مترجم - Übersetzer

Wednesday, November 5, 2025

أحمد طايل … حين تمشي الحكايات على خط الذاكرة

 أحمد طايل … حين تمشي الحكايات على خط الذاكرة


 إعداد : ميلاد كوركيس

صاحب مشروع «شخصيات صنعت ذاكرة الوطن»



وُلد أحمد طايل في يوليو عام 1956 في قريةٍ ريفيةٍ هادئةٍ تتوسّد الخُضرة وتغفو على ضفاف الحكايات. كانت القريةُ في تلك الأيام تشبه كتابًا مفتوحًا على الحياة، لا تخلو صفحاته من ضحكات النسوة على العتبات، ولا من أحاديث الرجال المتعبة آخر النهار. هناك، وسط رائحة الطين ونقاء الترع وصوت المؤذن، بدأت أولى خيوط الحكاية التي ستنسج على مهلٍ مسيرة رجلٍ جعل من الكلمة قدرًا ومأوى.


كان الطفل الصغير يجلس إلى جوار والده رحمه الله، يستمع بشغفٍ إلى قصص الأنبياء والرسل وحكايات العظماء. لم يكن يدرك أن تلك الجلسات البسيطة كانت تبذر في أعماقه حب الحكاية، وأن الصحف والمجلات التي كانت تصل إلى البيت ستفتح له نوافذ على عوالم بعيدة. في حدود الثامنة من عمره، بدأت تتضح ملامح شغفه بالقراءة، فكان يقرأ ما تقع عليه يداه، من مجلات الأطفال إلى القصص البوليسية، حتى بلغ سن المراهقة وقد صارت القراءة له عادةً وسلوكًا يوميًا لا ينفك عنه.



لم تخلُ طفولته من إشارات مبكرة على موهبةٍ فطرية. فقد كان متميزًا في موضوعات التعبير، يكتبها وكأنه يرسم صورًا بالكلمات، حتى أن أساتذته أشادوا به وفتحوا له أبواب التشجيع. كان معلم اللغة العربية على وجه الخصوص أول من تنبّه إلى نضوج هذا الفتى، فآمن به ووجهه نحو الكتابة الواعية، فغرس في قلبه يقينًا بأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تُحدث أثرًا لا يُمحى.

ولأن القرية كانت مصدر الحكايات التي لا تنتهي، فقد أخذ عنها خفة السخرية وعمق البساطة، وتعلّم أن الناس حين يضحكون إنما يخفون وجعهم. تلك المفارقة العجيبة بين الحزن والبهجة ظلّت تسكن كتاباته إلى اليوم، تمنحها نكهةً إنسانية لا تخطئها عين القارئ.



ومع مرور الأيام، مضى الفتى في دراسته حتى التحق بالعمل المصرفي، ليقضي أكثر من أربعة عقودٍ بين الأرقام والجداول والحسابات. غير أن العالم الرقمي الصارم لم يُطفئ جذوة الأدب في داخله، بل زادها انضباطًا وتأملًا. كان يرى في دقة الأرقام ما يشبه دقة الفكرة، وفي صرامة الحساب ما يشبه التزام الكاتب بمنطقه الفني. فصار العمل عنده وسيلة لتأمل الإنسان والحياة، لا حاجزًا يحول بينه وبين الإبداع. تعلم أن الانضباط لا يقتل الحلم، بل يجعله أكثر وضوحًا، وأن الكاتب حين يحترم النظام في حياته، يستطيع أن يحترم عقل قارئه فيما يكتب.



بدأت رحلته الإبداعية في أواخر الثمانينات، عندما شرع في كتابة المقالات بالصحف الإقليمية، يعبّر فيها عن ملاحظاته على المجتمع بلغةٍ ساخرةٍ رشيقة، لا تخلو من حكمةٍ ومعنى. ثم وجد نفسه ينجذب إلى عالم الحوار الأدبي، فراح يجري لقاءاتٍ مع كبار الكتّاب والكاتبات في مصر والعالم العربي، ليصنع من كل حوار لوحة فكرية نابضة بالأسئلة والرؤى. لم يكن الحوار عنده سؤالًا وجوابًا فحسب، بل كان غوصًا في أعماق الإنسان الكاتب، وقراءةً في بصيرته لا في سيرته.


وحين جاء وقت التقاعد، تحوّل الانشغال الطويل بالعمل إلى فراغٍ ملهمٍ دفعه نحو الرواية. فكتب، وأبدع، ونشر، حتى صار له في المكتبة العربية حضورٌ واضح. صدرت له أعمال عديدة حملت بصمته الخاصة، منها كتب الحوارات «على أجنحة أفكارهم» و«شواطئ إبداعية»، وعدد من الروايات التي تتراوح بين الواقعية والرمزية مثل «الوقوف على عتبات الأمس»، «متتالية حياة»، «المتشابهون»، «شيء من بعيد ناداني»، «رأس مملوء حكايات»، و«أيام بعيدة جدًا».



كانت روايته «المتشابهون» علامةً فارقة في مسيرته، إذ فازت بجائزة ناجي نعمان اللبنانية التي تنافس فيها أكثر من أربعة آلاف كاتب من مئةٍ وستٍ وتسعين دولة، وهي شهادةٌ على عمق موهبته وقدرته على التعبير عن الهم الإنساني بروحٍ مصريةٍ أصيلة. كما فازت روايته «عيد ميلاد ميت» بالمركز الأول في مسابقة دار الرضا للنشر والتوزيع على مستوى العالم العربي، وتُرجمت أعماله إلى لغاتٍ عدة، منها الفارسية والفرنسية.


لم يكن أحمد طايل يكتب لمجرد المتعة أو الشهرة، بل كان يرى في الكتابة رسالةً ومسؤولية. كان يقول: «أنا أكتب عني وعن الآخر، وللآخر»، يؤمن أن الكلمة حين تُكتب بصدقٍ تصبح منارة وضميرًا. ولذلك جاءت رواياته كمرآةٍ للمجتمع، تلتقط تفاصيل الواقع وتضع القارئ أمام أسئلته الكبرى: من نحن؟ وإلى أين نسير؟ وما الذي يهدد وعينا وهويتنا؟

كان حريصًا على أن تكون كتاباته واقعيةً لا تفقد مصداقيتها، يمزج فيها الخيال بالمنطق، والعاطفة بالعقل، حتى تصل إلى قلب القارئ دون أن تفقد قيمتها الفكرية. وفي كل ما كتب، ظلّ الوطن حاضره الأهم. لم يرَ في الوطن أرضًا فحسب، بل كيانًا يسكن الإنسان. قال مرة: «الوطن هو أنا، وأنا هو الوطن». كان يرى في المثقف ضميرًا جمعيًا للأمة، وفي الكاتب شاهدًا على عصره، لا يكتفي بالتأمل، بل يشارك في تشكيل الوعي العام.



شارك أحمد طايل في إعداد وتنظيم فعاليات ثقافية كبرى باتحاد كتاب طنطا، واستضاف خلالها نخبة من رموز الأدب العربي مثل واسيني الأعرج، خيري الذهبي، محمد الغربي عمران، وفاء عبد الرزاق، مكاوي سعيد، وشريف حتاته، وغيرهم. كما أقام احتفاليات تكريمية لرموز القصة المصرية مثل إبراهيم أصلان وسعيد الكفراوي في قريتيهما، مؤمنًا بأن الوفاء للرموز الثقافية هو أحد أشكال الحفاظ على ذاكرة الوطن.

وقد أُجريت معه لقاءاتٌ إذاعية وتلفزيونية وصحفية عديدة، داخل مصر وخارجها، وتناولت دراساتٌ نقدية كثيرة أعماله بالتحليل والإعجاب.


يكتب أحمد طايل اليوم وقد راكم تجربةً إنسانيةً وفكريةً ثرية، يرى فيها أن الكتابة ليست ترفًا، بل فعل وعيٍ ومقاومة. يسعى من خلال قلمه إلى إعادة الإنسان العربي إلى جذوره الثقافية، ليعرف موطأ قدمه، ويدرك أن الهوية لا تُستعار، بل تُصنع من الداخل.

مشاريعه الأدبية لا تزال ممتدة؛ فثمة رواية جديدة قيد الكتابة بعنوان «أنثى الفصول الأربعة»، وأعمال أخرى يعدّها لتواصل رسالته في ترسيخ قيم الجمال والفكر، مؤمنًا أن الكاتب الحقيقي لا يموت، بل يظل حيًّا ما دامت كلماته تُقرأ وتُستعاد.


إن سيرة أحمد طايل ليست مجرد حكاية كاتبٍ أثبت ذاته، بل سيرة جيلٍ آمن بأن الكلمة يمكن أن تبني وطنًا، وأن الأدب حين يُكتب بصدق، يصبح جزءًا من الذاكرة التي لا تُمحى.



No comments:

Post a Comment

كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين

 كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين إعداد : ميلاد كوركيس مشرف مشروع : Memora 360 - Arabic في دمشق، المدينة التي تتنفس التاريخ وتت...