المربي الفاضل الأستاذ مصطفى ملا صبري : رحلة حياة وعطاء
إعداد : ميلاد كوركيس
صاحب مشروع : Memora 360 - Arabic
في مدينة ديريك (المالكية) بشمال شرق سوريا، التابعة لمحافظة الحسكة، حيث تتلاقى الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق، ولدت شخصيات صنعت بصماتها في ميادين التربية والخدمة الاجتماعية، وأثرت حياة الناس بإخلاصها وصدقها. ومن بين هذه الشخصيات، يبرز المربي القدير الأستاذ مصطفى ملا صبري، الذي عاش حياته مثالًا للتفاني في التعليم والالتزام بالقيم الإنسانية النبيلة، ومثالاً للرجل الذي جمع بين المسؤولية التربوية والخدمة الاجتماعية، فترك بصمة لا تُمحى في كل مؤسسة عمل بها، وفي نفوس كل طالب وزميل عرفه.
وُلِد مصطفى ملا صبري عام 1957 في قرية گرة صور حسو بريف ديريك، في كنف أسرة متدينة ووطنية، فقد كان والده رجل دين ووطني له تاريخ مشرف في النضال من أجل الحق والكرامة، وقد غرس في ابنه منذ الصغر حب الوطن والناس والالتزام بالقيم الأخلاقية والاجتماعية. منذ نعومة أظافره، كان مصطفى يبرهن على اهتمامه بالعلم والقراءة، ويتميز بحسن الخلق وهدوء النفس، صفات ستلازمه طوال حياته.
بدأ مصطفى دراسته في الابتدائية بقرية گرة صور، حيث أظهر منذ بداياته ميلًا طبيعيًا للتعلم والتميز، وكان معلموه يلاحظون تميزه في السلوك والالتزام، إضافة إلى قدراته العقلية. ثم انتقل لمواصلة دراسته الإعدادية والثانوية في مدرسة يوسف العظمة بديرك، وتخرج منها عام 1977. خلال هذه السنوات، لم يكن مصطفى مجرد طالب متفوق في التحصيل العلمي، بل كان أيضًا نموذجًا للزملاء في الالتزام والأخلاق، يُحترم ويُقدّر من الجميع، وكان له تأثير إيجابي في محيطه الدراسي والاجتماعي منذ الصغر.
بعد التخرج، شرع مصطفى في خدمة مجتمعه من خلال مهنة التعليم، حيث تم تعيينه معلمًا في مدرسة تل خنزير عام 1980. في هذه المدرسة، لم يقتصر دوره على تدريس المواد العلمية فقط، بل كان دائمًا حريصًا على توجيه الطلاب إلى السلوك الصحيح، وغرس قيم الاحترام والتعاون بينهم. وفي عام 1981، انتقل للعمل في مدرسة تپكي، وفي العام التالي إلى مدرسة گندك، حيث تابع تقديم نموذج المعلم القدوة، محققًا توازنًا بين التعليم الأكاديمي والتوجيه الأخلاقي للطلاب.
في عام 1983، تولى مصطفى العمل في مدرسة خانة سري، ونجح بسرعة في نيل احترام الجميع، حتى أصبح مديرًا لها عام 1983 واستمر في هذا الدور حتى عام 1985. بعد إنهاء خدمته العسكرية، عاد مصطفى للعمل في مدرسة رفعت الحاج سري، حيث شغل منصب أمين السر ومعاون المدير حتى عام 2006. وكان خلال هذه الفترة مثالاً للمعلم النزيه والمتفاني، يجمع بين الإدارة الرشيدة وحسن التعامل مع الزملاء والطلاب، ويحرص على تطبيق القيم التربوية والأخلاقية في كل مناسبة، ما أكسبه تقدير الجميع ووفاء الطلاب وزملاء العمل على حد سواء.
وعند تأسيس مدرسة الشهيد إسماعيل حسن، تم تكليفه بإدارتها حتى عام 2015، حيث قدم استقالته للهجرة والاستقرار في أوروبا. طوال هذه السنوات، أثبت الأستاذ مصطفى أنه نموذج للمعلم المثالي، محاطًا بالاحترام والمودة من زملائه وطلابه، وقد امتازت شخصيته بالهدوء والرزانة والصدق، ودوام الالتزام بالقيم الأخلاقية الرفيعة، وكان محبوبًا في الوسطين التعليمي والإداري، وحظي بتقدير الجميع لمثابرته وحسن تعامله مع الجميع.
لم يقتصر عطاؤه على المجال التربوي، بل امتد إلى العمل الاجتماعي والخدمي، حيث تم ترشيحه ونجاحه لعضوية مجلس مدينة ديريك (المالكية) في ثلاث دورات متتالية منذ عام 1999 وحتى عام 2011، شغل خلالها منصب عضو المكتب التنفيذي، مؤكدًا مرة أخرى قدراته القيادية وتميزه في خدمة أبناء مدينته. وكان مثالًا للرجل النظيف والخدوم، الذي كرّس وقته وجهده من أجل رفعة مجتمعه، متفانيًا في كل مهمة وكل خدمة يقدمها لأهله وأقاربه وأصدقائه وزملائه.
وبالرغم من كل الإنجازات، أجبرته الظروف على مغادرة وطنه والهجرة إلى أوروبا، مثل العديد من الكفاءات التربوية والخدمية التي خسرتها ديريك، إلا أن أثره الطيب لا يزال حاضرًا في نفوس كل من عرفه، وذاكرة المدينة لن تنسى بصماته التعليمية والخدمية والاجتماعية.
أستاذي القدير مصطفى، كل مرة أستعيد ذكرياتك وأيامك في ديريك، أشعر بالفخر والامتنان لوجود شخصية مثلك بيننا. كنت مثالاً للهدوء والرزانة، للصدق والكرم، وللخدمة المتفانية في كل ميدان دخلته. أرجو أن تبقى ذكراك ونماذج عطائك فينا دائمًا، وأن يديم الله عليك الصحة والعافية، فقد كنت وستبقى قدوة لكل الأجيال القادمة.
إن حياة الأستاذ مصطفى ملا صبري ليست مجرد مسيرة تعليمية، بل شهادة حية على القيم الإنسانية الأصيلة، نموذج يُحتذى به لكل من يسعى لنشر العلم والمعرفة وخدمة مجتمعه. نرفع له القبعات بكل فخر واعتزاز، فهو بلا شك يستحق كل التقدير والإكبار، ونتمنى له دوام الصحة والنجاح أينما كان.

No comments:
Post a Comment