Sunday, September 28, 2025

العم موسى كوركيس : رجل العطاء والإيمان والحكمة

 العم موسى كوركيس ( دلالي) أبو توماس : 

رجل العطاء والإيمان والحكمة


إعداد : ميلاد كوركيس 

صاحب مشروع : شخصيات صنعت ذاكرة الوطن



في بلادٍ تتشابك فيها صفحات التاريخ مع قصص الناس اليومية، هناك رجالٌ لا تُمحى آثارهم بمرور الزمن، رجالٌ تظل بصماتهم حاضرة في القلوب والبيوت والقرى، رجالٌ يخلّفون إرثًا خالدًا من العطاء، الصبر، والإيمان بالإنسانية. هؤلاء الرجال لا يُذكرون فقط في الكتب التاريخية، بل في تفاصيل الحياة اليومية لكل من عرفهم أو عاش في كنفهم، أو تأثر بتوجيههم وحكمتهم. ومن بين هؤلاء الرجال الذين تركوا بصمة لا تُنسى على مر الأجيال، يسطع اسم العم موسى كوركيس، الرجل الذي حمل على عاتقه مسؤولية عائلته، قرية الحكمية، ومجتمعه الأكبر، وصنع من حياته رسالة صادقة للعطاء، الحكمة، والإيمان.


وُلد العم موسى كوركيس في عام 1923 بإزخ في تركيا، في زمن صعب مليء بالقهر والفقر والاضطهاد، حيث كانت الحياة اليومية تحديًا كبيرًا للبقاء على قيد الحياة. منذ صغره، تعلم الصبر والمثابرة، وأصبح يتحمل مسؤوليات كبيرة تفوق عمره بكثير. فقد كان أكبر إخوته، وما إن بدأ وعيه بالحياة حتى فقد والده، توما سلطانة، تاركًا فراغًا كبيرًا في قلب الأسرة الصغير.


كانت والدته، دلالي، امرأة قوية وصبورة، تمثل نموذجًا للصبر والعطاء، وتحملت مسؤولية تربية أبنائها في ظل غياب الأب. وكان على العم موسى أن يكون الأخ الأكبر والأب البديل لأخوته، سليمان وصبري، فتعلم منذ صغره كيف يوازن بين العاطفة والمسؤولية، وكيف يكون سندًا لهم، وكيف يكون قدوة في الصبر والعمل. لقد قاد الأسرة الصغيرة في أصعب الظروف، وظهر على نحو ملهم حتى لأمه وأخوته، فكان رمزًا للقوة والإرادة، وقيمة الالتزام تجاه الأسرة.


الحياة في تركيا لم تكن سهلة، إذ طغى الفقر والاضطهاد على كل شيء، وكان الخوف من المستقبل يلاحق العائلات في كل لحظة. لم يكن أمامهم خيار سوى الرحيل، بحثًا عن الأمان والاستقرار، عن فرصة للعيش بكرامة، وهكذا جاء قرار الهجرة إلى سوريا. كانت رحلة صعبة مليئة بالمخاطر، مليئة بالانتقالات الطويلة والليالي الباردة، لكنها كانت بداية فصل جديد في حياة العم موسى كوركيس، فصل جمع بين ألم الغربة وأمل بناء حياة جديدة، حياة يستطيع فيها أن يؤمن مستقبلاً أفضل لعائلته ولمن حوله.


في نفس العام تقريبًا، تزوج العم موسى من السيدة لية ملكي بحكو، التي كانت شريكة حياته في رحلة طويلة من الكفاح والصبر. كانت لية دعمه الحقيقي في كل خطوة، شريكة في مواجهة التحديات اليومية، مشاركة له في كل تفاصيل الحياة. معًا شكّلوا أسرة صغيرة متينة، يجمعها الحب والصبر والوفاء، وكان زواجهما نموذجًا حقيقيًا للشراكة التي تعتمد على التضحية والتفاهم والعمل المشترك.

الوصول إلى سوريا لم يكن نهاية المعاناة، بل بداية لمرحلة جديدة من الصعوبات، فقد عاشوا في ظروف قاسية جدًا، متنقلين بين أماكن ضيقة، يسكنون في خيام أو بيوت بسيطة جدًا، ولم تكن لديهم أي ضمانات لمستقبل مستقر. ولتأمين لقمة العيش، التحق العم موسى بالجيش الفرنسي في لبنان، حيث عاش حياة عسكرية شاقة جدًا، تعلم خلالها الانضباط والتحمل، والاعتماد على النفس، والصبر على الصعاب. استمر في خدمته حتى جلاء الفرنسيين عن لبنان وسوريا عام 1946، وحين خُيّر بين الرحيل مع الفرنسيين أو البقاء في لبنان، رفض المغريات واختار العودة إلى سوريا، لأن جذوره وأهله ووطنه كانت أهم من أي شيء آخر، واختار البقاء حيث يستطيع أن يؤثر بحياة الناس حوله.


مع عودته إلى سوريا، استقر العم موسى كوركيس في قرية الحكمية، وهناك بدأت مرحلة جديدة من حياته، مرحلة البناء والعطاء الحقيقي. أخذ على عاتقه إعادة إعمار البيوت، ليس فقط لعائلته، بل لكل العائلات التركية التي لجأت إلى سوريا، فتح قلبه وبيته للجميع، واستقبل الهاربين كما لو كانوا إخوته، وكان دائمًا يقول لهم: "هنا بيتكم، وأنتُم جزء منا، لن يضيع أحد منا". شيئًا فشيئًا، بدأت القرية تنبض بالحياة، ومع ازدياد عدد العائلات، صار العم موسى ركيزة أساسية في المجتمع، وأصبح محور الثقة والتلاحم بين أهل الحكمية. ولأجل ذلك، عينه أهلها والدولة مختارًا للقرية، وهو منصب حمله بكل جدية وإخلاص، مسؤولية تتجاوز الإدارة اليومية لتصل إلى حماية قيم العدل والمساواة بين الجميع.


في عهده كمختار، لم يقتصر دوره على إدارة شؤون الناس اليومية، بل تجاوز ذلك إلى رؤى أوسع وأهداف أكبر. أشرف على بناء كنيسة مارت شوشان، التي أصبحت رمزًا للقرية ومركزًا لتجمع الناس، رغم معارضة بعض الجهات الرسمية في البداية. بإصراره وصبره، حول الحلم إلى واقع ملموس، لتصبح الكنيسة مركزًا للتلاقي الاجتماعي والتماسك، رمزًا للوحدة بين أهل القرية وأساسًا للثقافة والتعليم. لقد كان يرى أن الكنيسة ليست مجرد مكان للعبادة، بل صرحًا يجمع الجميع تحت قيم المحبة والتعاون.


التعليم كان شغف العم موسى الأكبر، وكان يؤمن أن نهضة القرية لا تتحقق إلا بالعلم، وأن مستقبل الأطفال مرتبط بالفرص التعليمية المتاحة لهم. في البداية، كان يرسل أبناء القرية سيرًا على الأقدام إلى قرية مجاورة لتلقي التعليم، وهو ما كان شاقًا جدًا على الأطفال، لكنه لم يرضَ بذلك، فواصل جهوده وأقنع المسؤولين بفتح مدرسة ابتدائية في الحكمية، ففتح بذلك باب العلم أمام الأجيال الجديدة، وسعى أن يكمل أبناؤه وأبناء إخوته تعليمهم، واشترى بيتًا كبيرًا في مدينة المالكية ليكون سكنًا للطلاب، من أبنائه وأبناء إخوته، لتنشئة جيل متعلم، ورافقهم والدته دلالي لتوفر الرعاية والدعم.


أما عائلته الخاصة، فقد كان محور اهتمامه الكبير. أنجب العم موسى كوركيس عدة أبناء وبنات: فهيمة، سعاد، صبرية، المرحومة بسنة والدة الدكتور ( أيهم) الغني عن التعريف ، نجاح، وصباح، بالإضافة إلى الأبناء الذكور توماس وغاندي. كانت حياته مكرسة لضمان مستقبل أبنائه بكل تفانٍ. فهيمة، سعاد، وصبرية تزوجن في سن مبكرة ولم يكملن تعليمهن، بينما أكملت المرحومة بسنة، نجاح، وصباح تعليمهن كل واحدة وفق اختصاصها: المرحومة بسنة أصبحت معلمة للصفوف الخاصة، نجاح التحقت بدار المعلمين وأصبحت معلمة، وصباح أصبحت مدرسة موسيقى، كل واحدة متخصصة في المجال الذي أحبت. أما الأبناء الذكور، فدرس توماس الصيدلة وأصبح صيدليًا ناجحًا، بينما درس غاندي الهندسة الكهربائية وأصبح مهندسًا متميزًا.


الأحفاد من بعدهم أكملوا مسيرة العلم والتزموا بوصية جدهم، حيث اختار كل واحد منهم مجاله المفضل وأبدع فيه، سواء الطب، الأدب، الهندسة، الموسيقى، أو العلوم، ليصبحوا رموزًا للتميز والإبداع في مجالاتهم، حاملين مشعل العلم والعطاء كما أراد الجد أن يكون إرثه مستمرًا، مواصلين تعزيز قيم التعليم والعمل والوفاء التي غرسها العم موسى كوركيس في أبنائه وبناته.


لم يكن العم موسى كوركيس مجرد أب ومختار، بل كان رجل مجتمع بمعنى الكلمة، رجلًا حقيقيًا يتوسط بين الناس عند حدوث خلافات أو شعور بالظلم. كان حكمه عادلًا، وكلمته مسموعة، واستطاع بحكمته أن يحل نزاعات كبيرة بين العائلات، فصارت قرية الحكمية أشبه بعائلة كبيرة واحدة متماسكة، حيث يعرف الجميع أن للعم موسى كلمة وعمل يثقون فيه.


عرفه الناس بكرمه وأعماله الإنسانية، فلم يتردد يومًا في تقديم الدعم للفقراء والمحتاجين، وكان ناشطًا في المجلس الملي للسريان في المالكية، يشارك في الوفود ويعمل على تأسيس مدارس للطوائف المسيحية، ويطلق المشاريع الخيرية لدعم العائلات المحتاجة، وهكذا أصبح العم موسى كوركيس من وجاهات مدينة المالكية، وصوته مسموعًا ومرجعًا موثوقًا للجميع.


لم تخلو حياته الطويلة من حكمة يختصرها في كلماته: "الإنسان الذي يريد أن يكون مصدرًا في مجتمعه عليه أن يكون أفضل من والده"، إشارة إلى أن كل جيل عليه تطوير ما ورثه، أن يحب أكثر، ويعطي أكثر، ويتجاوز الخلافات، ويعمل من أجل خير الآخرين قبل نفسه.


بعد حياة حافلة بالكفاح والعطاء والإنجازات، رحل العم موسى كوركيس عن الدنيا في الرابع من كانون الثاني عام 1998 عن عمر ناهز الخامسة والسبعين. رحل جسده، لكن أثره بقي، وبقيت سيرته علامة مضيئة في تاريخ العائلة، القرية، والمدينة، ورمزًا حيًا للعطاء والإيمان والحكمة.


حديثنا عن العم موسى لا ينتهي، فقد حمل هموم عائلته منذ صباه، وتحول إلى سند لأمه وإخوته وزوجته وأولاده، ثم إلى أب وقائد لكل القرية. جعل من الحكمية بيتًا كبيرًا، ومن المالكية حاضنة للعلم والخير، ومن حياته رسالة صادقة للعطاء، دون البحث عن منصب أو مجد دنيوي، لكنه كسب احترام الجميع وأصبح رمزًا للوفاء والكرم والمسؤولية، نموذجًا للرجل الذي يتجاوز حدود نفسه ليكون سندًا للآخرين، للفقير، للمظلوم، ولطالب العلم.


أما أنا، كفرد من هذه العائلة، فقد كنت أسمع عنه الكثير، رغم أنني لم أحظَ بلقائه، ومع ذلك أشعر بفخر واعتزاز كلما ذكر اسمه. ومع كل اكتشاف جديد لحجم ما قدمه، يزداد شعوري بالفخر والانتماء لهذه العائلة التي أنجبت رجلاً مثله، ولكوني وريثًا لإرث العم موسى كوركيس، الذي يزيدني قوة وعزيمة على السير على خطاه، ولو من بعيد. أشعر أنني مرتبط به ليس فقط من خلال الدم، بل من خلال القيم والمبادئ التي زرعها، وأطمح أن أكون على قدر هذه المسؤولية في حياتي اليومية، لننقل إرثه إلى الأجيال القادمة كما ورثناه نحن.


#تاريخ #شخصيات_تاريخية #سيرة_ذاتية #ثقافة #تعليم #معرفة #تراث #إلهام #معلومة #كتب #تاريخ_العالم #أدب #اقتباسات #مفكرين #حضارة

#ديريك #المالكية #الحسكة #MXR #milad_korkis #ميلاد_كوركيس

No comments:

Post a Comment