Thursday, April 16, 2026

كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين

 كوليت خوري … فراشة دمشق التي كتبت بحبر الحنين


إعداد : ميلاد كوركيس

مشرف مشروع : Memora 360 - Arabic



في دمشق، المدينة التي تتنفس التاريخ وتتكلم بلهجة الياسمين، وُلدت كوليت خوري ذات صباح عام 1931.


 لم تكن فقط الابنة البكر لعائلة مثقفة، بل كانت امتدادًا لميراث سياسي وثقافي نادر التكرار، تنبض بين عروقها دماء فارس الخوري، السياسي والمفكر الذي كان للشرق عقلًا ولسوريا ضميرًا.


منذ نعومة أظافرها، كانت ترى دمشق بعيون مختلفة. الحي القديم لم يكن مجرد أزقة وحجارة، بل ذاكرة حيّة، وكان بيتها بيتًا للكلمات قبل أن يكون بيتًا للعائلة.


في حضن الجد، تعلّمت كيف يكون للأفكار ظلال، وللصمت نبرة. لم تكن الطفلة العابثة بالدمى، بل الطفلة التي تسأل : لماذا نخجل من الحب؟ وتسأل بصمت الطفولة عن سرّ الحرف، عن جسارة الأنثى في مجتمعٍ يحاصرها بجدران من تحفظ.


اختار لها والدها اسم "كوليت" إعجابًا بالأديبة الفرنسية، بينما أصرّ جدها على أن تكون "خولة"، تيمنًا بفارسة من التاريخ العربي.


وكأن القدر حينها كتب لها أن تكون بين حدّين : حدّ الشعر الفرنسي، وحدّ البطولة العربية. هكذا بدأت حياتها… لا بين الظلال، بل في الضوء، ولا في التردد، بل في المواجهة.


تلقت تعليمها في مدارس راهبات البيزانسون، ثم تابعت تحصيلها الأكاديمي في لبنان، بين جامعة القديس يوسف والجامعة اليسوعية، لكن قلبها ظل معلّقًا بدمشق.


وعادت إلى جامعتها الأم، جامعة دمشق، لتحمل شهادة في الأدب الفرنسي. لم تكن تسعى إلى الشهادة بقدر ما كانت تبني لغة خاصة بها، ستصير لاحقًا لغتنا جميعًا حين نريد أن نحب، أن نحلم، أن نكتب.


في خمسينيات القرن الماضي، بدأت أولى خطواتها الأدبية. نشرت ديوانها الشعري بالفرنسية "عشرون عامًا"، حيث ظهرت الفتاة المتمردة التي لم تُهادن الخجل ولا العادات.


ثم، في عام 1959، أطلقت عملها الأشهر "أيام معه"، فاهتز الوسط الأدبي العربي.


 لم تكن مجرد رواية حب، بل كانت إعلانًا جريئًا عن صوت الأنثى، عن حقها في الشعور والبوح دون وصاية.


وفي "ليلة واحدة"، ذهبت أبعد، كتبت عن الخيانة بوصفها صرخة داخلية لا فضيحة، وعن العطش العاطفي الذي يولد حين يغيب الاحتواء. لم تكن تكتب لتصدم، بل لتكشف. لم تكن تبحث عن الجرأة، بل عن الصدق.


أما حياتها الاجتماعية، فكانت انعكاسًا لهذا التوازن النادر. تنتمي إلى عائلة منفتحة، لكنها لم تكن متمردة عبثًا. لم تتخلّ عن الأنوثة لصالح الفكر، بل جمعت بينهما. كانت ترى أن الفستان لا يتناقض مع الفكرة، وأن الرقة لا تلغي القوة.


عملت في الصحافة، وترجمت أعمالًا شعرية لرموز كبار مثل نزار قباني، سليمان العيسى، وأدونيس، فكانت جسرًا حيًا بين الثقافات، تنقل نبض الشرق إلى لغة أخرى دون أن تفقده روحه.


ثم دخلت الحياة السياسية، فكانت نائبة مستقلة في مجلس الشعب بين 1990 و1995، قبل أن تُعيّن عام 2006 مستشارة ثقافية للرئيس بشار الأسد. ورغم الجدل، بقيت ترى أن الثقافة مسؤولية، وأن الكاتب لا يهرب من وطنه، بل يحاوره.


قالت ذات يوم :

"لا أحب الصراخ بحنجرتي… فصرخت بأصابعي."

وهكذا فعلت… صرخت كتابةً، فسمعها جيلٌ كامل.


… وبعد الرحيل، حين صمتت الأصابع وبقي الصوت

في نيسان من عام 2026، رحلت كوليت خوري عن هذا العالم بهدوءٍ يشبه حضورها، بعد عمرٍ ناهز الخامسة والتسعين. لم يكن رحيلها نهاية، بل تحوّلًا… من جسدٍ يكتب، إلى ذاكرةٍ تُقرأ.


لم يكن الخبر عابرًا، بل أعاد فتح دفاتر كاملة من الأدب العربي. عادت أعمالها إلى الواجهة، لا كحنين، بل كضرورة. أدرك كثيرون أن ما كتبته لم يكن مجرد أدب عاطفي، بل وثيقة إنسانية سبقت زمنها.


في دمشق، بدا الغياب مختلفًا. كأن المدينة فقدت صوتًا كانت تسمعه دون أن تدري. استُحضرت في الندوات، في المقالات، في قلوب القرّاء. لم تُرثَ ككاتبة فقط، بل كمرحلة كاملة من الوعي الثقافي.


تحدث النقاد عنها كإحدى أوائل من كسروا الصمت الأنثوي في الأدب العربي، ومنحوا المرأة حق أن تقول "أنا" دون خوف. وأصبحت نصوصها تُدرّس من جديد، لا بوصفها أدبًا رومانسيًا، بل بوصفها تحوّلًا فكريًا.


رحلت كوليت خوري…

لكنها بقيت في كل امرأة قرأت لها وشعرت أنها تُكتب.

بقيت في كل جملةٍ صادقة، في كل اعترافٍ لا يخجل.

بقيت… لأن الصدق لا يموت.


__________________________________________________


رسالة شخصية من القلب إلى من كتبت لنا أجمل الحب

إلى الأديبة السيدة كوليت خوري،


لا تكفي الحروف لأقول شكري. أنتِ ذاكرة مكتوبة بالحبر الدمشقيّ، ونجمة على جبين الأدب العربي. كتبتِ "أيامًا معه"، لكنك كتبتِ لنا عمرًا معك. علّمتنا أن الجرح لا يُخفى، وأن الأنثى ليست ظلًا بل شمسًا، وأن الكتابة ليست زينة، بل قدر.


باسم مشروع " Memora 360 - German "، أقول لك : كنتِ أنتِ الذاكرة… وكنتِ أنتِ الوطن حين ضاق على أبنائه.

سيبقى اسمك قنديلاً في العتمة، وكتابًا مفتوحًا نقرأه حين نبحث عن دمشق الحقيقية، وعن وجه الأنثى التي لم تخجل من الحب، ولم تخن الحبر.



No comments:

Post a Comment