Saturday, August 9, 2025

صبري مسعود الشاعرُ الإبداعيّ، وصوتُ الغزلِ الذي لم يُغنَّ بعد

صبري مسعود

الشاعرُ الإبداعيّ، وصوتُ الغزلِ الذي لم يُغنَّ بعد


بقلم : ميلاد كوركيس

صاحب مشروع “ شخصيات صنعت ذاكرة الوطن”



في مدينةٍ تنام على خاصرة التاريخ، وتستيقظ على نبض القصائد، في تلك الزاوية من الشمال الشرقي السوري، حيث تُولد الحكايات على صمت النهر وتُروى باللهجة السريانية، وُلد الأستاذ صبري مسعود عام 1958، في مدينة القامشلي، أو كما يحب أن يسميها السريان بلهجتهم الأزلية: "زالين".


ولد من رحم الطين الهادئ، في زمنٍ كانت فيه الحروف تُحفظ في الذاكرة قبل الورق، وكانت المدن تصنع شعراءها بالصمت والموسيقى، لا بالمنابر والتصفيق.


نشأ الأستاذ صبري وسط بيئة شرقية لا تعرف إلا الحب والكرامة، ولا تؤمن إلا بأن الشعر هو اللغة الأخرى للنجاة. فحمل منذ الطفولة شغفًا خفيًا بالكلمة، وتمردًا ناعمًا على المألوف، وبدأت جذوة الشعر تتوقد في داخله منذ أن كانت الطباشير تُخطّ الأبجدية على السبورة، وكان هو يُخطّ على جدران قلبه شيئًا من الحنين.


أكمل دراسته في القامشلي ونال شهادة الثانوية عام 1976، في زمن كانت فيه المدرسة أكثر من مجرد مكان للتعلم، بل كانت محرابًا صغيرًا تُولد فيه الشخصيات العظيمة، وتتشكل فيه المواقف والانتماءات.


في عام 1977، انتقل إلى مدينة حلب، المدينة التي تُشبه معبدًا قديمًا في حضارتها، ودرس هناك الهندسة المدنية في جامعة حلب. كانت سنواته هناك مزيجًا من الصراع بين العقل والعاطفة، بين الدروس والقصائد، بين الخرائط والأوزان الشعرية. لم تُطفئ الهندسة في قلبه شاعرًا، بل نظّمته، علّمته كيف يُشيّد جملةً كما يُشيّد جسرًا، وكيف يُقيم قصيدةً كما تُقام القلاع.


بعد تخرجه، عاد إلى مدينته الأم، القامشلي، وعمل في الإسكان العسكري على عدد من المشاريع الهندسية التي تركت أثرها في البنية التحتية للمدينة. لكنه، كما كلّ من كُتب عليهم أن يكونوا أحرارًا، لم يجد في الوظيفة الحكومية ملاذًا دائمًا، فقدم استقالته عام 1990، وبدأ رحلة جديدة في الأعمال الحرة، باحثًا عن فسحة أوسع للحرية والتعبير.


في صيف عام 1991، تزوج، وأنشأ بيتًا دافئًا امتدّ بالحب والخير، فأنجب ثلاث بنات وولدين، وأصبح لاحقًا جدًا لثلاثة أحفاد، يكبرون اليوم على قصصه، وعلى الحكايات التي يُخفيها في عينيه كلما قرأ لهم شعراً أو غنّى لهم بلهجته السريانية.


لكن الرحلة لم تتوقف عند حدود الوطن، ففي عام 2000، اضطر للهجرة إلى ألمانيا، حيث استقر في مدينة فيزبادن. وهناك، بين الحنين والبرد، بين الحروف والأوطان الغائبة، استمر في حمل قضيته الشعرية والإنسانية، وكتب، ونظم، وتذكّر… وكأن الزمن كله صار نافذته إلى ماضٍ لم يغب.


بدأ بكتابة الشعر كهواية منذ عام 1973، أي قبل حتى أن يدخل الجامعة. لم يكن الشعر لديه مهنة أو رغبة في الشهرة، بل كان خلاصًا، متنفسًا داخليًا لا يخضع لقيود اللغة أو المكان. كتب الشعر العربي بكل أنواعه وأشكاله، وتفنّن في كتابة الشعر العمودي الكلاسيكي، وشعر التفعيلة، والشعر الحر، والقصائد المرسلة، والخاطرة، والسجع، والمقالة الأدبية.


وكانت روحه السريانية تأبى إلا أن تتكلم بلغتها الأم، فكتب أيضًا الشعر السرياني الموزون، ليؤكد أن اللغة الأم لا تموت طالما هناك من يكتب بها ومن يحبها.


رغم غزارة إنتاجه، لم يطبع سوى ديوانٍ واحدٍ بعنوان "همسات حنان"، وكأن كل ما كتبه حتى اليوم كان مجرد تمرين طويل في انتظار الحلم الأكبر. لكن الحلم ما زال قائمًا، وهو يعمل حاليًا على تجميع قصائده في ديوانين: أحدهما بالعربية، والآخر بالسريانية، ليكون لكل لسانٍ من ألسن قلبه صوتٌ خاص، وصدى دائم.


كتب عن الوطن والإنسان والحب والهوية والغربة، لكن الطابع الأبرز الذي ميّز قصائده هو الغزل… ذلك الغزل الذي لا يُشبِه الترف، بل يحمل وجعًا خفيًا، وذكرياتٍ لم تُروَ بالكامل.

غزله لا يغازل الجسد، بل الروح. لا يبحث عن الحضور، بل عن الأثر. ولذلك، تجد في كل قصيدة من قصائده امرأةً يشتهيها الوجود، أو وطناً يتخفّى خلف نهد القصيدة.


لديه أكثر من أربعين قصيدة مغنّاة، بعضها بالعربية وبعضها بالسريانية، فكان صوته يتردد في المسارح، كما يتردد في الزوايا الصامتة لقلوبنا.


صبري مسعود… ليس شاعرًا فقط، بل هو ذاكرة لغوية، ورجل مواقف، وأبٌ لقصائد لم تُولد بعد. رجلٌ حمل الشرق في حقائبه حين غادر، ورفض أن يترك الوطن في قلبه حتى في أقصى المنافي.


واليوم، وهو في المهجر، لا يزال يؤمن أن القصيدة قد تنقذ ما لم تستطع السياسة إنقاذه، وأن اللغة وحدها وطنٌ لا يُباع ولا يُشترى.


فليُكتب اسمه إذًا، لا كواحد من الشعراء، بل كأحد الصُنّاع الصامتين لذاكرة الوطن، وكواحد من الذين لم يُطالبوا بمنبر، بل جعلوا من قصائدهم منبرًا.


 رسالة شخصية


إلى الشاعر الكبير والأستاذ الوقور صبري مسعود...


لم نلتقِ يومًا، ولم تجمعنا مقاعد الدراسة ولا دروب الطفولة، لكن قصائدك وصلت إليّ كما تصل الحكايات النبيلة، ووجدتُ فيك أكثر من شاعر، وجدتُ رجلًا آمن بالكلمة حين تخلّى عنها الآخرون، وآمن بالحب حين جفّت في الناس ينابيعه.


أنت من الذين يكتبون بضميرٍ لا يجامل، ووجدانٍ لا يتكلّف، ولهذا دخلتَ قلبي قبل أن أقرأ اسمك على غلاف.

سيدي، لستَ بحاجة لمن يمدحك، بل إلى من يُنصت جيدًا لِما تُخفيه قصائدك من وجعٍ ووفاء.

وها أنا أكتب عنك، لا لتشكرك الأضواء، بل ليعرف هذا الجيل، والأجيال القادمة، أن القصيدة لا تموت إذا كان وراءها شاعر يشبهك.


دمت لنا شاعرًا، وصوتًا، ورجلًا لا يُنسى.


#MXR #milad_korkis #ميلاد_كوركيس

No comments:

Post a Comment