Saturday, August 9, 2025

المريمية وجامع بني أمية … جيرة الإيمان ووحدة الوطن

 

المريمية وجامع بني أمية … جيرة الإيمان ووحدة الوطن

رسالة من مسيحي سوري



أيها الإخوة والأخوات،

من قلب دمشق القديمة، حيث تتشابك أزقة الحجر العتيق كخيوط نسيج يدوي صنعه التاريخ، وحيث تنبض الجدران بأصوات المارة منذ مئات السنين، تقف المريمية شامخة، جارةً وفيةً لجامع بني أمية الكبير. ليس هذا القرب الجغرافي مجرد مصادفة معمارية، بل هو شهادة حية على أن الإيمانين – المسيحي والإسلامي – عاشا جنبًا إلى جنب، يتقاسمان الهواء والنور وظلال الغروب. في هذا الزقاق الضيق الذي يفصل بينهما، يلتقي العابرون بين صوت الأجراس ونداء المؤذن، فيسمعون في تمازج الصوتين لحناً أبديًا يحكي قصة وطن.


هنا، حيث تدق أجراس المريمية فتتردد أصداؤها بين جدران السوق القديم، ثم يأتي صوت الأذان من جامع بني أمية فيعانقها في الفضاء، لا تجد بينهما صراعًا على من يعلو صوته أولاً، ولا تنافسًا على قلوب العابرين، بل تجد تناغمًا صادقًا يذكرك أن هذه الأرض كانت ولا تزال حاضنةً لكل أبناءها.


أنا مسيحي سوري، أحمل في قلبي حنين طفولتي التي كنت أعيشها في أزقة دمشق القديمة، أرى فيها النساء المحجبات يدخلن السوق جنبًا إلى جنب مع النساء اللواتي يرسمن إشارة الصليب على صدورهن، أرى الشيوخ المسنين يجلسون أمام المحلات يحيّون الجميع بلا تمييز، وأرى الأطفال يلعبون ببراءة لا تعرف الفوارق. لم أسأل يومًا: لمن هذا الصوت الذي يدعو للصلاة؟ ولا من صاحب هذا الجرس الذي يرن؟ كنت أرى أن كل نداء منهما يرتفع نحو السماء حاملاً رجاءً واحدًا، وأن الله، الواحد الأحد، يسمع الجميع ويحتضن الجميع.


أيها الأحبة،

المريمية ليست مجرد كنيسة، بل هي ضمير المسيحيين في دمشق، وهي صدى الروح التي لا تنكسر رغم تعاقب العصور. وجامع بني أمية ليس مجرد مسجد، بل هو قلب دمشق الإسلامي النابض، ومحرابها الذي شُيّد فوق إرث حضاري عمره آلاف السنين. كلاهما كان وما زال شاهدًا على أن التعددية ليست ضعفًا، وأن الجيرة في الإيمان يمكن أن تصنع مجدًا حضاريًا لا يمحوه الزمن. هنا، لم تطفئ شمعة المذبح ضوء قنديل الزيت، ولم يمنع الأذان من أن تظل الأجراس تعلن الفرح والحزن في آن واحد.


اليوم، ونحن أبناء سوريا – مسيحيين ومسلمين – نقف على مفترق طرق تاريخي، حيث تحاول الفتن أن تزرع بيننا الشكوك، وتحاول قوى الظلام أن تسرق منا تاريخنا المشترك. لكنني أقولها من أعماق قلبي: لن يفلحوا، لأننا أحفاد من صلوا في الكنيسة ومن سجدوا في الجامع، وأحفاد من حملوا هذه الأرض في قلوبهم وحافظوا عليها بدمائهم ودموعهم. نحن الذين شاركنا في أفراح بعضنا وأحزان بعضنا، وبنينا بيوتنا جنبًا إلى جنب، ودفنا شهداءنا في تربة واحدة.


إن جيرة المريمية وبني أمية ليست حجارة متجاورة، بل هي رمز لوطن يعلو فوق الطوائف والمذاهب، وطن يعرف أن قوته الحقيقية في وحدته، وأن كرامته في أن يبقى أبناؤه يدًا بيد أمام العاصفة.


فيا إخوتي المسلمين، ويا إخوتي المسيحيين، لنمدّ أيدينا لبعضنا البعض كما امتدت جدران المريمية نحو جدران بني أمية، ولنحفظ العهد الذي ورثناه من آبائنا وأجدادنا: عهد الأخوة، وعهد الشراكة، وعهد الدفاع عن سوريا كأرض مقدسة تجمعنا جميعًا.


اللهم احفظ سوريا، شعبًا وأرضًا وسماء، واجعلنا – مسيحيين ومسلمين – أمناء على وصية التاريخ، وأوفياء لجيرة الإيمان التي تجسدت في قلب دمشق بين المريمية وجامع بني أمية.


#MXR 


No comments:

Post a Comment