مترجم - Übersetzer

Monday, September 1, 2025

عودة الأجراس بعد صمت السنين … القديسة آنا تنهض من رماد إدلب

 عودة الأجراس بعد صمت السنين … القديسة آنا تنهض من رماد إدلب


بقلم : ميلاد كوركيس


في أقصى الغرب من ريف إدلب، حيث يلتفّ نهر العاصي على التلال ويعانق غابات السنديان، قامت قرية اليعقوبية لتشهد حدثًا استثنائيًا أعاد للذاكرة المسيحية السورية نبضها وللأرض بركتها. بعد أربعة عشر عامًا من الانقطاع، عادت كنيسة القديسة آنا لتفتح أبوابها في يوم عيدها السنوي، لتصبح مركزًا للرجاء بعد أن كانت حبيسة الصمت والأنقاض.



كان المشهد مهيبًا جموع من الحجاج قدموا من مدن وبلدات سورية متفرقة، بعضهم من حلب، آخرون من اللاذقية ودمشق وحمص، وآخرون من بلدات صغيرة لم يسمع بها كثيرون خارج الجغرافيا السورية، لكنهم حملوا جميعًا الشغف ذاته: شغف أن يكونوا شهودًا على لحظة ميلاد جديدة لكنيسة قاومت النسيان. لقد بدا الطريق إلى اليعقوبية وكأنه رحلة حج في حد ذاته، حيث كان كل زائر يضع في خطواته معنى يتجاوز الجغرافيا، معنى مرتبط بالهوية والانتماء والصمود.


حين دقّت الأجراس لأول مرة بعد طول غياب، لم يكن الصوت مجرد رنين نحاسي يتردد بين الجبال، بل كان ارتجاجًا في قلب التاريخ. كل دقّة بدت كأنها تمسح غبار السنين عن الأرواح، وكأنها تقول إن الحياة قادرة على العودة حتى بعد أشد العواصف. في لحظة واحدة، تحوّلت القرية إلى مسرح مفتوح للذاكرة والرجاء، وارتفعت الأصوات مرددة التراتيل باللغات الأرمنية والعربية والسريانية، في مزيج روحاني عميق يلخّص هوية سوريا المتنوعة.



داخل الكنيسة، برزت الأيقونات العتيقة بعد أن أعيد ترميمها بعناية. على الجدران، ظهرت وجوه القديسين وقد اكتست من جديد بهالة النور بعد أن حجبتها طبقات الغبار والرطوبة لسنوات. المذبح غُطي بالزهور البيضاء والشموع التي أضاءت المكان، فكان وكأن النور يتدفق من الداخل ليطرد ظلام الأعوام الماضية. المطران ماكار أشكاريان، مطران الأرمن الأرثوذكس لأبرشية حلب وتوابعها، وقف متأثرًا وهو يتلو صلواته أمام الجمع، كأنه يقرأ من كتاب عمره قرون، يكتب في كل سطر منه معنى المقاومة والإصرار.


لم يكن الافتتاح حدثًا طقسيًا فحسب، بل كان حدثًا وطنيًا وإنسانيًا بكل المقاييس. ففي مجتمع أنهكته الحرب والانقسام، بدت هذه الكنيسة كأنها نقطة التقاء للذاكرة الجماعية. هي ليست حجارة بُنيت في زمن قديم، بل شاهد حيّ على قدرة الناس على التمسك بجذورهم، على رفضهم للاستسلام للنسيان. كل زاوية من الكنيسة تروي قصة: هنا دمعة أرملة صلّت لأجل أبنائها، هناك شمعة أضاءها فتى صغير قبل أن يغادر مع عائلته إلى المهجر، وفي الممرات بقايا صلوات همست بها نساء حملن وجعهن في صمت.


إنّ إعادة افتتاح كنيسة القديسة آنا تحمل أكثر من بعد. دينيًا، هي إعادة وصل بين المؤمنين وربهم، عودة للصلاة بعد سنوات من الانقطاع. اجتماعيًا، هي إحياء لذاكرة جماعة هُجّرت، وتأكيد على أن الهجرة لا تمحو الهوية. ثقافيًا، هي ترميم لجزء من المشهد السوري الغني، حيث تتجاور الأديان والحضارات منذ آلاف السنين. وسياسيًا، هي فعل مقاومة في وجه محاولات المحو والتفريغ، إعلان أن هذه الأرض مهما تبدلت السلطات أو تعاقبت المآسي، ستبقى وفية لجذورها وناسها.



منذ زلزال 2023 الذي ضرب شمال سوريا، ازدادت الحاجة لإعادة ترميم هذا المكان المقدس. فالهزة التي كسرت الجدران وخلخلت الأبنية لم تستطع أن تخلخل الإيمان. بالعكس، بدت وكأنها نداء من الطبيعة نفسها: أن هذه الكنيسة يجب أن تعود للحياة، أن تظل شاهدًا حيًا على بقاء البشر رغم الزلازل والحروب. واليوم، مع اكتمال أعمال الترميم، بدا وكأن القديسة آنا تقول من جديد لأبنائها: أنا هنا، لم أغب، وسأبقى لكم سندًا في أرض طالما كانت معبرًا للشعوب والحضارات.


لقد أصبح هذا الحدث نقطة ضوء في بحر من الظلمات التي عاشتها المنطقة. من إدلب التي اشتهرت في الإعلام بالدمار، خرج مشهد آخر: مشهد صلاة وأمل وعودة. إنّ كنيسة القديسة آنا اليوم ليست مجرد مبنى أعيد افتتاحه، بل هي مرآة لإصرار الإنسان على أن ينهض دائمًا، أن يواصل مسيرته حتى لو خذلته الأيام. الأجراس التي تقرع اليوم تحمل في صداها رسالة لكل السوريين: أن الوطن لا يُبنى بالخراب بل بالذاكرة، أن الهوية لا تُمحى بالصراع بل تُصان بالصمود.


إنّ الحجاج الذين توافدوا، كبارًا وصغارًا، لم يذهبوا فقط ليشهدوا القداس، بل ليشاركوا في كتابة فصل جديد من تاريخ منطقتهم. لقد عادوا إلى بيوتهم وهم يحملون صورًا في ذاكرتهم ستظل شاهدة على أن الروح لا تُهزم. إنّهم جاؤوا ليقولوا: نحن هنا، وسنظل هنا، كما بقيت هذه الكنيسة رغم الأعاصير.



ختامًا، يمكن القول إن إعادة افتتاح كنيسة القديسة آنا في اليعقوبية ليست مجرد مناسبة دينية عابرة، بل هي حدث مفصلي في ذاكرة المنطقة، حدث يُعيد الأمل، يُعيد للناس إيمانهم بأن المستقبل ممكن، وبأن التاريخ مهما حاول البعض أن يطمسه، سيعود ليُكتب من جديد على حجارة الكنائس وصوت الأجراس. ومن إدلب، انطلقت رسالة إلى العالم: أنّ سوريا، رغم كل ما مرت به، قادرة على النهوض من تحت الركام، وأنّ هويتها المتعددة الألوان ستظل تنبض في كل قرية وكنيسة وجامع وساحة.



#إدلب #اليعقوبية #القديسة_آنا #الأرمن #المسيحيون_في_سوريا #كنائس_سوريا #إعادة_الإعمار #الأمل #الصمود #التراث_المسيحي #ميلاد_كوركيس

#MXR #milad_korkis

No comments:

Post a Comment

كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين

 كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين إعداد : ميلاد كوركيس مشرف مشروع : Memora 360 - Arabic في دمشق، المدينة التي تتنفس التاريخ وتت...