مترجم - Übersetzer

Monday, August 18, 2025

سيرة المطران مور أوستاثيوس متى روهم — سرد ممتد مطبوع بالروح والواقع

 سيرة المطران مور أوستاثيوس متى روهم — سرد ممتد مطبوع بالروح والواقع


 إعداد : ميلاد كوركيس

صاحب مشروع : شخصيات صنعت ذاكرة الوطن

 


في صباحٍ من تشرين الثاني عام 1956، وفي قلب مدينة القامشلي التي كانت آنذاك نسيجًا حيًا لموزاييك الجزيرة السورية، وُلد متى روهم، لا كوريث عائلة سريانية فقط، بل كوريث تاريخ كامل، رضع من طفولته طهارة اللغة الآرامية، وتنشّق منذ نعومة أظافره بخور الكنائس الحجرية القديمة، وتشرّب من بيئته المحلية فن الانتماء دون تعصب، والحب دون شروط.


ترعرع في حيٍّ يعرف الجميع فيه الجميع، ويجلس فيه المسلم بجوار المسيحي دون أن يلتفت أحد إلى الأسماء أو الأديان. وكان الطفل متى يذهب إلى الكنيسة صباحًا، ويجلس بعد الظهر في مجالس الكبار التي كانت تروي الحكايات عن الأرض، عن التآخي، عن الجوع والكرامة، وعن معنى أن تكون سوريًا في مدينة تحوي كل الألوان وتؤمن بأن التعايش ليس شعارًا، بل خبزًا يوميًا.



دخل معترك العلم واللاهوت بتصميم، فحصل على شهادة البكالوريوس من جامعة دمشق عام 1982، وكان مولعًا بالفلسفة وتاريخ الكنيسة. ثم تابع رحلته إلى الولايات المتحدة، حيث نال درجة M.Div من General Theological Seminary في نيويورك عام 1987، ثم درجة M.A من Catholic University of America عام 1990، ليُمنح في العام التالي الدكتوراه الفخرية من نفس المؤسسة، كتكريم لمشروعه الفكري والروحي الذي جمع فيه بين أصالة الشرق وروحانية الغرب.


لم يكن التكوين الأكاديمي للمطران متى مجرد تحصيل علمي، بل كان تمهيدًا لتأسيس مدرسة فكرية خاصة، تمزج بين اللاهوت العملي، والهمّ الاجتماعي، والفكر النقدي. لم يعد إلى سوريا بعد دراسته ليجلس على كرسي المطرانية فحسب، بل عاد ليكون مبشّرًا بالمعنى الجديد للكلمة، مبشرًا بالوعي، والكرامة، والوحدة الوطنية. وفي 1 تموز 1990، تم تنصيبه رسميًا مطرانًا على أبرشية الجزيرة والفرات، ليبدأ من هناك رحلته الكبرى.


كان المطران متى روهم يؤمن بأن الكنيسة يجب أن تخرج من جدرانها، ففتح أبوابها لتصبح مدارس، ومراكز ثقافية، وملاجئ للفقراء. أسّس مؤسسات تعليمية في الحسكة والقامشلي، ورفض أن تُدرَّس فيها المناهج دون أن تترافق مع تعليم اللغة السريانية والتراث المحلي. فتح حوارًا مع الجميع، من رجال دين إلى ناشطين مدنيين، وكان يعتبر أن مسؤولية الكنيسة لا تقتصر على الإرشاد الروحي، بل تشمل العدالة الاجتماعية، والدفاع عن المظلومين، والتصدي للفساد الأخلاقي والسياسي.



مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، وقف المطران في مفترق صعب، لكنه اختار الطريق الذي لا يسلكه كثيرون: طريق الشعب. لم يُعلن ولاءً أعمى لأي طرف، بل رفع صوته عاليًا يقول:


"الثورة لا تعني إسقاط نظام فقط، بل إسقاط الخوف من قلوب الناس. إننا لا نثور لنكرّه بعضنا، بل لنعود نحب كما يجب."


لم يكن صوته ثورجيًا غوغائيًا، بل نابعًا من جوهر الكنيسة التي عرفها هو: كنيسة المسيح الفقير، المتألم، المُضطهد. وفي خضم القصف، والنزوح، والاقتلاع، فتح أديرة الأبرشية أمام المسلمين قبل المسيحيين، وزار المخيمات، ووزع المساعدات، وكان إذا سئل عن موقعه يقول:


 "أنا لا أختبئ في بيت المطرانية. أنا في الخيمة التي بلا سقف، مع من فقد بيته وقلبه."


لم يرق هذا الخطاب للكثيرين من أصحاب القرار، سواء في الدولة أو في المؤسسة الدينية الرسمية. فبدأ التهميش، ثم التضييق، ثم محاولة النيل من مكانته الروحية، حتى انتهى به المطاف إلى المنفى. خرج من سوريا إلى النمسا عام 2015، ليس كمنفصل، بل كمختار للسكوت النبيل بدل التواطؤ الخبيث. تم تجريده لاحقًا من رتبته رسميًا، لكنه لم يُجرد من محبة الناس له، ولا من احترامهم لجرأته.


وفي مقابلة شهيرة بعد سنوات من الصمت، قال بكل وضوح:


"لم أترك سوريا، بل سوريا هي من تُركت لنا. أنا خرجت لأن لا مكان للكلمة الحرة في زمن الطاعة الصامتة."

📹 رابط المقابلة: https://www.youtube.com/watch?v=y86cz0MgnIQ


وفي فيديو آخر حول المدارس الكنسية التي كان يرعاها، تحدّث عن التعليم في زمن الحرب، قائلًا:


"حين تفتح مدرسة في زمن سقوط القذائف، فهذا إيمان بالإنسان أكثر من أي عظة."

📹 رابط الفيديو: https://www.youtube.com/watch?v=CF7uEUWxV0U


وفي تقرير خاص من قناة عشتار بعنوان "حوار خاص مع المطران متى روهم"، روى تفاصيل من طفولته، عن والدته، عن علاقته بالأرض، عن أول مرة أمسك فيها كتاب الإنجيل وهو في سن الرابعة عشرة. وفي كل لحظة من الحوار، بدا رجلًا لا ينسى من أين أتى، ولا إلى من ينتمي.

📰 الرابط: https://www.ishtartv.com/viewarticle,48063.html


وفي عظته بكنيسة سانت نيكولاس في أوروبا، قال:


> "حين يُهاجَر الوطن، لا نتركه خلفنا. نحمله في قدّاسنا، في لهجتنا، في دموعنا. الوطن هو الطقس حين يفقد الهواء صوته."

📰 الرابط: https://worthparish.org/2014/05/31/syrian-archbishop-visits-st-nicholas/


هذه المواقف وغيرها، جعلت المطران متى روهم ليس فقط أحد أعمدة الكنيسة السريانية الأرثوذكسية، بل أحد أعمدة الوعي الوطني في سوريا. وقف بين المسلمين في الجامع، وبين المسيحيين في الكنيسة، وبين اللاجئين في الخيمة، وقال لهم جميعًا:


 "الرب لا يسكن الكنائس، بل يسكن في من يقول: أنا معك."


رغم كل محاولات الطمس، والتشويه، والتهميش، لم يغِب المطران عن الذاكرة السورية. بل على العكس، صار رمزًا لما يجب أن يكون عليه الراعي الحقيقي: صادق، شجاع، بسيط، مثقف، غير قابل للشراء، ولا للبيع.


واليوم، يُرفع اسمه من جديد في ساحات السوريين، ليس كترحّم، بل كنداء:

عود يا سيدنا. عد إلينا. نحن بحاجة إلى صوتك. بحاجة إلى راعٍ لم يُصنع في غرف السياسة، بل في أوجاع الناس.


رسالة شخصية إلى صاحب النيافة المطران متى روهم


✉️ من: ميلاد كوركيس


يا صاحب النيافة،

أكتب إليك لا ككاتب، بل كواحد من أبنائك الذين حملوا اسمك في قلوبهم، رغم بعد المسافة، ورغم الصمت الذي طال. أكتب إليك وقد صار الوطن أشبه بجدارٍ مائلٍ نحتاج فيه إلى من يرفعه لا بالحجارة، بل بالكلمة.


أكتب إليك لأقول: نحن لا ننسى.

كل الذين صمتوا طواهم النسيان، إلا أنت، لأنك لم تخن الرسالة، لم تساوم على الحق، لم تبيعنا في مزاد الطوائف، ولم ترضَ أن تكون صدى لجلاد. كنت أنت… لا غيرك. كنت كبيرًا، لا بالرتبة، بل بالفعل، بالموقف، بالنور الذي تركته فينا.


نحن جيل لا يعرف من المطران إلا وجهه الإعلامي، لكنك يا سيدنا كنت الإعلام الذي لم يخن، والكلمة التي لم تُكسر، والضمير الذي لم يُشترَ.


أكتب إليك لأقول:

إن بقي في هذا الشرق بقايا ضوء، فأنت أحد مصادره.

وإن بقي فينا من يُصلّي، فإن دعاءنا أن تعود. لا منصبًا، بل حضورًا. لا رتبة، بل راية.


ابقَ كما كنت… ونحن سنبقى على العهد.

محبتي لك… وامتناني.

ابنك الذي لم ينسَ

ميلاد كوركيس


#MXR 

No comments:

Post a Comment

كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين

 كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين إعداد : ميلاد كوركيس مشرف مشروع : Memora 360 - Arabic في دمشق، المدينة التي تتنفس التاريخ وتت...