Sunday, August 3, 2025

فيروزة الأجيال – تناغم الأعمار

 فيروزة الأجيال – تناغم الأعمار

الجزء الخامس : يا قمراً من ياسمين، من خبزِ الأمّ ومن زيتون الجليل

كتابة : ميلاد كوركيس


ما من نايٍ يُغنّي في الخفاء

إلّا ويتسلّلُ في لحنِه طيفُك،

ما من وترٍ يرتجفُ على عودِ عاشق

إلّا وكان في الصوتِ ظلّكِ،

وما من فجرٍ يتسرّب على رؤوسِ التلال

إلّا وكان غناؤكِ قد سبقهُ ليبلّل التراب بالدفء.


أيتها الآتيةُ من "يوم ورا يوم"،

من بيوتٍ لا تعرف الكهرباء

لكنّها تعرفكِ،

من شرفاتٍ لا تملك نوافذَ زجاجٍ

لكنها تفتح للريح أغانيك،

من دفاترِ البناتِ في الصفوفِ الأولى،

من دفءِ الجاراتِ وهنّ يعلّقن الغسيل ويغنينَ:

"يا مرسال المراسيل".


كنتِ الصباحَ حين كنّا في الظلام،

وكان وجهُكِ في الأغنية،

نورًا نعلّقه على شباكِ القلب،

ووطناً نعود إليه من كل تعب.


يا من غنّيتِ "كانوا يا حبيبي" وكأنكِ تسردين سِفْرَ الغياب،

وكأنّ كلّ عاشقٍ مرّ بكِ صار وطنًا،

وكلّ وطنٍ، مرّ بكِ، صار عاشقًا،

يا من حرّكتِ أرصفةً كانت تبكي على غياب العشّاق،

فغنيتِ لها… فغفرتْ.


أكنتِ تعرفين أن صوتكِ، وحده،

كان كفيلًا أن يجعلَ الحبَّ أكثر إنسانية؟

أن يجعلَ الغيابَ أقلّ قسوة؟

أن يجعلَ الكذبةَ أقل وجعًا إن أتت بعد أغنية منكِ؟

أن يجعلَنا نشتهي الألمَ… ما دام يحمل نغمتك؟


ويا من خبّأتِ في "كيف حالك يا حبيبي"

صوتَ الذين لا يُسألون،

والذين ينتظرون دون سؤال،

والذين لا يعرفون كيف يعبّرون عن تعبهم،

فيسمح لهم صوتكِ أن يعبّروا بالبكاء.


كنتِ توزّعينَ الحنانَ بصوتٍ لا يتغيّر،

وترقعينَ الذاكرةَ من قُماشِ الطفولة،

حتى صارت "طلوا حبابنا" صلاةً نُشعلها قبل أن ننام،

وصارت "نطرتك" نشيدًا للغائبين،

ومنديلًا لمن لم يصلوا…

ولكنهم ما زالوا يحبون.


كنتِ ليلًا يشبه النور،

ونورًا يشبهُ الحنين،

كنتِ لحظةَ الرجفةِ الأولى على باب الحبيبة،

وحين نسمعُ: "يا حبيبي كلّما بوستك بتوجّع"،

نحسُّ أن الحبَّ عتيقٌ كالقهوة،

جميلٌ كجدّاتِنا،

صادقٌ كأمهاتِنا،

وضوءٌ يشبه شفاهَ الصلاة.


كنتِ "قمحاً"،

"وندى"،

"وضيعةَ عطر"،

كنتِ يدًا تُطبطب على الريح،

وتقول: لا بأس، الوطنُ سيعود،

وكلُّ فراقٍ سيغنّي… يومًا.


#MXR

يتبع الجزء السادس 

No comments:

Post a Comment