Friday, September 26, 2025

حنا شيعا … المعلّم والرفيق الذي حمل ذاكرة جيل ووجع وطن

حنا شيعا … المعلّم والرفيق الذي حمل ذاكرة جيل ووجع وطن


في مدن الجزيرة السورية، وفي أزقتها الضيقة وبيوتها المتواضعة، كبرت قصص كثيرة لشخصيات حملت الوعي والكرامة على أكتافها، لكن قلّة منها تركت أثرًا يشبه الأثر الذي تركه الأستاذ حنا شيعا. وُلد في زمن صعب، وعاش في محيط مثقل بالحرمان، واختار أن يكون معلمًا، مربّيًا، مناضلًا، وصوتًا للحق في وجه الظلم، في وقتٍ كانت فيه كلمة الحق تساوي حياة صاحبها.


لم يكن مسيحيو سوريا في عهد نظام الأسد يعيشون حياة طبيعية. على العكس، فقد عانوا من سياسة ممنهجة هدفت إلى إضعاف حضورهم السياسي والثقافي، وحرمانهم من حقوقهم الوطنية، وتهميشهم تحت شعارات كاذبة عن "الوحدة الوطنية". كل من تجرأ على الانخراط في عمل سياسي مستقل أو انتقد ممارسات النظام كان عرضة للاعتقال والتعذيب، بغض النظر عن دينه أو قوميته، لكن المسيحيين كانوا يعانون مضاعفًا: فمن جهة هم متهمون دومًا بالولاء للخارج أو بالارتباط بالغرب، ومن جهة أخرى كانوا محرومين من التعبير الحر عن هويتهم القومية والثقافية.


في هذا الجو الخانق، نشأ حنا شيعا. لم يكن مجرد معلم لغة ونحو، بل كان حاملًا لرسالة أوسع: رسالة الوعي والحرية. على يديه انخرط الكثيرون في الحزب الشيوعي السوري، ومنهم الأديب فؤاد حنا زاديكيه وقريبه عيسى عوري أبو شربل، حيث أقسموا معًا أمام حائط بيعة مارت شموني على الوفاء للمبدأ. كان ذلك القسم فعل تحدٍ في وجه السلطة التي كانت تلاحق كل شيوعي، وتعتبره خائنًا أو عدوًا. واللافت أن العديد من المسيحيين الآخرين، ومن بينهم جدي الراحل، كانوا ضحايا لهذه المضايقات، فقد دفعهم انتماؤهم السياسي الثمن باهظًا، مثل كثيرين من رفاق حنا، في ظل زمن اختلطت فيه السياسة بالقمع والطائفية.


دفعت هذه الجرأة حنا شيعا إلى أقبية الأمن، حيث ذاق التعذيب الجسدي والنفسي. لم يكن وحده؛ كثير من شباب ديريك وسائر مدن الجزيرة مروا عبر زنازين المخابرات، لكن ما ميّزه هو صمته وصموده. بعد خروجه من المعتقل لم يروِ لأحد ما جرى معه، وكأنه أراد أن يدفن الألم في داخله ليحمي رفاقه. وكانت القصص حول هذا القمع تطول، ولا تنتهي، كل شخص يحمل رواية مختلفة عن التعذيب، عن الحرمان، عن التضييق اليومي على حريته.


ورغم ذلك، لم ينكفئ حنا إلى الظل. كان يؤمن أنّ بناء الإنسان أهم من أي معركة سياسية. بعد انتهاء دوامه في مدرسة الدجلة الخاصة للسريان، كان يدعو طلابه إلى الكنيسة ليتعلموا الترانيم والطقوس، ثم يجلس معهم ليعطيهم دروسًا إضافية في النحو والإعراب. لقد كان يعرف أنّ قوة شعبه تبدأ من التعليم والوعي، وأن مواجهة الاستبداد تبدأ من المدرسة قبل أي مكان آخر.


في المدارس الخاصة بالسريان، كان مثالًا للمعلم الصارم الحنون. كان يدفع تلاميذه للمطالبة برحلات "التنزّهة"، يتظاهر بالاعتراض أمام الإدارة، لكنه في الخفاء يشجعهم على الانطلاق في أحضان الطبيعة. وهناك، كان يعلمهم الأغاني القومية السريانية مثل أومتان بيت نهرين وأومتان سوريويتو، وكأنّه يقول لهم إن للهوية القومية والثقافية مكانًا لا يمكن للنظام أن يمحيه.


لكنّ النظام لم يتركه. مع اشتداد التضييق على الحزب الشيوعي، طُلب منه أن يتظاهر بالعداء للحزب ويعلن طرده منه، ليتمكن من كشف المؤامرات التي كانت تُحاك ضد قياداته. ففعل، وصار خصوم الحزب يظنونه تراجع، بينما كان يؤدي مهمة خطيرة أنقذت رفاقه من التصفية. حتى أقرب أصدقائه لم يعرفوا سر مهمته، فعاتبوه وظنوا أنه انقلب، قبل أن يدركوا لاحقًا حجم تضحيته. هذا المشهد يختصر طبيعة الحياة تحت حكم الأسد: عالم من الشكوك، المؤامرات، والعمل السري، حيث لا أحد آمن، حتى في بيته.


لم يكن التعليم وحده مجاله. كان رياضيًا موهوبًا، أسّس فريق نينوى أشبال الرافدين، وأشرف على تدريبه. جمع شباب ديريك حول كرة القدم، وغرس فيهم الانضباط والروح الجماعية. حتى أثناء خدمته العسكرية، أثبت موهبته حين هزم بطل سورية في الجري محمد عطيش، لكنه رفض أن يبيع روحه للنظام أو ينخرط في جيشه بشكل دائم، مفضّلًا العودة إلى أسرته ومدينته.


ومثل كثير من المعلمين المسيحيين، عانى من سياسة تهميش متعمدة. تقدّم لفحص الشهادة الإعدادية مرارًا ولم ينجح، ربما بفعل العراقيل البيروقراطية أو القصدية، لكن ذلك لم يمنعه من أن يكون مثقفًا واسع الاطلاع. كان تلاميذه يذهبون حفاة إلى الكنائس ليتضرعوا من أجل نجاحه، صورة مؤثرة عن العلاقة النادرة بين معلم وتلاميذه، وعن المحبة التي زرعها في قلوبهم.


حتى في تفاصيل حياته اليومية كان حاضرًا. كان يزور بيوت التلاميذ بلا استئذان ليتأكد أنهم يدرسون. الأهالي كانوا يثقون به، يعتبرونه مسؤولًا عن مستقبل أبنائهم أكثر من أنفسهم. كان يقسو حين يرى إهمالًا، ويشجع حين يلمح اجتهادًا. كثيرون منهم يذكرون كيف غيّر مسار حياتهم بتوبيخ أو نصيحة أو تشجيع في الوقت المناسب.


لكن، كما كل الأصوات الحرة، لم يعش طويلًا. رحل مبكرًا وهو في عز شبابه، تاركًا وراءه أسرة حملت اسمه وفكره. زوجته الخالة سارة كانت مثالًا للصبر، ربّت أبناءها بعده ليصبحوا أطباء وأساتذة وأصحاب شأن، حافظةً رسالة زوجها. وعاشت الأسرة في بيت والدها، كبران توما صليبا الحبيبكي، الذي لم يتركهم دون حنان واحتضان.


قصة حنا شيعا ليست مجرد سيرة فردية، بل هي جزء من سيرة مسيحيي سوريا الذين عانوا من الإقصاء، وواجهوا القمع، لكنهم ظلوا أوفياء للعلم والثقافة والنضال. هي شهادة على زمنٍ حُرم فيه الناس من أبسط حقوقهم، وزُجّ بالشباب في السجون لمجرد انتمائهم لفكر سياسي، وجرى استخدام الطائفية والتهميش كسلاح لكسر إرادة الأقليات. وقد انتهت تلك المرحلة القاسية، لكن السؤال الأهم يبقى: من سيعيد الحقوق لأولئك الذين رحلوا قبل أن يروا حلمهم يتحقق؟ من سيعيد الاعتبار لمن ضحوا بحياتهم وكرامتهم؟


لقد صدق الأديب فؤاد حنا زاديكيه حين قال إن حنا شيعا شخصية لن تتكرر. فهو ابن جيل عانى بصمت، وناضل بشجاعة، وعلّم بمحبة، ومضى قبل أن يرى حلمه يتحقق. لكنه ترك أثرًا أبقى من كل قمع: أثر المربي الصادق الذي لم يخضع ولم يتراجع، بل ظلّ حاضرًا في ذاكرة مدينته ووطنه، محفورًا في قلوب كل من عرفوه وتعلموا على يديه.


#MXR #milad_korkis #ميلاد_كوركيس 

No comments:

Post a Comment