Monday, August 4, 2025

نعم، لطالما كان الشرقُ مصدرَ الإلهام

 نعم، لطالما كان الشرقُ مصدرَ الإلهام

 إعداد : ميلاد كوركيس


نعم، لطالما كان الشرقُ مصدرَ الإلهام، لا لأنه يمتلك النفط أو الكثافة، بل لأنه كان وما يزال يحمل في جوهره تلك الخميرة الأولى التي عجنت الأرضَ بفكرة، والهواءَ بترنيمة، والإنسانَ برُوح لا تُشبِهُ سواها.

هذا الشرقُ الذي صدّر إلى الدنيا الأبجدية الأولى، والوتر الأول، والقصيدة الأولى، والمدينة الأولى، والإنسان الأول…

الشرق الذي علّم الغرب كيف يُفكر، قبل أن يتعلّم منه كيف يصنع.

لكنّه اليوم، ويا للخذلان، صار في كثير من أجزائه مصدرَ فشلٍ، لا مصدرَ إلهام.


صار مرآةً معطوبة نرى فيها أنفسنا على غير حقيقتنا.

نرى الشروخ في وجهنا فنظنّ أننا قبيحون، بينما القبحُ في مَنْ أراد لنا أن لا نرى إلا الانكسار.

صرنا أُناسًا لا يقودون ذاتهم، بل تُقادُ بهم الأخبار، والمواقع، والغرائز، والتقليد، والتسلية، والعناوين.

تحوّلنا من شعوبٍ صاحبة إرادةٍ إلى شعوبٍ "تسير" وفق ما يُراد لها.

نُصفّق حين يُراد لنا التصفيق، ونغضب حين يُؤمر لنا بالغضب.

صرنا أداةً لا فاعلاً، صدىً لا صوتًا، ظِلًا لا شمسًا.


نعم…

نحن نفشلُ حين نعتقد أن قوتنا في محاكاة غيرنا، لا في فرادتنا.

نفشل حين نخلع هويتنا كما نخلع قميصًا قديمًا، لنلبس أحدث موضة غربية دون أن نسأل أنفسنا: هل تُلائمنا؟ هل تُشبهنا؟

نفشل لأننا نُقارن لا نتحدى، نُقلّد لا نُبدع، نُبرّر لا نُقنع.

نُهزَمُ لأننا لا نملك شجاعة أن نكون أنفسنا، بكل ما نحمله من تناقضات، من ضجيج داخلي، من أسئلة حارقة لا نجد لها منبرًا.

بل نُهزَم لأننا نحيا على ميراثٍ لم نعد نستحقّه، ونتغنّى بحضارات لم نعد نُشبهها، ونرفع أسماء أبطال لم نعد نُجيد حتى نُطق حروفهم.


أليس مُخجِلًا أن يكون فخرنا الأكبر اليوم… أن أجدادنا كتبوا على ألواح الطين؟

أن يكون أعظم ما نملك اليوم… ماضٍ لا نستحقّه؟

أن نرفع صور أنبياء عاشوا قبلنا بآلاف السنين… بينما نعيش نحن اليوم بلا نبوءة، ولا بصيرة، ولا حتى ضمير؟


نحن شعوبٌ تتغنّى بالماضي كمن يتغنّى بصورة أمّه الراحلة، بينما يترك أطفاله جائعين.

نعم، التاريخ عظيم، لكنه لا يُطعِم خبزًا، ولا يصنع كرامة، ولا يبني وطنًا إن لم نكن نحن على صورته.


يا أبناء الشرق…

أيّها الذين تمشّطون الماضي كلّ يوم وكأنه مرآة جمالكم، كفى خداعًا.

الماضي لن يَنفُخ فينا روح الحضارة إن لم نملك اليوم روح الإرادة.

لا يكفي أن نقول إنّا "أحفاد نينوى"، إن لم نكن قادرين على بناء شارع نظيف.

لا يكفي أن نُدافع عن الأبجدية الأولى، إن كنّا لا نعرف كيف نكتب جملة واحدة بلا أخطاء.

لا يكفي أن نُفاخر بالعقل الأول، إن كنّا نعيش بعقلية القطيع.


إننا لا نُهزَم لأن الآخرين أفضل منّا… بل لأننا أقنعنا أنفسنا أننا لا نستحق أن نكون الأفضل.

لأننا لم نعد نؤمن بأننا نستطيع.

لأننا سلّمنا رقابنا للأقوى، والأغنى، والأعلى صوتًا… وصدقنا أنه يعرف الحقيقة أكثر منا.


هذا هو الفشل الحقيقي…

أن نكون مُستعمَرين من الداخل، بينما نتظاهر أننا أحرار.

أن نلبس قشرة الحداثة بينما نعيش عقل العشيرة.

أن نُصفّق لرموزٍ لا تُشبهنا، ونرفض أن نحتفل بذواتنا.


فيا من بقيت لكم بعدُ شرارة من هذا الشرق…

لا تعيشوا كهوامش في كتب الآخرين.

عودوا إلى دواخلكم، إلى أصواتكم، إلى اللغة التي نسيتموها، إلى أرواحكم التي ضاعت بين الشاشات.

اسألوا أنفسكم لا الآخرين:

من نحن؟

من نُريد أن نكون؟

هل نرضى أن نكون ظلالًا، أم نُريد أن نعود شمسًا؟


الشرق ليس شعارًا نردده في الأغاني،

ولا خريطة نُحافظ عليها في دفاتر الجغرافيا.

الشرق فكرة، موقف، وعي، مقاومة…

الشرق هو ذاك الإنسان الذي رغم كل ما فُرِض عليه، ما زال في أعماقه يُريد أن يقول: أنا هنا، كما كنت، وكما سأبقى.


فهل نملك الجرأة أن نُعيد لأنفسنا هذا الصوت؟


 #MXR

No comments:

Post a Comment