Saturday, September 27, 2025

لحدو حنا القس : ابن الملاك الذي وهب سمعه وحياته للفقراء

 لحدو حنا القس : ابن الملاك الذي وهب سمعه وحياته للفقراء


إعداد : Milad Korkis 

صاحب مشروع : شخصيات صنعت ذاكرة الوطن

 

وُلد العم لحدو حنا القس عام 1894 في قرية أزخ، الواقعة اليوم في جنوب تركيا، وكانت في تلك الحقبة جزءًا من مناطق الجزيرة السورية التاريخية. كانت أزخ قرية صغيرة لكنها عريقة، ذات تاريخ ممتد، تتميز بترابط مجتمعها، وعمق القيم الدينية والاجتماعية، وبالتقاليد العشائرية التي شكلت شبكة دعم متينة لسكانها. كانت الزراعة أساس حياة أهل القرية، وأيضًا الرعي وصناعة الأدوات البسيطة، مع اعتماد متبادل بين العائلات على الموارد المشتركة.


نشأ لحدو في هذا الوسط الغني بالثقافة الشعبية والدينية، في بيت متدين، هو ابن الشماس حنا القس، ابن القس يوسف. تربى على الاحترام، الإيمان، والعمل الجاد، وعلى تقدير القيم الإنسانية الأساسية، مثل العدالة، الكرم، وحماية الضعفاء.


كونه الابن الأكبر، حمل منذ صغره المسؤولية عن أشقائه وعائلته، وشارك في الأعمال اليومية للبيت والأرض، مما أكسبه صلابة شخصية مبكرة، وفهمًا عميقًا لمعاناة الآخرين، خصوصًا الفلاحين والعمال الذين كانوا يعيشون ظروفًا اقتصادية صعبة. هذه التجربة شكلت بدايات وعيه الاجتماعي والسياسي، وغرست فيه الإيمان بأن الإنسان يجب أن يقف دائمًا في صف الحق، وأن المساواة والعدالة ليست رفاهية، بل ضرورة للحياة الكريمة.


في أزخ، لم تكن الحياة سهلة، فالقرية على الرغم من روابطها المتينة، كانت تعيش في سياق صراعات محلية أحيانًا بين العائلات والعشائر المجاورة على الأرض والمياه، إضافة إلى الضغط الاقتصادي والاجتماعي من الأغوات والملاك الذين سيطروا على أراضي واسعة. منذ طفولته، كان لحدو يشارك في هذه الحياة المليئة بالتحديات، يحمل السلاح مع رفاقه، ويساهم في الدفاع عن القرية، ويتعلم فنون القيادة والتخطيط المبكر، كما لاحظ قدرة والده وأفراد أسرته على حل النزاعات وحماية مصالح أهل القرية بالحكمة والحنكة.


كان لحدو يراقب ويتعلم من محيطه كيفية إدارة العلاقات العائلية والعشائرية، وكيفية ربط القيم الدينية بالممارسات اليومية. وعندما جاءت جمعية "اتحاد الترقي" وقامت بالاعتقالات عام 1926، ألقي القبض عليه مع القافلة، وعاش تجربة الاعتقال الأولى، وهو ما أكسبه فهمًا مبكرًا لقسوة السلطة، وأهمية النضال السياسي والاجتماعي لحماية الناس البسطاء.


بعد إطلاق سراحه، هاجر لحدو إلى قرية كافل قرب الجزيرة السورية، وعمل في مطحنة عند أحد الأغوات. هذه الفترة كانت حاسمة في توسيع أفقه، إذ عايش حياة الكادحين، وفهم بشكل مباشر ظلم الفلاحين واحتياجاتهم، وأدرك أن مجرد العمل الخيري لا يكفي، بل يجب أن يكون هناك تنظيم سياسي وفكري يحقق العدالة للجميع.


في عام 1928، استقر في قرية كاني كركي، وعمل بالزراعة، ثم في عام 1931، قام مع والده بشراء قرية سويديكي، لتصبح مركزًا لعائلته ونقطة انطلاق لمساره الاجتماعي والسياسي.


تزوج لحدو أولاً من "خانه" ابنة لحدو مختار قرية غربان، وأنجب منها ولدين هما "كوريه" و"عبود". بعد وفاة زوجته الأولى، تزوج من "وردة" من قرية الحكيم، وأنجب منها عشرة أبناء: خمسة شبان وخمس شابات. كان يحرص على تربية أبنائه على الصبر، الشجاعة، والوفاء للمبادئ. وكان يجلس معهم يحكي عن تجاربه، ويغرس في نفوسهم قيم العدالة والكرامة، وكيفية مواجهة المصاعب والتحديات بروح ثابتة ومبادئ لا تتغير.


التحول الأكبر في حياته جاء عام 1941، حين انتسب إلى الحزب الشيوعي السوري، في فترة عصيبة من تاريخ سوريا، حيث كانت البلاد في مرحلة ما بعد الانتداب الفرنسي، وسط محاولات بناء الدولة المستقلة، وصراعات طبقية حادة بين الفلاحين والملاك. جذبه الفكر الشيوعي لأنه قدم وسيلة عملية للدفاع عن الفقراء والعمال، ورفض الاستغلال، وأعطى الفلاحين حقوقهم في الأرض والعيش الكريم. أصبح لحدو من أوائل المناضلين في الجزيرة السورية، ناشراً الوعي بين الفلاحين، جالسًا معهم في الحقول، يشرح لهم حقوقهم، ويربط مطالبهم اليومية بالمستقبل الوطني والعدالة الاجتماعية.


في خمسينيات القرن الماضي، ومع تصاعد القمع ضد الحزب، تم اعتقال لحدو عام 1958 بسبب استضافته المناضل الكردي جكرخوين ورفاقه، وسيق إلى سجن المزة في دمشق، حيث تعرض لتعذيب شديد على يد رجال عبد الحميد السراج، وفقد السمع في إحدى أذنيه. ورغم هذا، لم يضعف، بل خرج من السجن أكثر إصرارًا على متابعة طريقه في الدفاع عن حقوق العمال والفلاحين، ومعارضة الظلم، رغم أنه جاء من عائلة مالكة، ما أكسب موقفه رمزية إضافية.


مع صدور قانون الإصلاح الزراعي، انتقل لحدو إلى المالكية، حيث استمر في النضال الاجتماعي والسياسي، داعمًا الفلاحين والعمال، ومتمسكًا بالقيم التي آمن بها طوال حياته. ولم ينسَ عائلته، بل حرص على تربية أبنائه على الصبر والوفاء، وغرس فيهم روح المقاومة والمبادئ الأخلاقية.


وفي عام 1997، وافته المنية بعد حياة مليئة بالنضال والتضحيات. دُفن أولاً في مقبرة مار يعقوب بالمالكية، ثم نُقل رفاته لاحقًا إلى قرية سويديكي حيث بُني له مزار خاص، ليظل رمزًا حيًا في ذاكرة المجتمع والأجيال القادمة، شاهداً على رجل جمع بين النضال، والوفاء، وحب العائلة، والإيمان بالإنسان والعدالة.


إن سيرة لحدو حنا القس ليست مجرد قصة رجل عاش ومات، بل هي ملحمة عن تحدي الظلم، وعن التضحية، وعن الوفاء للمبادئ وللعائلة، وعن الإنسان الذي اختار أن يكون صوت الفقراء والمستضعفين. ومنذ نعومة أظفارنا ونحن نجلس معه، نستمع إلى قصصه عن ما عانى، عن السجون، والاعتقالات، وعن التضحيات التي جعلت من حياته درسًا للأجيال في الكرامة والعدالة.


رسالة شخصية


إلى روحك الطاهرة يا لحدو حنا القس، وإلى عائلتك الكريمة التي حملت معك عبء الطريق:

أقف اليوم أمام سيرتك بكل فخر واعتزاز. لم تكن حياتك مجرد مسار فردي، بل كانت درساً في التضحية والوفاء. علمتني أن الكرامة لا تُشترى بالمال، وأن العدالة تستحق أن تُدفع لها أغلى الأثمان. أنت مثال حيّ على أن الإنسان يمكن أن يخرج من دائرة طبقته، ويتخطى مصالحه الضيقة، ليصبح جزءاً من قضايا شعبه. إنني أكتب عنك الآن لا كحكاية من الماضي، بل كقدوة للمستقبل. لروحك السلام والخلود، ولعائلتك كل المحبة والاعتزاز. أنتم عنوان الشرف، وأنتم صفحة مشرقة في تاريخ هذه الأرض. إنك لم تغب، لأن سيرتك تعيش فينا، ولأن كل من يقرأ عنك يشعر أن دمك ما زال يسقي أرض سوريا، ويمنحها القوة لتنهض من جديد.


#لحدو_حنا_القس #أزخ #المالكية #ديريك #سوريا #التاريخ_السياسي #الحزب_الشيوعي #الفلاحين #النضال #الجزيرة_السورية #شهداء_الفكر #MXR #milad_korkis #ميلاد_كوركيس

No comments:

Post a Comment