مترجم - Übersetzer

Monday, September 15, 2025

الملفان الباحث اللغوي يعقوب عيسى حنا … الذي حمل السريانية في قلبه وجعل منها رسالة حياة

الملفان الباحث اللغوي يعقوب عيسى حنا … الذي حمل السريانية في قلبه وجعل منها رسالة حياة


إعداد : Milad Korkis 

صاحب مشروع : شخصيات صنعت ذاكرة الوطن

 

وُلد الملفونو يعقوب عيسى حنا في قلب الجزيرة السورية في أرض مشبعة بعبق التاريخ ودفء الأرض التي احتضنت لغات وحضارات تعاقبت عبر آلاف السنين كان ميلاده حدثًا صغيرًا في عيون الناس لكنه كان بداية لمسيرة فكرية وروحية كبيرة ستظل شاهدة على قوة الانتماء وحب اللغة السريانية هذه اللغة التي لم تكن بالنسبة له مجرد وسيلة تواصل بل كانت سر الهوية ومفتاح الروح وعطر الأجداد منذ صغره شعر بانجذاب خاص إلى الحروف التي رآها منقوشة على جدران الكنائس القديمة والكتب الصفراء التي كان يلمحها بين يدي الكهنة والرهبان كان يراقبها وكأنها كائنات حية تنبض بدماء أسلافه ومن هناك بدأ شغفه الذي سرعان ما تحوّل إلى مسيرة عمر


نشأ في بيت سرياني متواضع لكنه غني بالقيم والروحانية وكان والده وأمه يغذّيان فيه حب اللغة والكنيسة والقيم الأصيلة وكان يسمع منهما حكايات عن الأجداد وعن صمود اللغة التي قاومت الزمن كي تبقى خالدة وسط ضجيج لغات الغزاة والمحتلين كبر يعقوب وفي داخله يقين أن لغته السريانية ليست مجرد أثر قديم بل حياة كاملة وأن مهمته الكبرى ستكون أن يعيد لها ألقها وحضورها في زمن بدأ الناس يبتعدون عنها شيئًا فشيئًا


كان أول من أخذ بيده إلى هذا الطريق المرحوم القس برصوم يوسف القس في كنيسة العذراء في قرية بره بيت حيث تلقى على يديه أول دروسه في السريانية لم تكن تلك الدروس مجرد حروف أو قواعد بل كانت أبوابًا إلى عالم أوسع عالم من الشعر والتراتيل والنصوص التي حملت في طياتها أنفاس أجيال كاملة من المؤمنين والرهبان والشعراء منذ ذلك اليوم أدرك أن اللغة ليست فقط ما يُقال بل هي أيضًا ما يُعاش وما يُحس وما يُحمل كإيمان داخلي لا ينطفئ


ومع مرور السنوات لم يكتفِ بما تلقاه بل غاص أعمق فأخذ يقرأ ويتعلم وينهل من كل مصدر متاح حتى صار قادراً على أن يقف بدوره معلماً يزرع البذور في نفوس الشمامسة والشماسات ابتداءً من عام 1966 كرّس حياته لتعليم اللغة السريانية وإعداد أجيال من الخدام للكنائس الأرثوذكسية الذين كانوا بأمس الحاجة إلى من يُعيد إليهم لسانهم الروحي الذي تُقام به الصلوات والطقوس كان عمله أشبه برسالة مقدسة فقد كان يؤمن أن الكنيسة التي تصلي بلغتها الأصلية تبقى متصلة بجذورها أما حين تفقد لغتها فإنها تفقد جزءًا كبيرًا من روحها لذلك لم يكن تدريسه مجرد واجب بل كان نضالاً يومياً من أجل إبقاء هذه اللغة حية نابضة


لم يتوقف عند حدود التعليم التقليدي بل قام بوضع منهاج متكامل يجمع بين دراسة القواعد والنصوص وبين التمرين على التراتيل الدينية كان المنهاج مقسماً إلى ثلاث دورات مدة كل دورة ثلاثة أشهر يتعلم فيها الدارسون نصوصاً سريانية قديمة من أشعار مار أفرام السرياني وخطب مار يعقوب السروجي مع دراسة كتاب شيتستو أي السادس في قواعد اللغة السريانية للمطران يوحنا الدولباني لكنه أعاد صياغته بطريقته الخاصة وفق أسلوب استنتاجي يجعل الطالب يتذوق القاعدة بدلاً من أن يحفظها غيباً كان يشرح القصائد ويكشف معانيها ويوصل كل كلمة بروحها الحقيقية وكان لا يمل من التكرار والإيضاح حتى يتأكد أن تلاميذه قد استوعبوا الجوهر الحقيقي لا مجرد الشكل


لم يكن هدفه تكوين معلمين جدد فقط بل أراد أن يخلق جيلاً يعي أن هذه اللغة هي لسان صلواته وهويته وأنها ليست شيئاً غريباً عن حياته اليومية وهكذا كانت قاعاته التعليمية أشبه بخلية نحل حيث تختلط التراتيل بأصوات الطلاب الذين يتهجون الحروف ويغنون التراتيل فتتردد في أرجاء الكنائس أصوات تعيد للروح طمأنينتها


ولم يكن الملفونو يعقوب عيسى حنا مجرد مدرس بل كان باحثاً غاص في أعماق اللغة درس نصوصها القديمة وفتح أبوابها على تاريخها الطويل ومن بين ما اهتم به بشكل خاص اللغة الآرامية بلهجتها التدمرية تلك التي حملت إرث مملكة تدمر العظيمة والتي كادت أن تضيع في زوايا النسيان تحدث عنها باعتبارها جزءاً من هوية سورية الكبرى وأوضح أن أهل تدمر في القرن الثاني كانوا يتحدثون لغتين الإغريقية لغة الأرستقراطيين والآرامية الإمبراطورية التي امتدت على مدى ألف عام عبر الشرق الأوسط كله وقد فسر كيف أن اللهجة التدمرية بخطوطها القاسية واللينة كانت جسراً نحو الخط السرياني الأسطرنجيلي الذي زيّن كتب القداس والطقوس الكنسية لعصور طويلة وكان يرى فيها واحداً من أجمل الخطوط التي أبدعها التاريخ


كما ترك الملفونو يعقوب عيسى حنا إرثاً غنياً من المؤلفات اللغوية والأبحاث القيمة التي ساهمت في توثيق التراث السرياني والآرامي فقد كان عمله منهجياً وعميقاً وغزيراً، وشملت أعماله:


1. قراءة في لغة الكتابات التدمرية القديمة: كتاب يضم 109 صفحات من القطع المتوسط، جمع فيه الكلمات الآرامية التدمرية مع شرح أصولها ومقارنتها بالسريانية، وقدم تحليلاً مفصلاً للنقوش القديمة مع تفسير دقيق للنصوص.


2. أسماء الأعلام عند قدماء التدمريين: دراسة تحليلية للأسماء التدميرية القديمة وأصولها اللغوية، مع شرح اشتقاقها وربطها بالسريانية والآرامية، وبيان دورها الحضاري.


3. نظرات لغوية في ألفاظ آرامية تدمرية: 150 صفحة، يقدم مجموعة من الألفاظ الآرامية التدمرية مع مقارنة اللغات السامية الأخرى موضحاً التشابهات والاختلافات اللغوية.


4. مذكرات في قواعد الآرامية التدمرية: 107 صفحات، وضع فيه القواعد النحوية والصرفية للآرامية التدمرية مع مقارنة منهجية بالسريانية والعربية.


5. قطوف من آرامية معلولا: 192 صفحة، جمع فيه ألفاظ اللهجة المحكية في مدينة معلولا والقرى المجاورة مع شرح دقيق لمعانيها ومقارنتها بالسريانية.


6. آرامية الصائبة المندائيين: 225 صفحة، دراسة شاملة للهجة المندائية وخصائصها وقواعدها وربطها باللغات السامية الأخرى.


7. آرامية الحضر: 127 صفحة، دراسة للهجة الحضرية مع تحليل قواعدها وخصائصها اللغوية ومقارنتها بالسريانية والعربية.


8. عربية ثمود: 165 صفحة، دراسة للغة العربية القديمة كما وجدت في نقوش ثمود، موضحة قواعدها ومفرداتها مع مقارنة باللغات السامية الأخرى.


9. سلسلة تعليمية مبسطة للمبتدئين: ألفها لتعليم المبتدئين اللغة السريانية تدريجياً، ربط فيها الحروف والكلمات بالصلوات والتراتيل.


10. التدريب العملي للشمامسة والمرتلين: أشرف على تعليم شمامسة ومرتلين، ودرس اللغة العربية للكبار.


11. رئاسة مجمع اللغة السريانية في ديريك: ترأس المجمع قبل رحيله، وكان نائبه الملفونو حنا بهنان من القامشلي، وأصدر المجمع عدداً من مجلته.


12. رئاسة الأسرة الجامعية في بداية التسعينات: أشرف على برامج تعليمية وثقافية للطلاب والشباب الباحثين، وعمل على نشر اللغة والتراث السرياني في المجتمع الأكاديمي.


كان يؤكد دوماً أن هذه المؤلفات ليست مجرد كتب بل هي جسور تربط الحاضر بالماضي ووسائل لإحياء اللغة والهوية وأن أي طالب أو باحث يستطيع من خلالها أن يغوص في أعماق اللغة والتاريخ ويستخرج دروساً لا تقدر بثمن


لم يكن عمله محصوراً بالصفوف بل كان قائداً فعلياً لمسيرة تعليم اللغة السريانية في الجزيرة السورية حيث أشرف على الدورات وأدارها بروح الأب والمعلم والقائد وكان يُعتبر المرجع الأعلى في هذا المجال فقد التفّ حوله المعلمون والمتعلمون على السواء ورأوا فيه شخصية قادرة على أن تجمع الكلمة وأن تنظم العمل وأن تحوّل الحلم إلى واقع كان يؤمن بأن التعليم لا يتم إلا بالعمل الجماعي لذلك نسج علاقات واسعة مع الكنائس والمعاهد والمراكز الثقافية لينشر اللغة بين أبناء شعبه حيثما كانوا


إن النظر إلى مسيرة حياته يجعلنا نراه إنساناً لم يتوقف عند حد بل واصل العمل حتى أيامه الأخيرة وظل حتى شيخوخته يحمل همّ اللغة ويشجع طلابه على المتابعة ويحثهم على أن لا يتركوا شعلة الحرف تنطفئ ومع رحيله شعر الكثيرون أن جزءاً من ذاكرتهم قد رحل معه لكنه في الحقيقة لم يرحل لأن البذور التي زرعها لا تزال تنبت والأصوات التي درّبها لا تزال ترتل والكتب التي ألّفها لا تزال تُدرّس إن إرثه باقٍ في كل من تعلم على يديه وفي كل صلاة تُرفع باللغة السريانية وفي كل كنيسة تُرنم بلغة الأجداد


واليوم حين نعيد سرد حكايته فإننا لا نتحدث فقط عن رجل عاش ومضى بل عن قصة انتماء حقيقي قصة إنسان لم يرضَ أن يترك لغته تموت بل وهبها حياته كلها فصار اسمه واحداً من الأسماء التي لا يمكن أن تُنسى في ذاكرة السريان وفي ذاكرة كل من يعرف قيمة اللغة والهوية


وهنا أقف أنا ميلاد كوركيس بكل محبة واحترام أكتب إلى روحك يا ملفونو يعقوب عيسى حنا رسالة شخصية من القلب إلى القلب أقول لك فيها إنك لم تكن مجرد معلم أو باحث أو مدير لدورات بل كنت قدوة ومسيرة وذاكرة أمة كاملة كنت بالنسبة إلينا الأب الذي جمعنا على مائدة الحرف والروح وكنت الصوت الذي قال لنا لا تتركوا لغتكم تضيع فأنت اليوم وإن غبت بالجسد إلا أنك حاضر في كل كلمة ننطق بها بالسريانية حاضر في كل ترنيمة تخرج من حناجر المؤمنين حاضر في كل حرف يكتبه طالب تعلمته على يديك أكتب إليك هذه الكلمات لأقول إن سيرتك لن تضيع وإن مشروعك الذي كرّست له حياتك سيبقى متدفقاً في أجيال قادمة وإن روحك تنظر إلينا اليوم مبتسمة لأنك تعلم أنك تركت أثراً لا يزول


واليوم يرسل أهل ديريك جميعاً، كبارهم وصغارهم، رجالهم ونساؤهم، رسالة محبة ووفاء إلى روحك الطاهرة وإلى عائلتك الكريمة، رسالة تنبض بالامتنان العميق لما قدمته من علم وجهد وإرث حيّ، ويعدون أن يواصلوا الطريق الذي شقته لهم، وأن تبقى سيرتك منارة لكل من يقدر اللغة والهوية، وأن يظل صدى صوتك وترانيمك يعيش في قلوبهم وفي مدارسهم وكنائسهم، فكل كلمة ألفتها وكل حرف علمته سيبقى خالداً في أجيالهم القادمة


#الملفونو_يعقوب_عيسى_حنا #اللغة_السريانية #اللغة_الآرامية #تدمر #مار_أفرام #مار_يعقوب_البرادعي #التعليم_السرياني #الجزيرة_السورية #شخصيات_صنعت_ذاكرة_الوطن #MXR #milad_korkis #ميلاد_كوركيس #ديريك #وفاء #محبة

No comments:

Post a Comment

كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين

 كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين إعداد : ميلاد كوركيس مشرف مشروع : Memora 360 - Arabic في دمشق، المدينة التي تتنفس التاريخ وتت...