Saturday, October 11, 2025

من مراد إلى آندريه … حكاية المسرح الديريكي في بيت إيليا

 من مراد إلى آندريه … حكاية المسرح الديريكي في بيت إيليا


إعداد : ميلاد كوركيس

صاحب مشروع : شخصيات صنعت ذاكرة الوطن


في مدينة ديريك المالكية، حيث تتنفس الحقول رائحة القمح وتُشعل الشمس على الحجارة القديمة لونها الذهبي، كانت الحكاية تولد ببطء من رحم الصمت. لم تكن المدينة تملك قاعات ضخمة ولا معاهد للفنون ولا أجهزة صوتية متطورة، لكنها كانت تملك الإنسان، ذلك الكائن الحالم الذي يصنع من صوته خشبةً ومن خياله مسرحًا. هناك، في قلب المدينة التي جمعت البساطة والعمق، ولدت شرارة الفن الأولى حين وقف عبد الأحد إيليا عام 1947 ليقدّم مع رفاقه أول عملٍ مسرحي في تاريخ المالكية بعنوان «عودة الابن الضال». لم تكن المسرحية مجرد عرضٍ بسيط، بل كانت حدثًا ثقافيًا أحدث في الوجدان انقلابًا. كان القس يوسف القس يؤدي دوره بإيمانٍ يشبه الصلاة، وجورج رزقو يجسّد على الخشبة وجه المواطن المرهق من الزمن، ومراد إيليا يحمل نظرة المعلّم الذي يؤمن أن الفن امتدادٌ للتعليم، وأن المسرح ليس وسيلة تسلية بل مدرسة للأخلاق والجمال. في تلك اللحظة لم يكن أحد يدرك أن هذا العرض سيصبح الحجر الأساس لذاكرة المدينة المسرحية، وأن بيت إيليا سيُعرف لاحقًا بأنه بيت الخشبة الأولى.



من هناك انطلقت الموجة الأولى، إذ تبنّت مدرسة السريان الخاصة الفكرة فاحتضنت المسرح كما يُحتضن طفلٌ يولد على أمل. بإشراف مراد إيليا بدأت المدرسة تحوّل حصص اللغة والتربية إلى مشاهد تمثيلية صغيرة تجمع الطلاب على فكرة العطاء والعمل الجماعي. لم يكن المسرح ترفًا بل جزءًا من المنهج التربوي يُزرع فيه معنى الانتماء إلى المدينة والإنسان. كان مراد إيليا يرى في كل طفلٍ ممثلًا محتملًا وفي كل فتاةٍ نجمةً قادمة، وكان إيمانه بالفن امتدادًا لإيمانه بالتعليم. هكذا بدأت البذرة تنمو، وهكذا أصبحت مدرسة السريان الخاصة حاضنة أولى للمواهب في زمنٍ كان الناس فيه يتهامسون بأن الوقوف على المسرح مغامرة، فإذا بها تتحول إلى فعلٍ من أفعال الإيمان بالذات.



ثم جاءت النهضة الأولى في أواخر الخمسينيات حين تأسست «فرقة الشباب المسرحية» عام 1957. كانت الفرقة أشبه بجماعةٍ ثائرة تبحث عن صوتٍ جديد، فاختارت نصوصًا تعكس القيم البطولية مثل «في سبيل التاج» و«صلاح الدين الأيوبي» و«سمير أميس». لم يكن التمويل موجودًا، ولكن الإصرار كان أكبر من الفقر، والناس تبرعوا بقطع القماش والشموع ليضيئوا المسرح الصغير الذي بنوه بأيديهم. في عام 1958 ظهر اسمٌ جديد: لحدو إسحق، المؤلف والمخرج الذي سيصبح لاحقًا واحدًا من ركائز المسرح الديريكي. كتب وأخرج مسرحية «مدينة السماء» بمشاركة شكري حنا، حنا شيعا، شمعون إسحق، ببو الخياط، منصور سليمان، ولحدو إسحق، وكان العرض حدثًا استثنائيًا لأنه قدّم لأول مرة مسرحًا رمزيًا يتحدث عن العدالة والحلم والضمير.

كما شارك في تلك الفترة أيضًا أفرام عبد النور، الذي ساهم في عددٍ من المشاهد التمثيلية الأولى داخل مدرسة السريان، واعتُبر من الجيل الذي مهّد لظهور الوعي الفني المبكر في المدينة، فكان وجهًا من وجوه البدايات الهادئة التي صاغت ملامح المسرح الديريكي.

وقف الجمهور مذهولًا أمام فكرة أن الفن يمكن أن يقول ما لا يقال، وأن الكلمة قد تكون أحيانًا أشجع من السلاح.



ومع عام 1963 تنفّست المدينة فجرًا جديدًا حين تأسس المركز الثقافي العربي في المالكية. أدرك المثقفون أن المسرح بحاجة إلى مؤسسةٍ ترعاه، وأن الفن لا يعيش على الهواية فقط. قاد لحدو إسحق هذه المرحلة مع مجموعة من الشباب المؤمنين بالثقافة، فأنشأوا فرقة «أصدقاء المركز» التي أصبحت أيقونة العمل الثقافي في المدينة. كانت تلك السنوات مليئة بالحيوية، إذ عُرضت مسرحيات كثيرة تجاوزت العشر خلال ثلاث سنوات فقط، وكانت مسرحية «الخطلة» عام 1964 علامة فارقة بمشاركة الفنان الكوميدي محمود عمر إلى جانب أفرام يعقوب وحبش سليمان ولطيف ملكي وشكري صومي وأفرام كوركيس وشكري رزقو وإكرام كوركيس. في تلك الفترة، أصبحت ديريك أشبه بورشة ثقافية مفتوحة، يجتمع فيها الناس بعد العمل ليشاهدوا المسرح كما يشاهدون ولادة حلمٍ جماعي.


في نهاية الستينيات، وتحديدًا عام 1969، قاد فريد إيليا مرحلة جديدة يمكن تسميتها بالعصر الذهبي للمسرح الديريكي. كان يؤمن أن المسرح ليس مجرد عرض، بل وسيلة تفكير. من تحت يده خرجت أعمال مثل «الكلبش» و«تاجر البندقية» و«بروتار» و«مطعم البيركاوات» و«دماء على الدرب» و«لا تقتلوا الموتى» و«إلى متى نصل؟» و«حفلة على الخازوق» و«الدراويش يبحثون عن الحقيقة» و«لدي وظيفة». لقد استطاع فريد إيليا أن ينقل المسرح من المحلية إلى العالمية، وأن يزرع في المدينة فكرًا جديدًا يرى في الفن موقفًا.



وفي تلك المرحلة التي امتدت ما بين عامي 1971 و1974، لمع على خشبة ديريك جيلٌ كامل من المبدعين الذين حملوا الخشبة بأكتافهم وجعلوا منها منبرًا للوعي والفرح معًا. من بينهم: محمود عمر، حبيب منصور، أفرام يعقوب، شكري صومي، سميح صليبا، سمير عيدو، حقي توما، شمعون صليبا، جان يونان ممثلاً ومخرجًا، سليم يونان، إسحق كوركيس، ومحمد خليل، الذين مثّلوا الوجوه الصادقة للمسرح في زمنه الأجمل.


وقد تميّز كلٌّ منهم بطابعه الخاص، فكان سمير عيدو وجهًا قريبًا من الناس بقدرته على المزج بين العمق والبساطة، بينما جسّد محمود عمر روح الفكاهة الذكية، وكان جان يونان جسرًا بين الإخراج والتمثيل، وحمل أفرام يعقوب دفء الشخصية الديريكية الأصيلة التي تُضحك وتبكي في آنٍ واحد.


إلى جانبهم، برزت مجموعة من النساء الرائدات اللواتي كسرن الصمت الاجتماعي ووقفن على الخشبة لأول مرة بأصواتٍ مليئة بالشجاعة، فكنّ وجهًا آخر للجمال والثورة. منهنّ سميرة عيسى، أديبة أفرام، سعاد يعقوب، مارين نور الدين، فكتوريا مرقص، ولاحقًا سيلفا سيروب، نورا حكيم، مادلين بوغوص، هيام عيدو، وسلوى شمعون. كنّ الأمهات اللاتي صنعن ذاكرة المسرح الأنثوية الأولى في ديريك، وفتحْن الأبواب لغيرهنّ من الفتيات ليصعدن الخشبة ويقلن للعالم إن المرأة قادرة على أن تكون شريكة في الضوء لا ظلاً في الظل.


ومع منتصف السبعينيات تولى أديب إيليا زمام المرحلة التالية، فدخل المسرح عهد النضج. جمع بين الإخراج والكتابة والتمثيل والبحث، وكان يعتقد أن المسرح مرآة الأخلاق الإنسانية، وأن الضحك يمكن أن يكون أداة نقدٍ لا هروب. كتب وأخرج مسرحيات أصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنية مثل «إلى متى يا رفيق» و«جولو» و«المخرج الكبير» و«الهجرة» و«اللجان» و«رحلة محفوفة من الغفلة إلى اليقظة». لكن من بين أعماله التي بقيت محفورة في وجدان الجمهور تأتي مسرحية «طبخة ببلاش» التي وُصفت بأنها من أفضل الأعمال المسرحية المأجورة في تاريخ ديريك، إذ كانت تُعرض ثلاث مرات في اليوم الواحد نظرًا للإقبال الجماهيري الكبير عليها. عُرضت المسرحية على مسرح سينما دجلة والمركز الثقافي في المالكية، وكانت من تأليف وإخراج أديب إيليا، وبطولة الشيخ آندريه إيليا وجاك إيليا والراحل وديع عمسيح، إلى جانب عددٍ من الممثلين الذين أدّوا أدوارًا ثانوية تركت أثرها الجميل. كانت «طبخة ببلاش» أكثر من مجرد مسرحية؛ كانت حدثًا فنيًا يعكس نبض الناس، فالسخرية فيها كانت تضحك وتوجع في آنٍ واحد، وكان النص يحمل عمقًا فلسفيًا يعرّي الواقع من زيفه بلغةٍ محببة للجمهور.


وجه تلك المرحلة: أديب كوركيس (1974 – 1982)

في تلك السنوات التي كانت فيها ديريك تضحك رغم تعب الأيام، برز على خشبتها وجهٌ صار عنوانًا للبهجة والذكاء الفني معًا، هو الفنان الكوميدي أديب كوركيس. كان أديب نجم الجمهور بلا منازع، يجمع بين العفوية والعمق، ويعرف كيف يجعل الضحك رسالةً لا سخرية. أدّى أدواره بروحٍ محلية قريبة من الناس، فكان يلتقط تفاصيل الحياة اليومية ويحوّلها إلى مشاهد تمثيلية تنبض بالصدق والمرح. مثّل جيلًا آمن بأن المسرح ليس فقط منصة للنقد بل أيضًا مساحة للتنفس، وكان صوته الشعبي يحمل دفء المدينة وبساطتها. في زمنٍ كانت فيه الخشبة تحاول أن توازن بين الجدية والمرح، جاء أديب كوركيس ليجعل الكوميديا مرآةً للمجتمع لا مهربًا منه، فصار وجه المرحلة بين 1974 و1982، وترك خلفه إرثًا من الضحك النبيل الذي لا يبهت مع مرور الزمن.


ولم تكن الجوائز غريبة عن هذا البيت الذي أحب المسرح حتى آخر رمق. فقد حصل أديب إيليا على جائزة أفضل مخرج عن مسرحيته الفلسفية «اللحاد» للكاتب المسرحي عبد الفتاح قلعجي في المهرجان الفرعي بمدينة رميلان، ونال الشيخ آندريه إيليا جائزة أفضل ممثل، فيما حاز زهير إيليا جائزة أفضل ديكور عن نفس العمل، ليؤكدوا جميعًا أن بيت إيليا ما زال بيت الريادة والإبداع. كانت تلك المرحلة ذروة النضج الفني في ديريك، حيث تماهى الفكر مع الجمال، والعائلة مع الخشبة، والحياة مع النص.


وفي التسعينيات، عاد جاك إيليا ليبعث الحياة في المسرح من جديد. كان قد تمرّس في المسرح الجامعي والشبيبي، وتعاون مع ممثلين كبار مثل غسان مسعود، ماهر صليبي، وحسن دكاك، ليقدّم أعمالًا حديثة امتزجت فيها الفكرة بالأسلوب الفني الحديث. من أبرزها «فوق هذا المستطيل وقع حادث»، «أوديب الوحش»، «لعبة السلطان والوزير»، و«ثلاثة أحزان». شارك في هذه العروض مجموعة من الوجوه المسرحية الشابة: حنا عبد الأحد، كابي عبد الأحد، شربل بيطار، نضال حنا شيعا، كبرييل حنا، متى سارة، موريس داوود، لويس نعيم، باسل وديع، وأمل نعيم، الذين شكّلوا الجيل الجديد الممتد من جذور الأجيال السابقة، وحملوا الشعلة بروحٍ جديدة بين سنوات التسعينيات وبدايات الألفية.


أما سمير إيليا، فقد كان الوجه التشكيليّ للعائلة، إذ جمع بين الفن البصري والمسرح، فزيّن المشاهد بخياله وألوانه، وترك بصمةً جماليةً في ديكورات العروض وفي تصميم المشاهد التي جمعت بين الفن التشكيلي والحركة المسرحية في انسجامٍ قلّ نظيره.


أما القسيس جوزيف موسى إيليا، فكان الروح الموازي للمسرح، رجل الدين الذي أحبّ الفن ورآه وجهًا من وجوه الحقيقة، إذ كتب وألّف نصوصًا أدبية ودينية تحمل فلسفةً عميقة عن الإنسان والخلق والإيمان، ليبرهن أن بيت إيليا لم يكن بيت خشبةٍ فحسب، بل بيت فكرٍ ومعرفةٍ وروح. ومنه استمدّت الأجيال الشابة وعيها بأهمية أن يلتقي الدين بالفن في حبّ الإنسان.


أما الشيخ آندريه إيليا، فكان رمز التوازن بين الخشبة والحياة، الممثل الذي جمع بين الحسّ الشعبي والوعي الديني، فأحبّه الناس كمؤدٍّ على المسرح وكشيخٍ في المجتمع، وكان صوته يحمل مزيجًا من الوقار والإبداع، ليكون شاهدًا على أنّ الفن لا يناقض الإيمان بل يكمّله.


ولأن الذاكرة لا تعرف حدودًا، حمل أبناء ديريك تراثهم المسرحي معهم إلى المهجر، فصارت الخشبة تهاجر معهم من مدينةٍ إلى أخرى ومن قارةٍ إلى أخرى. من بين هؤلاء الذين حملوا اسم ديريك بفخرٍ وكرامة: وديع عمسيح، جوزيف زيتون، توما بيطار، فؤاد أفرام، بهنان إسطيفو، زهير كبرو، أفرام دنحو، جرجيس حنا، شوكت توما، إبراهيم كوركيس، يعقوب ببي، حنا عامو صليبا، سيروب ماتيروس، كابي لحدو، نبيل شمعون، كميل نعنو، وبسام كبرو. هؤلاء زرعوا في مدن الاغتراب روحًا سوريةً أصيلة، وبقي المسرح بالنسبة لهم حنينًا وبيتًا أول.


إن حكاية المسرح في المالكية ديريك ليست مجرد سردٍ لتاريخٍ فني، بل هي شهادة على أن الشعوب الصغيرة تصنع ثقافةً كبيرة حين تؤمن بالإنسان. من عبد الأحد إيليا إلى فريد إيليا، ومن مراد إلى أديب، ومن زهير إلى جاك وآندريه، ومن سمير إلى القسيس جوزيف، تسلسل عائلي يشبه شجرة تتجدد أوراقها في كل فصل لكنها تبقى من جذرٍ واحد. كانت عائلة إيليا وما زالت رمزًا للعطاء، مدرسةً في الصدق والإخلاص، ومثالًا على أن الفن يمكن أن يكون ميراثًا ينتقل بالحب لا بالدم. إن ديريك التي عاشت على وقع المسرح لسنواتٍ طويلة ما زالت مدينةً تعرف أسماء أبطالها وتحفظ وجوههم كما تحفظ الأم وجوه أبنائها.


وإنني اليوم، وأنا أكتب هذه السطور، لا أكتب عن عائلةٍ فنيةٍ فحسب، بل عن روحٍ جمعيّةٍ جعلت من الفن صلاةً ومن المسرح إيمانًا. إلى جميع أفراد عائلة إيليا، بكل فروعها وجذورها، إلى كل من حمل هذا الاسم بصدقٍ وإبداع، أوجّه رسالتي هذه من القلب: أنتم عائلة راقية، من معدنٍ مختلف، ثقافتكم عميقة وقلوبكم عطشى دومًا للمعرفة، أجيالٌ تتعاقب ومواهب تتوارث، وأنتم النبض الذي جعل من ديريك مرآةً للوعي والذوق والجمال. محبّتي الكبيرة لكم جميعًا، ولكل من كان وما زال جزءًا من هذا البيت العظيم الذي علّم الخشبة النطق. تحياتي أيضًا إلى جميع عوائل ديريك الجميلة التي صنعت من هذه المدينة ساحةً للضوء رغم كل العتمة. أنتم الفخر، وأنتم الامتداد، وأنتم السبب في أن تبقى ديريك اسمًا يلمع كلما ذُكر الفن.


مع خالص محبّتي وتقديري … ديركاوي الفخر بكم


#mxr #milad_korkis #ميلاد_كوركيس #شخصيات_صنعت_ذاكرة_الوطن



No comments:

Post a Comment