Tuesday, December 2, 2025

جورجيت عيدو … رحلة حياة في حب العلم والعطاء

 جورجيت عيدو … رحلة حياة في حب العلم والعطاء


إعداد : ميلاد كوركيس 

صاحب مشروع : Memora 360 - Arabic



في رحاب العلم والمعرفة، يبدأ كل إنسان رحلةً تبحث عن النور والهداية، ويجد في المعلم نبراسًا يضيء دروب الحياة، ويزرع في النفوس بذور الفضول والإبداع. المعلم هو من يفتح آفاقًا جديدة للطلاب، ويعلمهم أن السعي وراء المعرفة ليس مجرد واجب، بل شغف وحياة، وأن العلم هو السلاح الذي يرفع الأمم ويصنع الحضارات. وقد تشرفتُ أنا، ميلاد كوركيس، أحد طلابها، بالتعرف على المعلمة الفاضلة جورجيت عيدو، فقد كانت بالنسبة لي أكثر من معلمة؛ كانت قدوة في العطاء، ومصدر إلهام، ونموذجًا حقيقيًا للقيم النبيلة والصدق في التعليم. لقد تركت في نفسي أثرًا لا يُنسى، وغرست في قلبي حب العلم والمعرفة، وشجعتني على المثابرة والسعي نحو الأفضل دائمًا. تجربتها الطويلة في التعليم، وحرصها على تربية الأجيال بالمحبة والإخلاص، علمتني أن المعلم ليس مجرد ناقل للمعلومة، بل هو من يشعل في الطلاب شعلة الفضول وحب التعلم، ويزرع فيهم الثقة بالنفس والاحترام المتبادل.


ولدت في منطقة المالكية ديريك بتاريخ 16/6/1959، وترعرعت في كنف أسرة طيبة مكونة من والديّ: إسحق عيدو وفهيمة كبرو حنو، وثلاثة إخوة وخمس أخوات، وكنت الترتيب السادس بينهم. عشت طفولة جميلة، ملؤها المرح والبراءة، حيث كنت أرافق جدي وجدتي إلى الكروم الممتلئة بدوالي العنب، وأقطف الورود على الطريق، وأحيانًا أزور عمتي في القرية لأعيش أجواءها البسيطة وأتنفس هواءها النقي.


والدي، رغم أنه لم يلتحق بالمدرسة، تعلم القراءة والكتابة والحساب بمجهوده الشخصي، وكان محبًا للعلم والتعليم، يحثنا دائمًا على الدراسة ومتابعة التعلم، وكانت توجيهاته وأملياته مصدر دعم كبير لي لمواصلة التعليم والتفوق.


نشأت على القيم النبيلة من الصدق والمحبة والأمانة والإخلاص في العمل، التي شكلت دعائم شخصيتي وعلاقاتي مع الآخرين في المجتمع والعمل. محبة أهلي للعلم والثقافة حفزتني على المطالعة منذ الصغر، ووجدت فيها نافذتي إلى العالم.


حبها للعلم والدراسة دفعها إلى التعلق بالقراءة والمطالعة منذ سن صغيرة، وقد رافقها الفضول لاكتشاف العالم، فحفظت الأشعار والقصص، وكتبت الرسائل للأقارب والمسافرين، وشاركتهم المعرفة بكل حب وإخلاص. تذكّر حادثة المركز الثقافي وهي في الثامنة من عمرها، حيث رفض أمين المكتبة إعارتها قصة بحجة صغر سنها، لكن تدخّل مدير المركز منحها الفرصة لتقرأ بصوت جهوري وواثق، ما زاد تعلقها بالكتب والمعرفة، وجعلها تكتسب مخزونًا كبيرًا من المفردات، واستطاعت استخدامها في مواضيعها المدرسية، لتصبح متألقة بين زملائها ومعلماتها.


في المرحلة الإعدادية، تابعت جورجيت تفوقها، وحصلت على المرتبة الأولى بين زميلاتها، ثم اختارت الفرع العلمي في الثانوية، حيث حلمت بدراسة الصيدلة، لكن الظروف المادية فرضت عليها دراسة معهد إعداد المعلمين في مدينة الحسكة. خلال الثانوية ساعدت جورجيت أخواتها في حياكة الصوف، وواكبت مسؤوليات الأسرة بجانب الدراسة، لتتعلم قيمة الاجتهاد والعمل المبكر، ولم تترك الدراسة ولا حب التعلم يتأثران بالظروف.


بعد اجتياز المعهد، بدأت مشوارها التعليمي في مدرسة المأمون الريفية، ثم مدرسة سكينة بنت الحسين، المدرسة التي شهدت طفولتها، حيث استقبلتها مديرتها آنجيل جبرائيل أم حيان بحب ودفء، لتكون بداية رحلة طويلة من العطاء والإخلاص في التعليم. تميزت بتدريس الصفوف العليا، المواد العلمية والأدبية، وقدرتها على التأثير الإيجابي في تلاميذها، ما أهلها لتصبح لاحقًا معاونة للمديرة، ثم مديرة المدرسة، ثم أمينة السر، واستمرت في مسيرتها التعليمية لأكثر من 33 سنة من الجد والاجتهاد والعطاء، حتى استقالت بسبب ظروف الحرب والتفكير في الهجرة.


حياتها الشخصية اتسمت بالمحبة والتعاون، فقد تزوجت من الأستاذ بهنان صليبا، المدرس المساعد للغة الإنجليزية، وأنجبت ولدًا وثلاث بنات، وأسست أسرة متكاملة قائمة على المحبة والرعاية المتبادلة، مع الحفاظ على قيم التعليم والعمل الجاد. وللأسف، بعد سنوات من الحياة المشتركة، فقدت جورجيت زوجها الحبيب، ما كان له أثر عميق عليها وعلى أسرتها، فقد ترك فراغًا كبيرًا في حياتها، لكنها واجهت هذه المحنة بالصبر والإيمان، وحافظت على تماسك الأسرة وتربية أبنائها بالقيم التي آمن بها الزوجان طوال حياتهما.


وعندما تأزمت الظروف في سوريا، وتفاقمت الصعوبات بعد فقدان رفيق الدرب، قررت جورجيت الهجرة إلى السويد برفقة ابنتيها جوليا وجيسيكا وبعض الأهل، عبر رحلة بحرية محفوفة بالمخاطر من تركيا إلى اليونان، لتبدأ مرحلة جديدة من التحدي والتكيف. بعد وصولهم إلى السويد بتاريخ 28/10/2015، قدموا طلب اللجوء وحصلوا على الإقامة المؤقتة، وبدأت جورجيت تعلم اللغة السويدية رغم تجاوزها الخامسة والخمسين، لتصل إلى مستوى يعادل المرحلة الإعدادية.


في السويد، عملت جورجيت لمدة أربع سنوات، أول عامين كأمينة مكتبة في مدرسة ابتدائية، لتستمر هوايتها وشغفها بالقراءة، ثم عملت لمدة عامين آخرين كمعلمة مساعدة للصفين الرابع والخامس، مستفيدة من سهولة المناهج وتسامح المعلمين، معززة بذلك قدرتها على تعليم الطلاب بفعالية، مع الحفاظ على روح الحب للمعرفة والالتزام بالعمل.


وطني الغالي يسكن قلبي وذكرياتي، وأدعو الله أن يمنحه الأمان والسلام، وأن يظل مصدر فخر وحب لي مدى الحياة.


رسالتي إلى الجيل الجديد من المعلمين والمعلمات: كونوا بناة حقيقيين، وغرسوا في نفوس الطلاب المحبة والصدق وقبول الآخر. أما الطلاب، فلا مانع من مواكبة التطور والتكنولوجيا، ولكن احرصوا على إنسانيتكم وحافظوا على قيمكم وأخلاقكم.


لو عاد بي الزمن، لاخترت التعليم مرة أخرى، لأنه رسالة سامية، وليس مجرد مهنة، وكم يسعدني أن أرى طلابي في كل بقاع الأرض يحققون النجاح، ويذكرون جهودي بالحب والتقدير، ويحتفظون بذكريات جميلة من أيام الدراسة معي.


رسالتي لأبنائي أحبتي: أنتم كنزي الحقيقي وثروتي التي لا تُقارن، فكونوا لبعضكم السند، وعيشوا حياتكم بالمحبة، وكونوا دائمًا مثالًا للصدق والتواضع. أحبكم وأتمنى لكم كل الخير، وربي يحفظكم.


وقد تشرفتُ أنا، ميلاد كوركيس، أحد طلابها، بالتعرف على المعلمة الفاضلة جورجيت عيدو، فقد كانت بالنسبة لي أكثر من معلمة؛ كانت قدوة في العطاء، ومصدر إلهام، ونموذجًا حقيقيًا للقيم النبيلة والصدق في التعليم. لقد تركت في نفسي أثرًا لا يُنسى، وغرست في قلبي حب العلم والمعرفة، وشجعتني على المثابرة والسعي نحو الأفضل دائمًا. تجربتها الطويلة في التعليم، وحرصها على تربية الأجيال بالمحبة والإخلاص، علمتني أن المعلم ليس مجرد ناقل للمعلومة، بل هو من يشعل في الطلاب شعلة الفضول وحب التعلم، ويزرع فيهم الثقة بالنفس والاحترام المتبادل.


وبصفتي صاحب مشروع Memora 360 - German ، أشعر بالفخر والامتنان لتوثيق حياة شخصيات عظيمة مثلها، لتكون مصدر إلهام للأجيال القادمة. أقول لكل من سيقرأ سيرتها أو يتعرف عليها: المعلمة جورجيت ليست مجرد اسم في سجل التاريخ، بل هي رسالة حيّة للقيم، وللحب الحقيقي للتعليم، وللإخلاص في العمل، ولصنع الفرق في حياة الآخرين. لقد كانت وستبقى مثالًا حيًا على أن التربية والتعليم رسالة سامية، وأن كل لحظة قضيتها معها أو تحت إشرافها هي فرصة للتعلم والنمو، وفرصة للاحتفاء بالقيم التي تصنع الإنسان قبل أن تصنع المعلم.


وفي خاتمة هذه السيرة، يتبين لنا أن حياة المعلمة جورجيت عيدو ليست مجرد رحلة تعليمية، بل شهادة حية على قوة الإرادة، وعظمة الرسالة التعليمية، وقدرة الإنسان على تحويل التحديات إلى فرص، والمعاناة إلى خبرة، والحب للعلم إلى شعلة تضيء دروب الأجيال. هي مثال حي على أن التربية والتعليم رسالة لا يقتصر أثرها على جدران الصفوف، بل يمتد ليصل إلى كل حياة لمسها الطالب، وكل قلب زرعت فيه القيم، وكل أسرة تلهمها المحبة والصدق. إن قصتها تعلمنا أن العطاء بلا حدود، والالتزام بالمبادئ، والشغف بالمعرفة، والإخلاص في العمل، كلها عناصر تصنع معلمًا قدوة، وتترك إرثًا لا يُنسى للأجيال القادمة، وتجعل من حياتها رسالة خالدة للعلم والتعليم والمحبة الإنسانية.



No comments:

Post a Comment