فيروزة الأجيال – تناغم الأعمار
الجزء الرابع : فيروزُ … حين يصيرُ الصوتُ صلاة
كتابة : ميلاد كوركيس
من يستطيعُ أن يُغنّي "قديش كان في ناس"
ولا يتبعكِ إلى نهايةِ الدرب؟
من يستطيعُ أن يسمعكِ في "لبيروت"،
ولا يشتهي أن يُغسَل بالدمعِ،
ويُمسحَ بالصوتِ،
ويُولدَ من جديد؟
من يراكِ واقفةً وحدكِ على خشبةِ النور،
ولا يُقسم أن الحياةَ ما زالت بخير… طالما فيروز تغني؟
كنتِ للموجِ نداء،
وللحجرِ حياة،
وللمطرِ تميمة،
وللأرضِ مناجاة،
وللمآذنِ والأجراسِ حنجرةً واحدة،
وحين يعلو صوتكِ…
يعود اللهُ أقرب.
كأنكِ ما كنتِ فقط للغناء،
بل كنتِ طقسًا من طقوسِنا المقدسة،
ركنًا من معابدِ القلب،
وصوتًا يُقرأ في كلِّ مذهب،
كلما ابتعدنا عن أرواحِنا…
أعدتِنا إليها دون وعظ.
في كلّ مدينةٍ كنتِ شيئًا خاصًا،
وفي كلّ قريةٍ كنتِ أمًّا ثانية،
وفي كلّ شرفةٍ أغنيتِ الشتاء،
فارتجفتِ الستائرُ على نغمةِ الحنين،
وتسلّلتِ كأنكِ الهواء،
كأنكِ صلاةٌ لا تُسمع ولكن تُحسّ،
دعاءٌ لا يُكتب،
لكنّ الدمعَ يفيضُ له بلا تفسير.
كلُّ منزلٍ فيه مسجلة،
وفيها شريط لكِ،
وفي قلبِ تلك الشوارع… كنتِ تمشين معنا،
نراكِ في كلّ عتيق،
في بابٍ مهترئ،
في جرة ماءٍ،
في نظرةِ جدّةٍ تحدّق من وراءِ الستارة وتهمس: "صوتها اليوم دافي متل زمان".
نمشي وراءكِ دون أن نراكِ،
نحفظُ الطرقات كما نحفظُ صوتكِ،
ونرتبُ الأيام على إيقاعِكِ فقط،
فإذا تعثّرتِ القصيدةُ فينا…
استعادت لحنها حين يسمعكِ القلب.
ليس كلّ من غنّى، عاش،
لكنّكِ عشتِ،
وكنتِ حياةً كاملةً تُذاع عبر الأثير،
حياةٌ بلا ضجيج،
بلا استعراض،
بلا تصفيقٍ زائد،
لكنّها بقيت،
بقيت كالأيقونة،
كآثارِ خطوةٍ على الرمل… لا يراها الجميع،
لكن من عرف الدرب… لا ينساها.
وما زلتِ.
وما زال في كلّ شتاء…
مَن يشعلُ مسجّلةً قديمة
ويهمسُ: “هالصوت فيروز… صلاتي لهالنهار”.
#MXR
يتبع الجزء الخامس
No comments:
Post a Comment