مترجم - Übersetzer

Monday, August 11, 2025

جاك إيليا… حين يتنفسُ اللونُ سريانًا وتصبحُ الخشبةُ وطنًا

 جاك إيليا… حين يتنفسُ اللونُ سريانًا وتصبحُ الخشبةُ وطنًا


 إعداد : ميلاد كوركيس

صاحب مشروع : شخصيات صنعت ذاكرة الوطن



جاك إيليا … ليس مجرد اسم يتردد في أوساط الفن، بل هو فصل كامل في كتاب الذاكرة الشرقية. فنان لا يحمل الريشة فقط، بل يحمل الهمّ، والموقف، والانتماء. لم تُولد تجربته في المعارض، بل وُلدت من رحم الأرض، من صوت الخشبة حين تصرخ بصمت، من الجدران المتآكلة في شوارع المالكية التي تحاكي الزمن كما تحاكي الفن. من هناك بدأت الحكاية… من ديريك، المدينة الصغيرة بمساحتها، الكبيرة بروحها، المليئة بخليطٍ من السريان والكلدان والأكراد والأرمن والعرب، حيث ينبت الفن كما تنبت الحنطة من حنين الأرض، وحيث اللون له لهجة، والخشبة لها نبض، والذاكرة لها طين لا يجف.


ولد جاك يوسف إيليا في المالكية، شمال شرق سوريا، في بيئة لم تكن مهيّأة للفن كما المدن الكبيرة، لكنها كانت عامرة بالإلهام، بالتناقض، بالحياة. في سنواته الأولى، تفتحت موهبته مثل برعم بريّ بين الحجارة. كان طفلًا يرى اللوحة في واجهة المحل، ويرى المسرح في ظلّ الجدار، ويرى المعنى في كومة تراب. عندما رسم في مدرسته لوحة لأعرابي وعلى يده طائر حرّ، لم تكن مجرّد رسم تقليدي، بل إعلان صغير من طفلٍ قال دون أن يتكلم: أنا قادم من ضوءٍ داخلي.



ومع مرور الأيام، كان ذلك الضوء يكبر. ارتاد سينما "الدجلة" القديمة، لا لمشاهدة الأفلام فقط، بل لمراقبة يد الفنان سعد الله إبراهيم وهو يرسم. كانت يده ترسم، وعين جاك تحفظ، وروحه تتفاعل. لم يكن يحاكيه، بل يندمج معه، ليخلق لاحقًا أسلوبه الخاص، الذي امتاز بربط الحركة، بالانفعال، والروح.



حين نال الشهادة الثانوية، لم يتردّد، ولم يلتفّ. سار نحو كلية الفنون الجميلة في دمشق، حاملاً حُلمه كما يحمل العاشق قصيدته. هناك، في عاصمة البلاد، بدأ يتعلم أن الفن ليس فقط موهبة، بل مسؤولية، وأن الريشة إن لم تفتح بابًا في الروح، فهي لا تعني شيئًا.

شارك في معارض جماعية وكان حضوره لافتًا منذ العام 1984، حين عرض لوحاته في المركز الثقافي السوفييتي وفي صالة الرواق العربي والمتحف الحربي تم اقتناء إحدى لوحاته. عام 1986، ساهم مع عدد من زملائه في تأسيس أول معرض للفنانين التشكيليين في القوات المسلحة ذلك كان أثناء الخدمة الالزامية ، وكانت لوحاته تعبّر عن همّ الإنسان، وجراح الأرض، وخوف الغد.

لكن جاك لم يكن فنانًا تشكيليًا فقط. لقد امتلك قلبًا ينبض على إيقاع المسرح، وكان المسرح عنده فنًّا أكبر من الأداء. انضم إلى المسرح الجامعي بدمشق، وشارك في أعمال مسرحية متعددة إلى جانب الكثير من الممثلين الذين أصبحوا نجوما الآن مثل غسان مسعود، ماهر صليبي، وحسن دكاك وفادي زغيب ونمر سلمون وعلي الكريم وفاتن شاهين . تعلّم من الصمت كما تعلّم من الضوء. وعلّمنا نحن، أن المسرح ليس خشبة، بل صرخة. ليس قناعًا، بل وجهًا حقيقيًا للإنسان.

عاد إلى المالكية، المدينة التي لم تغادره يومًا، ليُعيد بناء الحلم في بيئة تحتاج للكثير من الضوء. حوّل سينما "الدجلة" المهجورة إلى مسرح حيّ، درّب الشباب، أعاد الحياة إلى الخشبة، وجعل المسرح في المالكية يتنفس من جديد ليعيده مرة ثانية إلى الحياة بعد أن توقف لفترة زمنية طويلة ، بل تجاوزها في الروح والجدية والانتماء.

نظم الكثير من المعارض الفردية والجماعية في المحافظة بين عامي 1985 و1989، ونشر الفن في مدينته كمن ينثر بذارًا في أرض عطشى. شارك في مهرجانات على مستوى المحافظة، وفي كل مرة، كان صوته يحمل ملامح ديريك، وتوقيع الريشة السريانية.

يقول الفنان محمود علي، وهو أحد الذين تأثروا بجاك في بداياته: "كنت في سن مبكرة عندما وجدت له أعمالاً متميزة في عالم الفن والمسرح، كان سبباً لأتابع تلك الموهبة، يقدم لوحات تقرأ منها رسائل عدّة.

لكن الحرب غيّرت المسارات. غادر جاك سوريا، كما غادرها كثيرون، لكن روحه بقيت معلّقة هناك. استقر في هولندا، حيث لم يُطفئ الغربة نوره، بل زادته إصرارًا على أن يكون صوته صوت شعب، لا فرد. أسس هو ومجموعة من الفنانين السريان حبيب كورية، إلياس الحموي، برصوم برصوما، حمورابي صومي ميراي برصوما وجورج ميرو . الجمعية تعرف باسم SYR6 الفنانين وأقاموا عدد من المعارض في المدن الهولندية وآخرها كان في مدينة Groningen الهولندية أستمر المعرض لشهر كامل كان له الأثر الجميل في نفوس الهولنديين. 

شارك أيضًا في معرض في الهواء الطلق ليوم واحد بعنوان "اعرف نفسك – Uit Jezelf" في مدينة Losser الهولندية، مع الفنانين حبيب كورية وإليان رباحية. وهناك أثبت أن الفن لا يحتاج لغة مشتركة فقط بقدر ما يحتاج الى مشاعر حقيقية.

له مقتنيات متعددة في سوريا وفرنسا وهولندا .

 لتشهد على أن ذاكرة المكان لا تموت، بل تنتقل.

رسم ، أخرج ، درّب، وتحدث. لم يكن ينتظر جمهورًا، بل يخلق جمهوره من نبض الفكرة. رفض أن يكون الشتات مأساة، واعتبره حقلًا جديدًا للزرع. قال: "أنا لا أرسم لأهرب من الوجع، بل لأعبّر عنه، لعلّه يجد خلاصه فينا."



لوحاته سرديّة، ألوانه تعبيرية، روحه ملتزمة، ومسيرته تُدرّس. الألوان عنده ليست للزينة، بل للنقش على الذاكرة، والحركة ليست استعراضًا، بل إيقاع حياة.


يقول عن نفسه: «الحرص ضمن منطقتي كان بضرورة تأسيس رواد للفن، تحديداً في مجال الفن التشكيلي، والمسرحي . ساعدنا الكثيرين في هذين المجالين، وكان الهدف نشر ثقافة الفن، وتشجيع المواهب ودعمها، ومن خلال اللوحات كانت الإشارة إلى جمال منطقتنا من كافة النواحي اجتماعياً وطبيعياً وفنياً.».

وعمل في مجال الديكور والأعلان والمدينة تشهد له .

وللعلم عمل مديرا للثانوية المهنية النسوية بالمالكية مدة ١٧ عشر عاما . وقاد الإدارة بجدارة والجميع يشهد له من خلال تعامله وحسن إدارته لها .

واليوم، وبعد مرور كل هذه المحطات، لم يتغيّر جاك إيليا. ما زال هو نفسه، الطفل الذي يرى الطائر الحرّ على يد الأعرابي، والرجل الذي يرى المسرح في جدار قديم. وما زال يقول:

أمضي ولو كانت الدروب جراحًا…

فالفنّ عندي ليس محضَ مزاحا

إنّي أرسمُ الفجر في العيونِ إذا

نامت شعوبٌ واختبأت أرواحا



📜 رسالة شخصية للفنان جاك إيليا – بقلم ميلاد كوركيس


إليك يا من حملتَ الذاكرة على لوحتك، والهوية في أنفاسك، يا من جعلت من المسارح المهجورة حناجرَ تصرخ باسم الوجود… أكتب إليك كمن يرسل رسالة وفاء لعَلَمٍ لم يسقط من قلبه يومًا.

أنتَ لستَ مجرد فنان… بل حالة. لستَ لوحة تُعرض ثم تُنسى، بل ذاكرة تمشي على قدمين. علّمتنا أن الفن ليس ترفًا نمارسه، بل هو شرف نحمله. أن تكون فنانًا من المالكية يعني أن تكون عاشقًا رغم الجفاف، حالمًا رغم الغربة، مبدعًا رغم الحصار.

أفتخر بك كما يفتخر القلم بالكلمة. أنت مثالٌ لما يجب أن نكون عليه في زمن التكرار والانطفاء. تركتَ أثرًا، رسمتَ هوية، كتبتَ فصلًا في كتاب هذا الوطن… وسيبقى اسمك منقوشًا على جدران الذاكرة، لأنك ببساطة: لم ترسم فقط… بل أنعشتَ فينا الفن والكرامة.

جاك إيليا… شخصية صنعت ذاكرة الوطن. لم يُخلق في هوامش الضوء، بل صنع الضوء من الهوامش. لم يطلب التصفيق، بل التغيير. لم يبحث عن الشهرة، بل عن الصدق. وعندما يتنفس اللون سريانًا وتصبح الخشبة وطنًا، نعرف أننا أمام فنان لا يتكرر.


#MXR 

No comments:

Post a Comment

كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين

 كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين إعداد : ميلاد كوركيس مشرف مشروع : Memora 360 - Arabic في دمشق، المدينة التي تتنفس التاريخ وتت...