَلِمَةِ، لِيَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهَا صَدًى رُوحِيٌّ وَعَاطِفِيٌّ يُضِيءُ ذِكْرَاهُ.


​✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️


​رِسَالَةُ صَاحِبِ النِّيَافَةِ

​مَار أُوسْتَاثِيُوس مَتَّى رُوهُم

​مُطْرَان الْجَزِيرَةِ وَالْفُرَاتِ


​فِيمَا يَسْتَعِدُّ النَّاشِطُ السِّرْيَانِيُّ الْحَاذِقُ الْأُسْتَاذُ مِيلَاد كُورْكِيس لِنَشْرِ سِيرَةِ الْمَرْحُومِ الْخُورِيِّ أَفْرَام جِلُّو، يَسْعَدُنِي أَنْ أُلَبِّيَ دَعْوَتَهُ بِكِتَابَةِ هَذِهِ الْأَسْطُرِ بِحَقِّ الرَّاحِلِ الْفَاضِلِ الْخُورِيِّ أَفْرَام جِلُّو.


​كَانَتْ الْمَالِكِيَّةُ بِحَاجَةٍ إِلَى كَاهِنٍ يُدَبِّرُ شُؤُونَ كَنِيسَةِ مَار دُودُو بَعْدَ أَنْ أُنْجِزَ بِنَاؤُهَا. فَرُشِّحَ الْمَجْلِسُ الْمِلِّيُّ الْمُعَلِّمَ أَفْرَام جِلُّو، أَخَا الدُّكْتُورِ يَعْقُوب جِلُّو، لِيَكُونَ كَاهِنًا. كَانَتْ مَعْرِفَتِي بِالدُّكْتُورِ يَعْقُوب جَيِّدَةً، وَلَكِنْ لَمْ أَعْرِفْ مِنْ قَبْلُ أَخَاهُ أَفْرَامَ الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُ فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ فِي مَدَارِسِ مَدِينَةِ الْحَسَكَة. فَطَلَبْتُ أَنْ يَأْتُونِي بِهِ لِلتَّعَرُّفِ عَلَيْهِ وَلِفَحْصِ مَعْلُومَاتِهِ الدِّينِيَّةِ وَالسِّرْيَانِيَّةِ.


​وَلَمَّا قَابَلْتُهُ سُرِرْتُ بِانْدِفَاعِهِ نَحْوَ الْخِدْمَةِ، وَبِحُضُورِهِ الشَّخْصِيِّ، وَثَقَافَتِهِ الْأَدَبِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ. وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنَ اللُّغَةِ السِّرْيَانِيَّةِ، وَلَا مِنْ طَقْسِ الْكَنِيسَةِ. وَلِئَلَّا تَخْسَرَ الْمَالِكِيَّةُ شَخْصًا لَهُ الْمُؤَهِّلَاتُ الْأَخْلَاقِيَّةُ وَالْأَدَبِيَّةُ لِيَكُونَ كَاهِنًا، رَأَيْتُ أَنْ أُرْسِلَهُ إِلَى دَيْرِ مَار كَبْرِئِيلَ فِي طُورْ عَبْدِينِ تُرْكِيَا لِيَتَعَلَّمَ طُقُوسَ الصَّلَوَاتِ وَالْخَدَمَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالْأَلْحَانِ الْكَنَسِيَّةِ.


​وَبِتَوْصِيَةٍ مِنِّي اسْتَقْبَلَ نِيَافَةُ مَار طِيمُوثَاوُس صَمُوئِيل أَقْطَاش الْمُعَلِّمَ أَفْرَام جِلُّو فِي دَيْرِ مَار كَبْرِئِيلَ، وَأَخْضَعَهُ لِدُرُوسٍ مُكَثَّفَةٍ مُدَّةَ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ إِلَى أَنْ تَمَكَّنَ الْمُعَلِّمُ أَفْرَام مِنْ أَنْ يُقِيمَ الْقُدَّاسَ وَبَقِيَّةَ الصَّلَوَاتِ وَالْخَدَمَاتِ الدِّينِيَّةِ. وَلَمَّا عَادَ إِلَى الْحَسَكَة، عَيَّنْتُ يَوْمًا لِرِسَامَتِهِ فِي كَنِيسَةِ مَار دُودُو فِي الْمَالِكِيَّة، فَذَهَبْتُ إِلَيْهَا وَرَسَمْتُهُ قِسِّيسًا فِي حَفْلٍ رُوحِيٍّ وَشَعْبِيٍّ.


​كَانَ الْأَب أَفْرَام جِلُّو حَرِيصًا عَلَى سُمْعَتِهِ الرُّوحِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ. إِنْ تَكَلَّمَ، اخْتَارَ عِبَارَتَهُ وَأَفْكَارَهُ بِدِقَّةٍ. وَإِنْ وَعَظَ، أَرْشَدَ بِلُطْفٍ مَنْ يَسْمَعُهُ. لَمْ يَتَوَانَ عَنْ حُضُورِ الصَّلَوَاتِ الْيَوْمِيَّةِ فِي أَوْقَاتِهَا. وَكَانَ قَدْ كَرَّسَ يَوْمًا فِي الْأُسْبُوعِ لِإِقَامَةِ سَهْرَةٍ رُوحِيَّةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ تَتَضَمَّنُ الْوَعْظَ الْإِنْجِيلِيَّ وَالْأَنَاشِيدَ الدِّينِيَّةَ.


​وَفِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، اعْتَرَضَ الْبَعْضُ عَلَى هَذِهِ السَّهْرَةِ الرُّوحِيَّةِ أَمَامِي، وَطَلَبُوا مِنِّي أَنْ أُوقِفَهَا. وَلَكِنِّي انْدَهَشْتُ لِطَلَبٍ ضَعِيفٍ كَهَذَا، فَقُلْتُ: عِوَضَ أَنْ تُشَجِّعُوا الْكَاهِنَ عَلَى هَذَا النَّشَاطِ الرُّوحِيِّ الْمُمْتَازِ، تَطْلُبُونَ أَنْ أُوقِفَ كَلَامَ اللهِ الَّذِي يُلْقَى بِلِسَانِهِ عَلَى مَسَامِعِ الْمُؤْمِنِينَ؟! أَثْنَيْتُ عَلَيْهِ وَطَلَبْتُ مِنْهُ الِاسْتِمْرَارَ بِالسَّهْرَةِ الرُّوحِيَّةِ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ رُوحِيٍّ لِفَائِدَةِ الْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا.


​وَبَعْدَ نُشُوبِ الْحَرْبِ الْأَهْلِيَّةِ فِي سُورِيَا، انْتَقَلَ الْأَب أَفْرَام جِلُّو إِلَى السُّوَيْدِ حَيْثُ اسْتَقَرَّ فِيهَا. وَرُسِمَ خُورِيًّا هُنَاكَ تَكْرِيمًا لِخِدْمَتِهِ الطَّوِيلَةِ فِي الْكَهَنُوتِ الْمُقَدَّسِ. وَفِي السُّوَيْدِ وَافَتْهُ الْمَنِيَّةُ بَعْدَ أَنْ خَدَمَ الْمَذْبَحَ الْمُقَدَّسَ لِمُدَّةِ ثَلَاثَةِ عُقُودٍ مِنَ الزَّمَنِ.

​رَحِمَهُ اللهُ وَكَافَأَهُ عَنْ أَتْعَابِهِ بِمَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَالْخُدَّامِ الصَّالِحِينَ.


​مَار أُوسْتَاثِيُوس مَتَّى رُوهُم

مُطْرَان الْجَزِيرَةِ وَالْفُرَاتِ

14.11.2025


​✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️


​رِسَالَةُ الْقِسِّيسِ جُوزِيف مُوسَى إِيلِيَا


​إِلَى أَخِي الْحَبِيبِ الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو،

​لَقَدْ كُنْتَ نُورًا فِي حَيَاتِنَا، وَإِيمَانُكَ الْعَمِيقُ كَانَ لَنَا مِثَالًا يُحْتَذَى بِهِ. كُنْتَ أَبًا وَرَفِيقًا وَصَدِيقًا، لَمْ تُهْمِلْ أَحَدًا، وَلَمْ تَتْرُكْ مَكَانًا إِلَّا وَأَضَأْتَ فِيهِ بِمَحَبَّتِكَ وَتَوَاضُعِكَ وَخِدْمَتِكَ. كُنْتَ تُعَلِّمُنَا أَنَّ الْكَهَنُوتَ لَيْسَ مَنْصِبًا، بَلْ حَيَاةً تُعَاشُ بِكُلِّ قَلْبٍ وَيَدٍ وَسُلُوكٍ.


​هَا أَنْتَ الْآنَ فِي حُضْنِ الْمَسِيحِ، لَكِنَّ رُوحَكَ بَاقِيَةٌ مَعَنَا، فِي صَلَوَاتِنَا، وَفِي الْكَنِيسَةِ، وَفِي قُلُوبِ كُلِّ مَنْ عَرَفَكَ. أَفْتَقِدُكَ، وَسَأَظَلُّ أَذْكُرُكَ دَوْمًا، شَاكِرًا اللهَ عَلَى نِعْمَةِ أَنْ عَرَفْتُكَ، وَأَنْ شَارَكْتَنِي جُزْءًا مِنْ حَيَاتِكَ الْمُبَارَكَةِ.


​سَلَامٌ لِرُوحِكَ أَيُّهَا الْخَادِمُ الْأَمِينُ، وَشُكْرٌ لِلرَّبِّ عَلَى حَيَاتِكَ الَّتِي أَضَاءَتْ طَرِيقَ كَثِيرِينَ.


​الْقِسِّيس جُوزِيف مُوسَى إِيلِيَا

14.11.2025


​✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️


​رِسَالَةُ الْقِسِّيسِ نَعِيم يُوسُف


​كَانَ الْأَب أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو أُسْتَاذِي فِي مَادَّةِ الدِّيَانَةِ فِي الْمَدْرَسَةِ، وَمُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ بَقِيَتْ صُورَتُهُ رَاسِخَةً فِي ذَاكِرَتِي كَإِنْسَانٍ طَيِّبٍ، لَطِيفٍ، وَاسِعِ الصَّدْرِ، يَعْرِفُ كَيْفَ يَحْتَوِي الْجَمِيعَ بِمَحَبَّةٍ وَهُدُوءٍ.

تَعَلَّمْتُ مِنْهُ أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، بَلْ أُسْلُوبُ حَيَاةٍ يُعَاشُ بِتَوَاضُعٍ وَصَبْرٍ.


​وَعَرَفْتُهُ أَيْضًا كَكَاهِنٍ فِي فَتْرَةِ خِدْمَتِهِ فِي الْمَالِكِيَّة، فَكَانَ مِثَالَ الرَّاعِي الْمُنْفَتِحِ عَلَى الْجَمِيعِ دُونَ تَعَصُّبٍ أَوْ تَمْيِيزٍ، يَخْدُمُ بِمَحَبَّةٍ صَادِقَةٍ وَرُوحٍ رَاقِيَةٍ.


​بَقِيتُ عَلَى تَوَاصُلٍ مَعَهُ حَتَّى قَبْلَ رَحِيلِهِ بِعِدَّةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَ حَدِيثُهُ دَائِمًا مَفْعَمًا بِالرَّجَاءِ وَالسَّلَامِ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يُوَدِّعُنَا بِصَمْتِهِ الْمَلِيءِ بِالْإِيمَانِ.


​ذِكْرَاهُ تَبْقَى عَطِرَةً فِي قَلْبِي، وَسِيرَتُهُ تَبْقَى دَرْسًا فِي الْبَسَاطَةِ وَالْخِدْمَةِ وَالْمَحَبَّةِ.


​الْقِسِّيس نَعِيم يُوسُف

14.11.2025


​✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️


​رِسَالَةٌ شَخْصِيَّةٌ مِنْ مِيلَاد كُورْكِيس

​صَاحِب مَشْرُوع: Memora 360


​إِلَى رُوحِ الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو،

أَقِفُ أَمَامَ ذِكْرَاكَ بِقَلْبِي مُمْتَلِئٍ بِالْإِجْلَالِ وَالْمَحَبَّةِ. كُنْتَ مِثَالًا لِلْخِدْمَةِ الصَّادِقَةِ، وَلِلْإِيمَانِ الَّذِي يُعَاشُ، وَلِلْحَنَانِ الَّذِي يُوَاسِينَا جَمِيعًا. لَمْ تَتْرُكْ أَثَرًا فِي الْكَنِيسَةِ فَحَسْبُ، بَلْ فِي الْقُلُوبِ أَيْضًا، فَقَدْ عَلَّمْتَنَا أَنَّ الْكَهَنُوتَ لَيْسَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، بَلْ حَيَاةٌ تُعَاشُ بِمَحَبَّةٍ وَصَبْرٍ وَتَوَاضُعٍ.


​إِلَى الْخُورِيَّة مَارِين صَامُوئِيل وَعَائِلَتِهَا الْكَرِيمَة،

أَرْفَعُ لَكُمْ خَالِصَ احْتِرَامِي وَمَحَبَّتِي الْعَمِيقَةِ. لَقَدْ كُنْتُمْ رَفِيقَةَ الدَّرْبِ وَالْأَبْنَاءُ زِينَةَ الْحَيَاةِ، وَكُنْتُمْ مِثَالًا حَيًّا عَلَى الْوَفَاءِ وَالتَّعَاوُنِ وَالصَّبْرِ. شُكْرًا لَكُمْ عَلَى مُشَارَكَتِكُمُ الْحَيَاةَ مَعَ الْأَب أَفْرَام، وَعَلَى مَا قَدَّمْتُمُوهُ مِنْ حُبٍّ وَعَطَاءٍ وَإِيمَانٍ.


​لِيَكُنْ هَذَا الْفُقْدَانُ جِسْرًا لِتَعْمِيقِ الرَّجَاءِ، وَلِتَسْتَمِرَّ ذِكْرَاهُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ كُلِّ مَنْ أَحَبَّهُ، مُحَاطًا بِالصَّلَاةِ وَالْمَحَبَّةِ.

سَلَامٌ وَمَحَبَّةٌ وَرَحْمَةُ اللهِ تَبْقَى مَعَكُمْ دَائِمًا.


​✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️✝️


​إِنَّ سِيرَةَ الْأَب الْخُورِي أَفْرَام كُورِيَّه جِلُّو وَالْخُورِيَّة مَارِين صَامُوئِيل تَظَلُّ شَهَادَةً حَيَّةً عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، بَلْ حَيَاةٌ تُعَاشُ بِمَحَبَّةٍ وَصَبْرٍ وَتَوَاضُعٍ. لَقَدْ جَسَّدَا مَعًا مَعْنَى الْخِدْمَةِ بِلَا حُدُودٍ، وَالْوَفَاءِ لِلْعَائِلَةِ وَالْكَنِيسَةِ وَالْمُجْتَمَعِ، وَعَلَّمَا مَنْ حَوْلَهُمَا أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ صَالِحٍ هُوَ صَلَاةٌ، وَكُلَّ لَحْظَةِ عَطَاءٍ هِيَ بَذْرَةُ نُورٍ فِي حَيَاةِ الْآخَرِينَ.


​تَظَلُّ ذِكْرَاهُمَا مَحْفُورَةً فِي الْقُلُوبِ، مُلْهِمَةً لِكُلِّ مَنْ يَسْعَى لِأَنْ يَعِيشَ حَيَاتَهُ بِإِيمَانٍ حَقِيقِيٍّ وَعَطَاءٍ مُسْتَمِرٍّ. وَتَبْقَى رَسَائِلُهُمَا، وَأَثَرُهُمَا الرُّوحِيُّ، وَجَمِيلُ ذِكْرَاهُمَا مَنَارَةً تُضِيءُ دُرُوبَ الْمَحَبَّةِ وَالْإِخْلَاصِ لِلْأَجْيَالِ الْقَادِمَةِ، لِتَبْقَى مِثَالًا خَالِدًا عَلَى التَّوَاضُعِ، وَالْوَفَاءِ، وَحَيَاةٍ مُكَرَّسَةٍ لِخِدْمَةِ اللهِ وَالْإِنْسَانِ.


​#الْأَبُ_أَفْرَامُ_كُورِيَّه_جِلُّو #الْخُورِيَّةُ_مَارِينُ_صَامُوئِيل #سِيرَةُ_حَيَاةٍ #خِدْمَةُ_اللهِ #الْإِيمَانُ_وَالْعَطَاءُ #ذِكْرَيَاتُ_كَنِيسَةٍ #الْمَحَبَّةُ_وَالْوَفَاءُ #الْكَنِيسَةُ_السِّرْيَانِيَّةُ #رِسَالَةٌ_رُوحِيَّةٌ #تَارِيخُ_الْكَنِيسَةِ #حَيَاةٌ_مُبَارَكَةٌ #خِدْمَةُ_الرَّعِيَّةِ #عَطَاءٌ_وَوَفَاءٌ #ذِكْرَى_خَالِدَةٌ #Memora360 #mxr #milad_korkis

No comments:

Post a Comment

كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين

 كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين إعداد : ميلاد كوركيس مشرف مشروع : Memora 360 - Arabic في دمشق، المدينة التي تتنفس التاريخ وتت...