Saturday, August 9, 2025

✦ الياس عنتر – ما بين الطوفان والحاسوب … حكايةُ إنسانٍ أبى النسيان

 ✦ الياس عنتر – ما بين الطوفان والحاسوب … حكايةُ إنسانٍ أبى النسيان


بقلم : ميلاد كوركيس

صاحب مشروع "شخصيات صنعت ذاكرة الوطن"


لم يُولد إلياس عنتر وفي فمه ملعقة من ذهب


بل وُلد على هامش الريح في قرية صغيرة تُدعى قبور البيض، حيث الطين أصدق من الكتب، وحيث الجدران تشبه الصدور: ضيقة، دافئة، ومثقلة بالأسرار


في الرابع من شباط عام 1954، أبصر النور في بيتٍ لا يملك من اسمه سوى مرارة الشبه


غرفة واحدة ضمّت اثني عشر جسدًا، جميعهم يركضون وراء كسرة خبز وأملٍ مستعار


كانت الحياة في القحطانية تمشي بقدمين متعبتين، والأمّية جدارًا يصعب كسره


لكن الطفل الذي وُلد وسط الضيق كان يحمل في عينيه ملامح سؤال لا يُشبه الباقين


لماذا لا؟ لماذا لا أرسم؟ لماذا لا أكتب؟ لماذا لا أحلّق؟


لم يكن يملك رفاهية الطفولة، لكنه كان يملك رغبة الطير في القفز من فوق السور


لم يكن لديه مكتبة، لكنه حوّل ركام الحارة إلى دفاتر ومصانع ألعاب من الأسلاك، سيارات صغيرة، وطائرات شقية، وأحلامٌ على هيئة ابتكار


🔸 الطفولة: الطوفان الأول


تخيل أن تنام وأنت محاط بأحد عشر جسدًا، بعضها يتنفس التعب، وبعضها يحلم بالصمت، وكلها تنام فوق بعضها كأعواد ثقاب تنتظر شرارة الهروب من الفقر


لكن الشرارة لم تكن فقرًا فقط، بل طوفانًا بالمعنى الحرفي


في عام 1962، كانت الطفولة على موعد مع الكارثة


طوفان قبور البيض، ذاك الذي اجتاح القرية كأن الله أراد أن يمتحن الأطفال بالماء قبل أن يمتحنهم بالحياة


الضحايا كثيرون، وأصدقاء إلياس كانوا بين الذين جرفتهم السيول


كان في الثامنة من عمره، لكنه رأى الموت يُحاور الطين ويغتال البراءة دون استئذان


ومنذ ذلك الحين، أدرك أن النجاة لا تُشترى، وأن الإنسان الحقيقي هو من يصنع لنفسه طوفانًا آخر


طوفان الفكر، طوفان التجربة، طوفان الإصرار على أن يكون مختلفًا


في ذلك العمر، لم يكن يحمل كتبًا، بل يحمل أسلاكًا، يربطها، يلوّنها، ينفخ فيها من أنفاس خياله، فيحوّلها إلى سيارات وطائرات، يبيعها لأطفال الحيّ ليتعلّم تجارة الأمل وهو في عمر الطفولة


وفي المدرسة، لم يكن طفلًا خجولًا، بل مرِحًا، شقيًا، خفيف الظلّ، محبوبًا، لا تفوته طرفة، ولا يسكت عن فكرة


رسم الجهاز الهضمي بدقة مذهلة وهو في الصف الرابع، ما جعل المعلمين يقفون أمام ورقته بدهشة


كيف لطفلٍ أن يرسم أعضاء الإنسان وكأنّه عاش داخلها؟


وفي العام الذي تلاه، مثل دورين مسرحيين في كرنفال قبور البيض


مرة كان الشقي، ومرة القاضي


في الأولى، لعب دور روحه، وفي الثانية، لعب دور ما يريد أن يكون عليه


وفي الصف السادس، صنع مسدسًا حقيقيًا مع صديقه حنا صليبا


نعم، حقيقي، يطلق النار


جمعا مطارق قديمة، وأقفالًا صدئة، وقطعا من المعدن، وسهرا الليالي لابتكار أداة تُصدر صوتًا


وأطلقت بالفعل ست طلقات، صوتها ظلّ يتردّد في أزقة الطفولة، تمامًا كما ظلّت ضحكته تتردّد كلما تذكر الأمر بعد أعوام


🔸 الكتابة مبكرًا… والموهبة تُقاوم الفقر


أول قصة قصيرة كتبها كانت في الصف السابع


حروف مرتجفة لكنها صادقة، خرجت من قلبٍ لم يتعلّم كيف يكذب على الورق


نُشرت في مجلة الحائط، وكان ذلك كافيًا ليشعر أن شيئًا في داخله قد استيقظ


لكن البيت كان هشًا، والمال أقل من القليل، والوالد وحيدًا في إعالة العائلة


فكان القرار الصعب أن يلتحق بدار المعلمين في حمص عام 1970، لا حبًا بالمهنة، بل احترامًا للضرورة


في حمص، تفجّرت الموهبة أكثر


كتب، رسم، شارك، تعلم، وبنى لنفسه حضورًا جعل الجميع يلاحظ أن هذا الشاب ليس عاديًا


في عام 1972، نُشرت أول قصة له في مجلة مرموقة وعلى صفحتين، مصحوبة برسوم الفنان علي فرزات


كان ذلك بمثابة إعلان غير رسمي عن بداية كاتب جديد


وفي نفس العام، بدأت قصصه تُذاع عبر برنامج "أقلام واعدة" من إذاعة دمشق


وكان ينتظر تمام الساعة 11:30 ليستمع لنفسه وهو يُقرأ على الهواء، طفلًا يقف على أعتاب الكبار


ولم يكن ذلك فقط، بل حصل على أعلى علامة في مادة اللغة العربية في تاريخ دار المعلمين حتى ذلك الحين: 29 من 30، باعتراف أستاذ المادة محمود الفاخوري


وفي 1973، كتب مسرحيته الأولى "الفجر"، وأخرجها له رمزي جعلوك لصالح مسرح العمال، ثم أخرج لاحقًا مسرحية "جلاها حمد"، وكانت كلها إشارات إلى أن هذا الشاب بدأ ينسج اسمه في ذاكرة المدن


🔸 المسرح… الفنّ في وجه الخدمة الإلزامية


في 1976، كان يؤدي خدمته العسكرية


لكن بدلًا من الركون للعسكرية، رسم صورة حافظ الأسد بارتفاع سبعة أمتار على جدار مطحنة الزهراء في حمص، ثم رسمها في طرطوس، اللاذقية، دمشق


لم تكن رسومات تمجيد فقط، بل إثبات على قدرة اليد على السيطرة على الحائط، أن تُحاور الجدران بريشتك لا بسلاحك


وتعلّم في وقته الحرّ آلة البزق


تعامل مع الأوتار كأنها حروف، ومع الموسيقى كأنها قصة أخرى يجب أن تُحكى


وفي عام 1980، افتتح ستوديو عنتر، دون أن يتعلّم الصنعة من أحد، فقط بعزيمته وتجربته وشغفه بالصورة والصوت


🔸 القامشلي… والعقل الإلكتروني


في 1982، انتقل إلى مدينة القامشلي، وهناك تفتّح العقل الإلكتروني في ذهنه


دُرّس في ثانوياتها، وبدأ يُدرّس التربية العسكرية، لكنه لم يكتفِ بالمقررات


بدأ مع أصدقائه شمعون توماس وكبرئيل نادر في فك وصيانة الأجهزة وابتكار طرق لبرمجتها


وسرعان ما أصبح يلقي محاضرات حول الحاسوب والبرمجة، وافتتح دورات في عدة مدن بمحافظة الحسكة


كل ذلك في وقتٍ لم تكن الكومبيوترات قد دخلت حتى بعض الجامعات


في عام 1989، فاز هو وشمعون بجائزة أفضل مكبر صوت للمدارس على مستوى سوريا، وتم تكريمهما من وزير التربية


بعدها بعام، بدأ يقدم برنامجًا نصف شهري في تلفزيون دمشق اسمه: الشبيبة والحاسوب


✉️ رسالة شخصية من الكاتب ميلاد كوركيس إلى الأستاذ إلياس عنتر


أستاذ إلياس


حين بدأت بكتابة هذه السيرة، لم أكن أدوّن فقط تاريخ رجل، بل كنتُ أُمسك بخيوط الضوء من قلب العتمة، وأرسم بها ملامح شخصية لا تشبه سواها


ما بين كل سطر وسطر من سيرتك، شعرت أنني أكتب عن وجعٍ يشبهنا، عن بلادٍ تختزن عبق الأرض في صدر صبيٍّ فقير، عن وطنٍ لم ينصف أبناءه، لكنهم لم يتنازلوا عنه


سيرتك ليست فقط مسيرة إنسانٍ صمد… بل خارطة طريق لكل شابٍ يبحث عن المعنى وسط الركام


أنتَ لم تكن ضحية زمن، بل كنتَ شاهدًا عليه، وراويًا له، وصانعًا لفصول لا تُنسى


فيك اجتمع الكاتب، والفنان، والمخترع، والرسّام، والأب، والمنفي، والمقيم في ذاكرة من مرّوا بك، وبقيت فيهم


يشرفني، بل يشرّف قلمي، أن يُسجّل نبضك على الورق


ويكفيني شرفًا، أن أكون شاهدًا على سيرة كفاح، وأداة لتوثيق ذاكرة وطنية نادرة


دمتَ بهامة الكبار، وبقلب المبدعين، وبظلّ الرجال الذين لم تنحني جباههم إلا لتقبيل الأرض


#MXR #milad_korkis #ميلاد_كوركيس

No comments:

Post a Comment