أفرام لحدو ... المعلّم الذي غاب جسده وبقي نوره
رثاء و تكريم مربي الأجيال
إعداد : ميلاد كوركيس
صاحب مشروع : شخصيات صنعت ذاكرة الوطن
في ذاكرة المدن ثمة وجوه لا تغيب، بل تبقى عالقة في تفاصيل الأزمنة كأنها نُقشت على جدار الذاكرة بأيدٍ من ضوء.
وفي كل مدينة تحب أبناءها وتفتخر بعلمائها، يُولد بين أهلها من يصنع من العطاء ميراثًا خالدًا، ومن التعليم رسالة لا تنتهي بانتهاء العمر.
وفي مدينة ديريك، التي كانت وما زالت حاضنةً للعلم والأصالة، لمع اسمٌ صار رمزًا في التربية والعلم، اسمٌ تتناقله الأجيال بمحبة وإجلال: الأستاذ الراحل أفرام لحدو.
كان أفرام لحدو المعلم الذي لا ينساه أحد، لأنه لم يكن مجرد ناقلٍ للمعرفة أو ملقّنٍ للدروس، بل كان رائدًا تربويًا، ومربيًا فاضلًا، وإنسانًا حمل في قلبه نور العلم ودفء الإنسانية.
علّم طلابه معنى الاجتهاد، وربّى فيهم ضمير المعرفة، وأشعل في أرواحهم جذوة الفضول والاكتشاف.
كان صبورًا مع كل تلميذ، يعرف هواياتهم، مشاكلهم، ويشجعهم على التطور الشخصي والمهني، فلا يغلق صفه دون أن يشعر كل طالب بأنه مسموع ومقدر.
كان كل من عرفه يشعر أنه أمام رجل آمن بأن رسالته في الحياة أكبر من حدود الصف والكتاب، وأن التعليم ليس حرفة، بل قداسة ومسؤولية وموقف أخلاقي.
لقد أصبح الكثير من طلابه فيما بعد معلمين وأطباء وناشطين، حاملين قيمه ومبادئه إلى المجتمع، ناشرين رسالته في كل زاوية من ديريك وخارجها، مؤكدين أن أثر المعلم يمتد إلى أبعد من الصف الدراسي.
منذ بداياته الأولى في سلك التعليم، كان شعاره “التربية قبل التعليم”، فجمع بين الصرامة التي تفرض احترام الكلمة، والحنان الذي يغرس في النفوس الثقة.
كان يحترم الوقت كما يحترم الفكرة، ويؤمن بأن المعلم الذي لا يحترم تلاميذه لا يستحق أن يُسمى مربيًا.
لذلك أحبّه الجميع: زملاؤه الذين عرفوا صدقه وتفانيه، وطلابه الذين لم يروا فيه أستاذًا فحسب، بل أبًا وموجّهًا ومصدر أمانٍ علميٍّ وإنسانيٍّ في آنٍ واحد.
وفي حصص التاريخ، لم يكن يُلقي الدروس بأسلوبٍ جامد، بل كان يُعيد إحياء الماضي بنبض الحياة، كأن الشخصيات التي يحدّث عنها تنبعث من بين كلماته.
كان يعلّم أبناء ديريك أن التاريخ ليس مجرد سردٍ للأحداث، بل هو مرآة القيم، ودليل الأمم إلى المستقبل.
ومن خلاله، جعل من دروسه منابر للوطنية، يزرع فيها حب الأرض، والإيمان بالحق، والاعتزاز بالهوية، وحثّ الطلاب على أن يكونوا صالحين في العلم والأخلاق والنية الطيبة.
لم يكن يُساوم على المبدأ أو يطلب مقابلًا لعطائه؛ كان يرى في نجاح طلابه المكافأة الأعظم.
وكم من طالبٍ صار لاحقًا طبيبًا، أو معلمًا، أو أكاديميًا، وما زال حين يذكر بداياته يقول:
“كان أفرام لحدو أول من أضاء فيّ حبّ المعرفة.”
وحين عصفت به سنون الغربة، وغادر وطنه، بقيت ديريك تسكن قلبه، يسأل عنها، ويحكي عنها، ويتنفس حنينها.
كانت الأحاديث عن الوطن لا تفارقه، وكانت ذكريات الطلاب والزملاء وقاعات الدرس رفيقة غربته.
ورغم بعده الجغرافي، لم يغب اسمه عن مجالس الناس، فظلّ ذكره حاضرًا في قلوب كل من عرفه أو سمع عنه، كأن صدى صوته ما زال يتردّد في أروقة المدارس القديمة.
لقد أحببت أن أستضيفه ضمن مشروعي “شخصيات صنعت ذاكرة الوطن”، ليكون بيني وبينه حديث الذكريات والعطاء،
لكن وقت الرحيل كان أسرع من أمنيتي، فغادر قبل اللقاء، تاركًا لي واجبًا لا بد أن أفي به اليوم واجب التكريم، ولو بعد الغياب.
إن الحديث عن الأستاذ أفرام لحدو ليس مجرد رثاءٍ لمعلّم رحل، بل وقفةُ تقديرٍ أمام قامةٍ تربويةٍ وإنسانيةٍ نادرةٍ، حملت على عاتقها همّ العلم والمعرفة جيلاً بعد جيل.
كان يعلّم دون أن يتعب، ويعطي دون أن ينتظر جزاءً أو شكرًا.
كان يعرف أن ما يُبنى بالعلم لا يهدمه الزمان، وما يُغرس بالإخلاص لا تمحوه الأعمار.
وحين غيّبه الموت بعيدًا عن ديريك، لم يكن رحيله فقدًا عادياً، بل كان فصلًا مؤلمًا في ذاكرة مدينةٍ كاملةٍ.
رحل المعلم، لكن بقي صدى كلماته في كل بيتٍ من بيوت طلابه.
بقيت نصائحه ترنّ في الأذهان، وصورته الباسمة تضيء في الذاكرة.
لقد رحل جسدًا، لكن نوره ما زال يملأ القلوب والعقول.
ولم يكن الأستاذ أفرام وحده في رحلته تلك؛ فإلى جانبه كانت دائمًا شريكة حياته، الراحلة الطيبة بسنة موسى كوركيس( دلالي) ، المعلمة التي خصّت الأطفال بعلمها واهتمامها في صفوف التعليم الخاص،
وكانت تكمل رسالته التربوية، تدعمه في البيت والمدرسة، مثالًا حيًا لتكامل التعليم مع بناء الأسرة.
جمعتهما مهنة التعليم ورسالة التربية، وكانا معًا خير مثالٍ عن بيتٍ قام على العلم والمعرفة والإيمان بالإنسان.
ومن بيتهما خرجت أسرة جسّدت أسمى قيم العلم والأخلاق، فامتزجت التربية بالعلم، وتكاملت الرسالة في بناء الأجيال.
فها هم أبناؤهما الأبرار: الدكتور أيهم، والمعلمات أوفيليا، وإبتهال، و أولغا الذين واصلوا حمل رسالة والديهم بشرفٍ واقتدار، وساروا على دربٍ رسمه بالعلم والخلق والتفاني.
كلٌّ منهم اليوم مرآة لصورته، وصدى لصوته، وامتدادٌ لمسيرته التي لم تنتهِ برحيله، بل امتدت فيهم كنبضٍ لا ينطفئ.
ولأحفادهم الذين يواصلون السير على نفس القيم، يحملون إرث الجدّين الصبر والمحبة والعلم، ليظلّ اسم الجدين نورًا يضيء الأجيال.
وها أنا اليوم، بكل تقدير وإجلال، أكرّم روحهما الطيبة بما يليق بعطائهما العظيم:
وسام الوفاء الأبدي والعطاء المبارك للأستاذ أفرام لحدو،
وسام المحبة الصافية والاحترام الراسخ للسيدة بسنة موسى كوركيس،
تقديرًا لمسيرةٍ غنية بالعطاء والتفاني، واحتفاءً بإرثهما الذي سيظل خالدًا في وجدان مدينة ديريك وكل من عرفهما وأحبهما.
نم قرير العين أيها المعلّم الكبير،
فأبناؤك الأوفياء يرفعون اسمك في ميادين العلم، وأهلك وأصدقاؤك وطلابك يذكرونك بكل احترامٍ وحنين.
نم بسلام، فقد أديت الأمانة كما يجب، وكتبت لنفسك صفحةً ناصعة في تاريخ ديريك، وفي ذاكرة الوطن الذي أحببته.
نعم، رحلت عن مدينتك جسدًا، لكنك باقٍ في روحها، في صوت جرس المدرسة، وفي دفاتر طلابك، وفي ذاكرة من أحبّوك.
فمن علّم الناس الخير، صار ذاكرة للوطن بأسره، وها نحن اليوم نكتب اسمك بحروفٍ من وفاء،
ونعلّق على صدريكما معًا أوسمة الخلود: وسام الوفاء والعطاء، ووسام المحبة والاحترام.
☦️____________________________________________☦️
أهدي هذه القصيدة إلى أرواحهم الجميلة الغالية، كتكريم بسيط لسيرة حياة ثنائي من ثنائيات بلادي ومدينتي ديريك بشكل خاص.
رفيف الخلود
يا من غدوتَ ضياءَ العلمِ يا عَلَما
أفرامُ ذكراكَ في الأرواحِ منسكِما
ما غابَ وجهُكَ بل ما زالَ يملؤنا
عزًّا ويوقِدُ في الأجيالِ مُلتزمًا
علّمتَ أنّ طريقَ المجدِ مدرسةٌ
تُبنى على الصبرِ والإخلاصِ والعزَما
وكنتَ للتاريخِ نبراسًا ومنهجهُ
صدقُ الروايةِ إذْ أنعمتَ مُخلِصًا
يا من غرستَ بديريكٍ مجدَ مدرَسَةٍ
ما زالَ طيبُك في أركانِها نَسَما
كمْ من تلميذٍ على كفّيكَ قد حَلُما
وصارَ مجدًا وعلماً بعدَ أنْ رسَما
ما كنتَ تنطقُ إلّا بالهدى حكمًا
ولا خضعتَ لغيرِ الصدقِ أمينًا
أفرامُ إنْ رحلتْ عنّا خطاكَ فكمْ
تبقى خطاكَ سبيلاً يُقتفى قِدَما
ما ماتَ مَن غرسَ الأجيالَ في فكرٍ
وسارَ يُهدي العُلا إخلاصَهُ قيَما
نمْ في رضى الربِّ، فالإيمانُ يحرسُكَ
والنورُ يكلؤُ أرواحَ الورى حُلُما
ودّعتَ دنياكَ لكنْ كنتَ مُبتسِمًا
كأنَّ علمَكَ في أرواحِنا نَغَما
في الغربةِ اشتاقَ قلبُك ديركَ الحُلُمَ الـ
محبوبَ إذْ كانَ فيها الصبحُ مُبتَسِما
وبسنةُ الزهرُ في دربِ الوفاءِ سرتْ
تروي الصغارَ حنانًا طيّبًا عَطِما
علّمتَ والطفلةُ الغضّى تراها يدًا
كالأمِّ تمسحُ دمعًا في المدى حُلُما
فكانتِ الزوجُ، كانتْ في رسالتِها
نبعَ الحنانِ وفي الإيمانِ راسِخًا
جمعْتُما العلمَ والتربيةَ في شرفٍ
فازدهرَ البيتُ إيمانًا وتنعِيما
أنجبتُما نُخَبًا بالعزمِ ما عرفوا
إلا الصلاحَ طريقًا طيّبًا وسَما
أيهمٌ ابنُكُمُ، والأخواتُ لهُ
أوفيليا وابتِهالٌ، أولغا القِيَما
ساروا على نهجِكمْ نُورًا ومكرُمَةً
يزرعونَ علمَكمْ حبًّا وتكريما
والأحفادُ اليومَ في رَكبِ السموِّ مضَوْا
يحيونَ ذِكرَكما عِزًّا وتنعِيما
يا سيّدي، في قلوبِ الناسِ منزلُكُمْ
يسمو، وتبقى على الأيامِ مُحتَرَما
وللسّنيْنِ على الذكرى وإنْ عبَرَتْ
يبقى خُلودُكما في الناسِ مُلهِما
هذا وسامُكَ “وفاءٌ” في العُلا سكنَتْ
روحي تُقدّمهُ للدربِ وَفِيًّا
وذاكِ بسنةُ “محبّةٌ واحترامُ” هدىً
يُهدى لروحِكِ بالإخلاصِ والكرَما
فلتنعما في رياضِ الربِّ ما بقِيَتْ
ديريكُ تذكُرُكُمُ عِطرًا ومُلتَحَما
☦️____________________________________________☦️
رسالة وداع من محبيهما إلى روحهما:
“يا روح أفرام وبسنة، سلامكم الأبدي معنا،
نوركم يضيء كل دروبنا، وعطاؤكم باقي في قلوبنا،
ستظل ذكراكم منارةً لكل من عرفكم وأحبكم،
ذكرياتكم الطيبة تلهمنا كل يوم لنكون أفضل،
ونحمل رسالة العطاء والمحبة التي زرعتموها،
ونعدكم بأننا سنظل نذكر قصتكم في كل خطوة،
سنرويها للأجيال القادمة، ليعرفوا كيف يكون الإنسان مربيًا ومعلمًا وصانع خير،
سنستمد منكم القوة لنواجه تحديات الحياة كما واجهتموها بالعزم والإيمان،
سنستحضر معكم ذكريات الصفوف والدروس والبيت، كيف كنتم أنتم مثالًا حيًا للتربية والتعليم والحب،
نموا في رحمة الربّ، إلى أن نلقاكم في جنات النعيم، حيث لا حزن ولا وداع، فقط نور وسلام دائم.
محبيكم
#أفرام_لحدو #بسنة_كوركيس #رثاء_وتكريم #مربي_الأجيال #ديريك_العطاء #شخصيات_صنعت_ذاكرة_الوطن #ميلاد_كوركيس #وسام_الوفاء_والعطاء #وسام_المحبة_والاحترام #ذكرى_خالدة #التعليم_رسالة #وفاء_للمعلمين #أبناء_أفرام_وبسنة #ذاكرة_الوطن

No comments:
Post a Comment